خطط الولايات المتحدة وبريطانيا لبناء أسلحة نووية جديدة

د. عادل رشيد: خطط الولايات المتحدة وبريطانيا لبناء أسلحة نووية جديدة

  • 7 أكتوبر 2007

بينما يحاول المجتمع الدولي مواجهة الطموحات النووية لإيران وكوريا الشمالية، تخطط كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بصمت لبناء جيل جديد "من الأسلحة النووية الحديثة"، في تجاهل تام للنظام الدولي الخاص بمنع الانتشار النووي.

ويلحظ المتابع للسياسة النووية الأمريكية أن ثمة تغييراً ملحوظاً قد لحق بهذه السياسة خلال السنوات السبع الأخيرة من عمر إدارة "بوش"؛ حيث تحولت الولايات المتحدة من كونها واحدة من أكثر الساخطين والمتذمرين من عدم التزام كثير من الدول بتعهدات السيطرة على الأسلحة النووية وسياسات حظر الانتشار النووي، إلى تبني نهج أكثر عدوانية وتحدياً في هذا الصدد. فقد تراجعت هذه الإدارة عن كثير من تعهدات حظر الانتشار، وادعت أن معاهدة حظر الانتشار النووي لن تنجح إلا إذا سمحت للقوى النووية الكبرى بالاحتفاظ بترساناتها النووية. كما أنها لم تصدق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بل دعمت البرامج النووية لدول أخرى ليست أعضاء في معاهدة حظر الانتشار النووي (مثل إسرائيل والهند)، ودشنت برامج بعدة بلايين من الدولارات للإنفاق على الأبحاث الخاصة بتطوير الأسلحة النووية الانصهارية والفضائية، واعترضت على الاتفاقية المعنية بوضع آليات للتحقق من وجود المواد الانشطارية.

كما احتفظت إدارة "بوش" لنفسها أيضاً بخيار أو حق الاستخدام الأول للأسلحة النووية ضد دول غير نووية، وشرعت بالفعل في عملية تطوير أسلحة نووية جديدة، في إطار ما يسمى "برنامج استبدال الرؤوس الموثوقة"، والذي تسعى من خلاله إلى تطوير وتحديث مخزونها الحالي من الأسلحة النووية المتقادمة.

ويشير الخبراء إلى أن السياسة النووية التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة منذ مطلع العام 2001، تنظر إلى الأسلحة النووية، ليس كوسيلة للردع فحسب، بل أيضاً كجزء من استراتيجية القتال الحربي الأمريكية. وطبقا لهذا النهج، فقد بدأت إدارة بوش بالفعل في تطوير نظم تسليم نووية استراتيجية جديدة تشمل كل من الصواريخ والقاذفات، وتطوير مرافق نووية حديثة بقدرات تصنيعية تتراوح بين 250 إلى 900 عنصر نووي سنوياً.

وقد جاءت الخطوة العملية الأولى في عملية المراجعة الرئيسة للسياسة النووية الأمريكية في مايو/أيار 2003، عندما ألغى مجلس الشيوخ الأمريكي القانون الذي صدر في عام 1994 وعرف باسم "تعديل سبرات-فارس"، والذي كان يفرض حظراً على إجراء أية بحوت أو عمليات تطوير للأسلحة والقنابل النووية الصغيرة التي تقل زنتها عن خمسة أطنان، على أساس أن هذه الأسلحة النووية لا يمكن أن تُستخدم عشوائياً في الحروب. وبعد إلغاء هذا القانون، سعت إدارة "بوش" إلى إطلاق مبادرتين جديدتين، عرفت الأولى باسم "مبادرة المفاهيم المتقدمة" Advanced Concepts Initiative (ACI) ، وعرفت الثانية باسم "القوى النووية الخارقة للأرض" Robust Nuclear Earth Penetrator (RNEP).

ويهدف برنامج "مبادرة المفاهيم المتقدمة" إلى تصميم رؤوس نووية جديدة ومعدلة ذات ضحايا أقل ونواتج إشعاعية محدودة وآثار تفجيرية أقل تدميراً، فيما تركز المبادرة الثانية على زيادة قدرة الأسلحة النووية على التغلغل في أعماق الأرض قبل التفجير، بالشكل الذي يسهل تدمير الأهداف المدفونة أو الموجودة على أعماق بعيدة في الأرض. كما سعت الإدارة إلى تخفيض الوقت الأقصى المتاح بين اعتماد الرئاسة للتمويل المطلوب لإجراء أية تجربة نووية وإجراء التجربة أو الاختبار ذاته إلى نحو 18 شهراً فقط، بدلاً من الفترة التي كانت تستغرقها هذه العملية في السابق والتي كانت تتراوح بين 24 و36 شهراً. وقد أقر الكونجرس هذه الأحكام وأصبحت قانوناً بحلول نهاية عام 2003، ولكن في عام 2004 قرر الكونجرس، وعلى غير المتوقع، الحد من تمويل جميع هذه المبادرات، وقضى تماماً على الميزانيات المخصصة لمبادرتي "المفاهيم المتقدمة" و"القوى النووية الخارقة للأرض"، وإن كانت "مجموعة جين للمعلومات" تشكك في إلغاء مشروع مبادرة القوى النووية الخارقة للأرض بشكل كامل وتتوقع استمراره ولكن تحت اسم مختلف.

ورغم هذه الانتكاسات الأمريكية على المستوى التشريعي، فقد وافقت إدارة "بوش" على خطة جديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2006 لتحديث وتطوير جميع مرافق الأسلحة النووية في الولايات المتحدة بحلول عام 2030، وتضمنت هذه الخطة التي عرفت باسم (كومبلكس 2030) تنقية وتدعيم البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة النووية، وبناء مخزون جديد هذه الأسلحة يضم ما بين 1.700 إلى 2.200 رأس من الرؤوس النووية التي أُعيد تصميمها بموجب برنامج استبدال الرؤوس الموثوق بها، والذي يستهدف إجراءا إحلال تدريجي لعدد الـ 6.600 رأس نووي الموجودة حالياً، والمخطط لها أن تستمر حتى نهاية هذا القرن.

وتقدر تكلفة خطة "كومبلكس 2030" بما يتراوح بين 100-150 بليون دولار. ويمثل برنامج إحلال الرؤوس الموثوقة محور هذه الخطة. ورغم أن أنواع الرؤوس التي ستبنى في إطار هذا البرنامج ما تزال غير واضحة، إلا أنها تستهدف تصميم أسلحة نووية جديدة تكون "موثوقة جداً، وسهلة وآمنة التصنيع والرصد والاختبار". ومن المتوقع أن يساعد هذا البرنامج في الإسراع بعملية إصلاح وتعديل الأسلحة الموجودة بالفعل، وتطوير الأسلحة الجديدة، وفقا للاحتياجات المتغيرة للجيش الأمريكي.

 ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تطور أسلحة نووية جديدة منذ عام 1988، ولكن في الثاني من مارس/آذار 2007، اختارت وزارة الطاقة الأمريكية تصميماً جديداً لأول سلاح نووي ينتج في مرحلة ما بعد الحرب الباردة بموجب برنامج إحلال الرؤوس الموثوقة ( RRW)، والذي أثار بدوره جدلاً واسعاً بين المؤيدين والمعارضين له؛ حيث أثار المؤيدون الشكوك بشأن معايير السلامة والأمان والموثوقية الخاصة بمخزون الأسلحة النووية الأمريكي، وحذروا من مخاطر تقادمه وعدم تطويره، رغم أن هذا المخزون يتم تفتيشه والتصديق عليه سنوياً بموجب برنامج "إدارة المخزون".

في المقابل احتج منتقدو هذا البرنامج بأنه لا توجد ضرورة أو حاجة إلى تطوير أسلحة نووية جديدة لبدء التخفيض الموعود في المخزون النووي الأمريكي، فهذا الادعاء هو ضد روح ونصوص اتفاقات نزع السلاح. أما الحجة القائلة بتعرض المخزون النووي الحالي للتقادم والشيخوخة، فقد تعرضت هي الأخرى للتشكيك؛ حيث أكد أحد التقارير السرية للفريق الاتحادي، المعروف رمزياً باسم "جاسون" عدم صحة هذا الادعاء، مشيراً إلى أن المخزون النووي الأمريكي الحالي في حالة جيدة، ويمكن أن يعيش قرناً آخر أو أكثر. وهكذا، فبينما تؤكد وجهة النظر الرسمية  أن الهدف من هذا البرنامج هو إحلال الرؤوس النووية التي تعاني من التقادم والشيخوخة، يرى المنتقدون أن الهدف هو تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية لإبقاء الولايات المتحدة على رأس الهيمنة العالمية النووية، وهو ما يخالف، بحسب هذا الرأي، أحكام ومبادئ النزع الشامل للأسلحة النووية، الذي تسعى إليه معاهدة حظر الانتشار النووي، التي وقعت عليها الولايات المتحدة.

 كما يرى هؤلاء أن البرنامج يمكن أن يضر بالأمن القومي الأمريكي ويعرقل التعاون الدولي القائم في مجال عدم الانتشار النووي، الذي يعد أمراً حيوياً بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية، لاسيما مع ظهور تهديدات جدية من قوى تطمح لامتلاك السلاح النووي مثل إيران وكوريا الشمالية. علاوة على ذلك، فإن وضع تصاميم جديدة للأسلحة النووية، لاسيما التصميمات الهجينة، قد يحتم اختبار هذه الأسلحة الجديدة في مرحلة ما في المستقبل، وإذا حدث ذلك وقامت الولايات المتحدة بإجراء التفجيرات التجريبية، فإن هذا قد يقضي تماماً على الحظر الدولي المفروض على التجارب النووية، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الدول الأخرى لإجراء التجارب النووية.

 ولحسن الحظ، فقد رفض مجلس النواب الأمريكي تخصيص المال اللازم لبرنامج (RRW) ضمن الميزانية القادمة لوزارة الطاقة، في حين وافق مجلس الشيوخ على تمويل البرنامج جزئياً، غير أن الميزانية النهائية لم يتم بعد الموافقة عليها في الكونجرس.

وبدورها، فقد حذت حكومة حزب العمال البريطانية حذو الولايات المتحدة في تنشيط برنامج أسلحتها النووية، ففي ديسمبر/كانون الأول 2006، تحدثت الصحف البريطانية عن خطط لإصلاح وتجديد الترسانة النووية لبريطانيا، والتي تتألف أساساً من صواريخ ترايدنت التي تطلق من الغواصات. وفي مارس/آذار 2007، حصلت الحكومة على دعم مجلس العموم البريطاني لخططها الخاصة بتحديث نظام الغواصات النووية. وذكر آنذاك أن الحكومة ستنفق ما يتراوح بين 15و20 بليون جنيه إسترليني على الغواصات الجديدة لحمل صواريخ ترايدنت. وسيستغرق تطوير وبناء الأسطول ما يقرب من 17 عاماً، وقد تستمر عملية التحديث حتى عام 2050.

وفي نفس الوقت، ذكرت صحيفة "الجارديان" البريطانية أن أسلحه ترايدنت النووية يجري سراً رفع مستواها لزيادة دقتها وقدرتها على مهاجمة مجموعة أوسع من الأهداف. وادعت الصحيفة أن وزارة الدفاع البريطانية اعترفت بأن الولايات المتحدة قامت بتطوير نظام جديد يسمى "التسليح والتفجير وإطلاق النار" (Arming, Fusing and Firing (AF&F) system) لتركيبه في أنظمة الأسلحة النووية البريطانية بواسطة علماء مؤسسة بحوث الأسلحة النووية في ألدارماستون في بيركشاير. وقد أغضب هذا الكشف منظمي الحملات المناهضة للأسلحة النووية، والذين اعتبروا النظام الجديد (AF&F) سلاحاً هجومياً وليس دفاعياً مخصصاً للردع كما هو معلن.

ولم يكن من الغريب أن ينتقد رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية "محمد البرادعي" بريطانيا بشدة لاندفاعها باتجاه تطوير مزيد من الأسلحة النووية، وبرز هذا واضحاً في خطابه الذي ألقاه في كلية لندن للاقتصاد، حيث قال: "إن بريطانيا لا يمكنها أن تتوقع من بلدان أخرى الامتناع عن حيازة الأسلحة النووية إذا قامت هي بتطوير صواريخ ترايدنت.. قد يقال للبلدان الأخرى إن الأسلحة النووية لها تأثيرات عكسية لأنها لا تحمي أمنكم. ولكن، عندما تنظر هذه البلدان إلى كبير العائلة، ماذا يرون؟ .. إنهم يرون زيادة في الاعتماد على الأسلحة النووية من أجل الأمن، كما أنهم يرون أن الأسلحة النووية يجرى تحديثها باستمرار!!".

لاشك أن إصرار الولايات المتحدة وبريطانيا على الاستمرار في طريق إعادة تسليح أنفسهم بأسلحة نووية جديدة، سينزع عنهم الشرعية اللازمة للاعتراض على أو اتخاذ أية إجراءات قد يرونها ضرورية ضد دول أخرى تطمح لمتابعة وتطوير برامجها النووية مثل إيران وكوريا الشمالية، لاسيما أنهم أنفسهم لا يلتزمون بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي  تدعو الدول الخمس الكبرى المعترف بها رسمياً كدول نووية للتحرك تدريجياً نحو النزع الشامل للسلاح النووي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات