خطر تفجير المجتمعات العربيّة من الداخل

  • 2 نوفمبر 2010

في كل يوم يتأكد أن الإرهاب ليس خطراً أمنياً فقط وإنما هو خطر سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أيضاً، كما أنه لا يهدد أمن المجتمعات واستقرارها فحسب وإنما يتجاوز ذلك لينخر بقوة في الأعمدة التي تقوم عليها هذه المجتمعات من خلال تسميم العلاقات بين طوائفها ومذاهبها وأعراقها بهدف تفجيرها من الداخل وتحويلها إلى ساحة للمواجهة والصراع ومن ثم تهديد وجودها ذاته، ويكشف الهجوم الذي تبنّاه فصيل تابع لتنظيم "القاعدة" مؤخراً على إحدى الكنائس في العاصمة العراقية، بغداد، وتهديده المباشر للمسيحيين في مصر، عن أن "القاعدة" تعمل على اللعب على وتر التباينات الدينية في المنطقة بعد أن لعبت خلال السنوات الماضية على وتر التباينات المذهبية بين السُّنة والشيعة في العراق وتسبّبت في دماء غزيرة سالت من الجانبين وتوترات دفع العراقيون كلهم وما زالوا ثمناً غالياً لها.

تدرك "القاعدة" والفصائل الإرهابية التابعة لها المنتشرة في المنطقة والعالم، أن تدمير أي مجتمع يكمن في دفع طوائفه وأديانه ومذاهبه إلى الاقتتال والتحارب، كما تدرك الحساسية الكبيرة التي تنطوي عليها قضايا المذاهب والأديان والأعراق وما يمكن أن تؤدي إليه الخلافات حولها من كوارث مدمرة، ولهذا عملت وتعمل على الضرب على هذا الوتر ومحاولة استغلال التنوّع الديني والمذهبي والعرقي في المنطقة العربية والشرق الأوسط في إيجاد بؤر للصراع فيها، سواء من خلال فتاوى مشوّهة لتكفير بعض الطوائف وإحلال دم أبنائها أو عبر استهداف هذه الطوائف ورموزها الدينية وأماكن عبادتها بشكل مباشر.

لقد حاولت قوى الإرهاب خلال السنوات الماضية ضرب بعض المجتمعات العربية من خلال إثارة التوتر بين أبنائها الذين ينتمون إلى مذاهب أو أعراق أو أديان مختلفة، إلا أن هذه المجتمعات كانت واعية لهذه المخططات وأدركت أبعادها قبل فوات الأوان، لكن الإرهاب ما زال مستمراً في نهجه وما زال ساعياً إلى تحقيق أهدافه ويعمل على استغلال أي مناسبة أو مظهر للخلاف للنفاذ منه وبثّ سمومه واللعب على وتر الشعور الديني المتأجّج في منطقتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، لذلك فإنه من الضروري أن تكون المواجهة لهذه القوى الإرهابية سريعة وفاعلة وشاملة في الوقت نفسه. سريعة لأن قضايا الأديان والمذاهب يمكن أن تتطوّر التوترات حولها بسرعة وتتفاقم بحيث لا يمكن السيطرة عليها، وفاعلة لأن الخطر كبير ولا بد من أن يكون التصدّي له على قدر ضخامته وتأثيره المدمر في حاضر المجتمعات ومستقبلها، وشاملة لأن ما ترمي قوى الإرهاب إلى تحقيقه لا يمكن مواجهته من خلال الأطُر الأمنية فحسب، وإنما هناك حاجة إلى مشاركة قوية من قِبل الفعاليات والمؤسسات المختلفة في مجتمعات المنطقة من مؤسسات دينية وتعليمية وإعلامية ومجتمع مدني وغيرها، لأنه مثلما هناك حاجة إلى تحصين هذه المجتمعات أمنياً في مواجهة هجمات الإرهاب ومخططاته، فإن هناك حاجة أيضاً لا تقل أهمية وإلحاحاً إلى تحصينها فكرياً في مواجهة "الأفكار" الهدّامة التي تقوم على التكفير والاستبعاد والعنف.

Share