خطر تجدّد الخلافات في‮ ‬العراق

  • 15 سبتمبر 2011

برزت خلال الفترة الأخيرة على السطح خلافات عديدة بين القوى السياسية العراقية حول بعض القضايا والملفات المهمّة، فهناك الخلاف بشأن استمرار الوجود العسكري الأمريكي بعد عام 2011 الموعد النهائي المحدّد للانسحاب، فبعضهم يرفض التمديد لبقاء القوات الأمريكية بعد هذا الموعد، وبعضهم الآخر يطالب ببقاء جانب من هذه القوات للحفاظ على الوضع الأمني في ظل عدم اكتمال جاهزية القدرات العراقية في مجالي الأمن والدفاع، وهناك أيضاً الخلاف المستمر بشأن الوزارات الأمنية (“الدفاع” و”الداخلية” و”الأمن الوطني”)، التي لم يعيّن وزراء على رأسها حتى الآن برغم مرور ما يقرب من تسعة أشهر على تشكيل الحكومة، بسبب عدم توافق الكتل السياسية على أسماء المرشحين لتلك الوزارات، وهو الأمر الذي يشير إلى غياب رؤية أمنية موحّدة للتعاطي مع مصادر التهديد المختلفة التي تواجه العراق في هذه المرحلة، وما يعنيه ذلك من وجود ثغرات يمكن أن تستغلها بعض الجماعات المتطرّفة والمسلّحة في تنفيذ عملياتها الإرهابية، وليس أدلّ على ذلك من تعرّض العديد من المناطق في العراق لعمليات إرهابية بين الحين والآخر. فضلاً عن تجدّد الخلافات بين الأكراد وحكومة نوري المالكي في الأيام القليلة الماضية بشأن مسودة قانون النفط والغاز، التي رفعها مجلس الوزراء إلى “مجلس النواب” للمصادقة عليها، واتهام الأكراد المالكي بعدم تنفيذ اتفاقات أربيل لتقاسم السلطة، وقيامه بتشكيل لجنة للعلاقات الخارجية تسحب البساط من تحت وزارة الخارجية التي يرأسها هوشيار زيباري، وهو الأمر الذي اعتبروه محاولة للالتفاف على حقوقهم، ودفع “التحالف الكردستاني” المشارك في الحكومة إلى التلويح، مؤخراً، بالانسحاب منها.

تجدّد الخلافات حول هذه القضايا والملفات بهذه الصورة المتصاعدة يعيد العراق إلى أجواء التأزّم السياسي التي صاحبت الانتخابات التشريعية الأخيرة، خاصة في ظل تمسّك القوى السياسية المختلفة بمواقفها من هذه القضايا، وهذا هو التحدّي الحقيقي الذي يواجه العراق في هذه المرحلة الدقيقة، التي تتطلّب تكاتف الجهود، وإعلاء المصلحة الوطنية العليا بما يسمح بالمضي قدماً في التركيز على قضايا البناء والإعمار، وتوجيه الجهود كافة نحو علاج الوضع الاقتصادي الذي يعاني آثاره كثير من العراقيين بعد تزايد معدّلات البطالة، وتراجع مشروعات التنمية، والاهتمام بالوضع الأمني الذي ما زال يعاني بعض الثغرات التي يتعيّن على الحكومة سدّها حتى لا تستغلها قوى التطرّف والإرهاب من جديد لتهديد الأمن والاستقرار في البلاد.

لقد أثبتت التجربة أنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية أو التقدّم أي خطوة فعلية إيجابية إلى الأمام دون وجود استقرار سياسي وأمني، وهذا يفرض بدوره على القوى والتكتّلات السياسية المختلفة تجاوز الخلافات حول القضايا والملفات المختلفة، والتحاور حولها مهما كانت شدّتها ودرجة التعقيد الذي تنطوي عليه، وإيجاد توافق عام بشأنها، لأن من شأن ذلك أن يضمن أولاً عدم انفلات الأمور أو تصاعدها بما يعرّض أمن العراق واستقراره للخطر، وثانياً تركيز كل الجهود نحو إعادة بناء الدولة على أسس راسخة وثابتة، تعيد إلى العراق، الدولة والشعب، مكانته كعامل فاعل من عوامل الاستقرار في المنطقة.

Share