خطوة صغيرة لكنها ليست نهاية المطاف

  • 21 ديسمبر 2009

عوّل العالم كثيراً على "مؤتمر المناخ"، الذي اختتم أعماله مؤخراً في كوبنهاجن، ليصل إلى إطار عمل قوي لمواجهة مشكلة التغيّر المناخي وما ينجم عنه من مخاطر وجودية تهدّد الحياة على سطح الكرة الأرضية. إلا أنه بعد نحو أسبوعين من العمل والجدل والنقاش ومشاركة (193) دولة و(130) رئيس دولة وحكومة، انتهى المؤتمر باتفاق محدود وغير ملزم توصّل إليه قادة (30) دولة ذات اقتصادات متطوّرة وصاعدة، ولم يلبّ إلا الحدّ الأدنى من المطالب التي طرحت قبله والاستحقاقات الجوهرية التي كان عليه أن يتعامل معها. إن النتائج الضعيفة التي خرج بها "مؤتمر كوبنهاجن" أصابت ملايين البشر حول العالم بخيبة أمل، بعد أن أوحت المشاركة الكبيرة فيه من قبل قادة الدول الكبرى بأن ثمة إنجازاً نوعياً سوف يتحقق على طريق التعاون الدولي في معالجة قضية التغيّر المناخي، حيث أظهرت هذه النتائج أنه على الرغم من أن الخطر كبير ووجودي ويتهدّد دول العالم جميعها، متقدمة كانت أو نامية، فإن الخلافات حول طريقة التعامل معه وتوزيع المهام والمسؤوليات والتكاليف، ما زالت واضحة، وفجوة المواقف ما زالت متّسعة سواء على مستوى الدول المتقدمة أو بينها وبين الدول النامية.

لكن على الرغم من أن المؤتمر لم يلبّ طموحات شعوب العالم، ولم ينجح في تذليل الخلافات والعقبات والمشكلات التي تحول دون التوصّل إلى اتفاق شامل وملزم، فإنه لا يعني أن الجهد الدولي في التصدّي لمشكلات المناخ قد فشل أو طويت صفحته، وإنما هو جهد مستمر وممتد لا يمثّل فيه "مؤتمر كوبنهاجن" سوى محطة أو مرحلة من مراحل ومحطات سابقة وأخرى مقبلة، ولن تتوقف اللقاءات والمؤتمرات والنقاشات، على المستويات المختلفة، حول هذه القضية، وهناك قمّة مقبلة حول المناخ في مكسيكو في شهر نوفمبر من العام المقبل 2010، واقترحت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، محادثات خلال ستة أشهر للإعداد لهذه القمّة. ليس أمام العالم وقواه الكبرى والصغرى، برغم كل الخلافات والعقبات والمشكلات والتباينات في وجهات النظر، وبرغم وجود بعض القوى التي تشكّك في الخطر المناخي، إلا التعاون والعمل المشترك من خلال أطر قانونية ومؤسسية فاعلة في التعامل مع التغيّر المناخي، لثلاثة أسباب لا تغيب عن إدراك الجميع: أولها أن الأخطار الناجمة عن التغيّر المناخي هي أخطار حقيقية، وأي محاولة للتشكيك فيها أو التقليل منها هي محاولة فاشلة لأنها تعمل ضد الحقائق على الأرض التي يلمسها الناس ويتأثرون بها بشكل مباشر. ثانيها أن هذه الأخطار لا تواجه دولة بعينها أو مجموعة من الدول، وإنما مجالها هو الكرة الأرضية كلها، ومن ثم فإنه لا يمكن لأي طرف أن يدّعي أنه بعيد عنها أو محصّن ضدها. ثالثها أن هذه الأخطار ذات طابع كوني، ومن ثم لا يمكن لأي دولة مهما بلغت قدراتها وإمكاناتها أن تواجهها بمفردها، وهذا يجعل الشراكة العالميّة أمراً حتمياً. لكن ما سبق لا يعني أن العالم أمامه فسحة كبيرة من الوقت لتدبّر أمره على مهل، لأن المشكلات المناخية المتصاعدة تزداد خطورة وتعقيداً باستمرار، وبالتالي فإنه مطالب بالإسراع في إنجاز خطة المواجهة حتى لا يأتي تحرّكه بعد فوات الأوان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات