خطوات على الأرض تعزز نفوذ موسكو وتدعم سلطة الأسد في سوريا

  • 27 مايو 2020

منذ تدخلها العسكري المباشر في الأزمة السورية في سبتمبر من عام 2015، تقترب روسيا يوماً بعد آخر من تحقيق هدفها غير المعلن وهو اتخاذ سوريا قاعدة رئيسية لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، في مواجهة المدّ الأمريكي والأطلسي الذي كان حتى فترة قريبة اللاعب الوحيد في المنطقة والقوة الحاسمة في رسم خرائطها على أرض الواقع خصوصاً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط نظامه السياسي عام 2003، الذي غيّر إلى حد كبير وجه المنطقة وجغرافية التحالفات السياسية والعسكرية فيها.

فموسكو التي تبنت بشكل غير قابل للجدل أو التراجع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وألقت بثقلها السياسي والعسكري خلفه وقدمت له طوق النجاة بعد أن كان على حافة الانهيار، باتت اليوم وبعد نحو 5 سنوات من الحرب التي لا هوادة فيها على جميع التنظيمات التي قاتلت ضد النظام اللاعب الأبرز على الساحة وصاحبة الحل والعقد في كل شاردة وواردة على الساحة السورية، خصوصاً بعد أن تمكنت من تحجيم النفوذ والدور الإيراني الطامح إلى إلحاق دمشق بسلسلة العواصم العربية الخاضعة لسيطرتها في إطار هلالها الذي رسمته لتطويق العالم العربي من لبنان في الشمال الغربي إلى اليمن في الجنوب الشرقي.

تطورات الأحداث على الساحة السورية تشير إلى تسارع وتيرة المساعي الروسية لإعادة تثبيت أركان الدولة السورية بنظامها القائم حالياً ومن دون أي تغييرات في المدى المنظور، وتمكينها من بسط سيطرتها الكاملة على كامل التراب السوري ورفض أي محاولات للإبقاء على جيوب للتمرد هنا أو هناك، وذلك لحرمان قوى المعارضة والأطراف الداعمة لها من الأوراق التفاوضية كافة التي تتيح لها ممارسة الضغوط أو فرض شروط للحل. آخر الخطوات التي أعلنتها موسكو في سياق تدعيم سلطة الأسد، التي جاءت بعد قصف شرس شنته على مدار أشهر ضد فصائل المعارضة في إدلب وريفها أدى إلى إضعاف قوة تلك الفصائل وشلّ وتحييد الكثير من إمكاناتها، هو إعلان مسؤول عسكري روسي رفيع المستوى من مطار القامشلي الدولي قبل أيام عدّة إعادة فتح طريق «إم 4» الدولي الرابط بين شمال شرق سوريا ومناطق الداخل والساحل، وتخصيصه لحركة المدنيين والحركة التجارية، وتسيير دوريات روسية مدعومة جواً لتعقّب الحركة عليه ومنع أي استفزازات عسكرية قد تؤدي إلى إعاقة انسيابية الحركة عبره، وذلك برغم أن نحو 80 كم من هذا الطريق ما يزال تحت سيطرة الفصائل السورية الموالية لتركيا، وهو ما يشير إلى تفاهمات يبدو أنها جرت في غرف مغلقة بين الجانبين التركي والروسي لتبريد الساحة وتجنب التصعيد، وهي تفاهمات تخدم بلا شك الهدف الروسي في تدعيم سلطة الأسد من ناحية وتحجيم أي نفوذ قد ينافس نفوذها وسلطتها وصولاً إلى مرحلة يتمّ فيها تحييد اللاعبين الآخرين كافة من الساحة السورية.

تطور آخر يدعم هذه الفرضية تمثل في قيام القوات الروسية بتعزيز وجودها العسكري على خطوط التماس مع فصائل «الجيش الوطني» الموالي لتركيا، في مدينة تل رفعت وريفها وبعض قرى ريف عفرين الخارجة عن سيطرة تلك الفصائل بريف حلب الشمالي، حيث أنشأت تلك القوات مؤخراً نقاطاً ومراكز عسكرية تابعة لها وقامت بنقل مقر قيادتها العسكرية إليها، في حين حلّت الشرطة العسكرية الروسية محل القوات الحكومية السورية في العديد من نقاط التفتيش والمراقبة والتحكم واستقدمت إليها تعزيزات بشرية ومدرعات وعربات تشويش ومعدات للاتصالات.

وعلى الرغم مما يجري الترويج له من وجود توترات في العلاقة بين موسكو والرئيس السوري بشار الأسد قد تدفع موسكو إلى التراجع عن دعمه أو خفض ذلك الدعم في تقديرات أكثر تفاؤلاً، وهي تستند في مجملها إلى انتقادات وجهتها مقالات نشرت في وسائل الإعلام الروسي لنظامه، فإن المؤشرات على أرض الواقع تشير إلى عكس ذلك تماماً، وتؤكّد عدم وجود أي تغيرات رئيسية في سياسة موسكو، وأن روسيا ماضية في تدعيم سلطته والمحافظة على قواعد اللعبة في هذا الصدد وهي اعتماده عليها عسكرياً واعتمادها عليه سياسياً، لأن تخليها عنه سيعرضها إلى ضرر سياسي هي ليست مستعدة ولا ترغب في مواجهة تبعاته خصوصاً في ظل ما حققته من مكاسب تستعد حالياً لجني ثمارها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات