خطر المشتقات المالية على النظام المالي

خطر المشتقات المالية على النظام المالي

  • 13 يناير 2010

شهد العقدان الماضيان ظهور شكل جديد ومبتكر للتجارة في الأدوات المالية المعقدة، يُطلق عليه "المشتقات". وقد استحوذت هذه الأدوات المالية الجديدة على خيال المستثمرين وولعهم على مستوى العالم، واعتبرها العديد من الاقتصاديين أدوات بالغة الفائدة في توفير سيولة كبيرة واستقرار للأسواق. وعليه، فقد تضخم حجم هذه المنتجات المعقدة القائمة على المضاربات المالية ليصل إلى ما قيمته نحو 700 تريليون دولار أمريكي؛ أي عشرة أضعاف حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

بيد أن عدداً متزايداً من الاقتصاديين والمستثمرين قد شرعوا في إلقاء اللائمة على التجارة في المشتقات باعتبارها السبب الرئيس للانهيار المالي العالمي الراهن. ووفقاً لهؤلاء، فإن أزمة الرهون العقارية (من الدرجة الثانية) الأمريكية كانت السبب المباشر للأدوات المالية الخطيرة، مثل التزامات الدين المغطاة بالأصول (CDO) ومبادلات التعثر الائتماني (CDS)، لتطلق رياح كارثة أولية. بعبارة أخرى، لم تكن أزمة الرهن العقاري، بل تجارة المشتقات المالية الخطيرة، هي العامل الحقيقي وراء اندلاع الأزمة المالية العالمية. ويؤكد ذلك أن المصارف والمؤسسات المالية المنهارة، مثل ليمان برذرز والمجموعة الدولية الأمريكية ومجموعة سيتي جروب، والتي قادت إلى الأزمة المالية العالمية الراهنة، إنما كانت نتائج "الأصول المسمومة" الكثيرة التي أسفرت عنها تجارة المشتقات. بل إن أنصار هذا النوع من الأدوات المالية المبتكرة يقرون اليوم بأنها سلاح ذو حدين، وهو سلاح قادر على إحداث أخطاء نظامية كبرى إذا ما أسيء استخدامه، أو لم يخضع للتنظيم على الوجه المطلوب. ومن ثمّ، شرع كثير من أبرز الاقتصاديين والمستثمرين والسياسيين عبر العالم في الإعراب عن مخاوفهم من تجارة المشتقات غير المنظمة التي يمكن أن تكون آفة النظام المالي العالمي. وفي الإطار ذاته، دعا عدد من الحاصلين على جوائز نوبل في الاقتصاد، مثل جوزيف ستيجليتز وجورج أكيرلوف ومايرول سكولز، وعدد من المستثمرين البارزين، مثل جورج سوروس ومارك فايبر، إلى حظر بعض المشتقات الأكثر تعقيداً على أقل تقدير، مثل مبادلات التعثر الائتماني. أما المستثمر الأمريكي الأسطوري وارين بوفيه، فذهب لأبعد من ذلك واصفاً تلك المشتقات بأنها "أسلحة مالية للدمار الشامل".

وعلى الرغم من ضخامة المشكلة، فإن قليلين هم الذين يفهمون التعقيدات المرتبطة بالمشتقات المالية، أو يقدرون على سبر أغوارها وفهم اختصاراتها. ومن أجل التوضيح، يمكن القول إن المشتقات عبارة عن أدوات مالية أو عقود لا تحمل أي قيمة مالية متأصلة، وإنما تستمد قيمتها من قيمة الأصول المعنية (أي الأصول التي تمثل موضوع العقد)، مثل الأسهم والسندات والسلع والعملات الأجنبية …الخ، أو مؤشرات البورصات أو أحداث معينة أو الأسعار أو ظروف متغيرة مثل حالة الطقس. وتكون لتلك الأدوات المالية مدة زمنية محددة، بالإضافة إلى سعر وشروط معينة يتم تحديدها عند تحريرها‏. وتستخدم هذه الأدوات في المضاربة، أو تجنيب الأفراد أو الشركات مخاطر متوقعة. وبذلك، وبدلاً من المتاجرة في الأصل الأساسي أو تبادله، يبرم المتاجرون في المشتقات عقوداً لمبادلة السيولة النقدية أو غيرها من الأصول عبر الزمن استناداً إلى الأصل الأساسي. وبمعنى آخر، فإن المشتقات ليست أصولاً في حد ذاتها، بل هي صفقات مالية تخص الأصول، والكثير منها ليس إلا محض مراهنات.

وعادة ما تُصنف المشتقات حسب العلاقة بين الأصل الأساسي والمشتق نفسه (أي طبيعة العلاقة من حيث كونها آجلة أو مبادلة)، ونوع الأصل الأساسي مثل العملات ومعدلات الفائدة والأسهم والدين والملكية، إلخ، والسوق محل التداول (أي التداول بالاستبدال أو المشتقات المدرجة على قوائم الاكتتاب مثلاً).

وفي الحقيقة، فإن هذه المنتجات المبتكرة جديدة ومعقدة لدرجة أن فوائدها وأخطارها لم تمحّص بعد، ولا هي معروفة عن آخرها، ولا مفهومة بالقدر الكافي. وعادة ما يتطلب الأمر إعمال مبادئ حسابية معقدة لفهم طبيعة عملها حق الفهم. وهذا التعقيد يُوجد هالة من الغموض حول المشتقات. وعادة ما تنطوي هذه الأدوات على خطر متأصل فيها من حيث اضطراب حساباتها؛ فأي خطأ تخطئه العين يمكن أن يؤدي إلى مخاطر نظامية. هذا التعقيد في تجارة المشتقات يتعارض مع المبدأ السائد في وسائل الإعلام حالياً الذي يرى أنه لا ينبغي للمرء الاستثمار في ما لا يفهم.

علاوة على ذلك، ثمة كثير من المخاطر الأخرى المرتبطة بتداول المشتقات، أولها: أن المشتقات لا تتطلب الملكية الفعلية للأصل الأساسي، بل إن مستوى المراهنات عادة ما يتجاوز مستوى الأصل الأساسي. ومن ثم، فإن أي تحرك مهما صغر في قيمة الأصل الأساسي يسبب اختلافاً هائلاً في قيمة الأداة المالي، وهذا ما يُسفر بدوره عن اضطرابات هائلة لمختلف المؤسسات المالية. وثانيها: تقوم تجارة المشتقات في معظمها على الأموال المقترضة؛ بالنظر إلى اتجاه صناديق الاستثمار عالية المخاطر والمصارف المضارِبة في المشتقات إلى التعويل كثيراً على القروض من أجل زيادة عائداتها. ومن ثم، فإن المستثمرين الذي يحققون مبالغ مالية كبيرة في حالات الصعود، يتحملون أيضاً خسائر هائلة حتى في حالات التراجع الهامشية المحدودة للغاية، ولاسيما فيما يتصل بالأموال المقترضة ذات الأثر التراكمي على النظام المالي في صور شتى.

وقد طالعتنا الشواهد بكثير من حالات الخسائر المهولة في أسواق المشتقات. ومن قبيل ذلك الأزمة التي عصفت بمصرف إيه آي جي، الذي لم يستطع الخروج من أزمته إلا بعد خطة إنقاذ مالية مولتها الحكومة الأمريكية بقيمة 85 بليون دولار. وكذلك الخسارة المقدرة بمبلغ 7.2 بليون دولار التي تكبدها مصرف سوسيتيه جنرال، خلال شهر يناير من عام 2008، جراء الأزمات ذات الصلة بالعقود المستقبلية. إضافة إلى خسارة بمقدار 6.4 بليون دولار في صندوق "أمارانت أدفايزرز" Amarnath Advisors الذي انهار في سبتمبر 2006، وخسارة 4.6 بليون دولار في صندوق لونج تيرم كابيتال مانيجمنت Long-Term Capital Management (صندوق إدارة رؤوس الأموال على المدى البعيد) الذي انهار عام 2008، وغيرها من الأمثلة.

إن تجارة المشتقات لا تخضع في معظمها لقواعد تنظيمية، وإنما تتم بين أطرافها دون اللجوء إلى سوق مالية أو غير ذلك من صور الوسطاء. وعادة ما تنطوي المشتقات المالية خارج البورصات Over-the Counter (OTC) derivatives، التي تقدر قيمتها الاسمية الهائلة بـ 684 تريليون دولار (وفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية عن شهر يونيو/حزيران 2008) على منتجات عالية الخطورة مثل عقود المبادلات وعقود المعدلات الآجلة والخيارات المستبعدة، إضافة إلى خلوّها من أي قواعد تنظيمية فيما يخص أساليب الكشف عن المعلومات بين الأطراف المعنية.بناءً على ما سبق، نجد أن قيم تلك المشتقات صعبة التقدير؛ نظراً لمباشرة معاملاتها خلف الأبواب المغلقة عادة. علاوة على ذلك، تتألف سوق المشتقات من مصارف كبيرة وصناديق تحوط هي أشد ما تكون عرضة للمخاطر، أضف إلى ذلك ضخامة حجمها التي تؤثر أيما تأثير في النظام المالي في حال انهيارها.

ينظر كثير من الاقتصاديين من المدرسة النمساوية إلى سوق المشتقات نظرة دونية كونها أشبه بـ "كازينو" في رأيهم، ويطلقون عليها مسمى الابتكار المالي لعصر جرينسبان، الذي أسهم في "إخفاء حالات الإفلاس في النظام المالي عقب انهيار أسواق الأسهم عام 1987". وثمة زعم مفاده أن هذه السوق الافتراضية نشأت لتتيح للمصارف الكبرى وأبرز المضاربين المراهنة على تحركات العملات والسندات والأسهم والدوائر الاقتصادية المرتبطة بها، بما يتيح لها إنعاش الاقتصاد. غير أنه بعد الانهيار الناجم عن فقاعة المشتقات عام 2008، سادت مزاعم باتجاه المصارف المركزية إلى طباعة الأموال من أجل سداد "القيم والأرباح غير الواقعية" المترتبة على تلك المشتقات؛ الأمر الذي يسفر بدوره عن إيجاد قنبلة ذات محتوى مغرق في التضخم، لها القدرة عن زعزعة استقرار النظام المالي العالمي مجدداً.

ويبدو أن الادعاءات سالفة الذكر مبالغ فيها، بالرغم من أن الكونجرس الأمريكي وإدارة الرئيس أوباما قد شرعا في سن تشريع واستحداث إجراءات لتنظيم الزيادات غير المقيدة لتجارة المشتقات. ومع ذلك، فإن الكثيرين في الكونجرس الأمريكي يشككون في فعالية التشريعات المقترحة. وليس أدل على ذلك من كون بول فولكر، رئيس المجلس الاستشاري لإنعاش الاقتصاد الأمريكي المشكّل حديثاً برعاية الرئيس أوباما والرئيس الأسبق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من أشد المنتقدين لتلك المنتجات المنبثقة عن الترتيبات المالية غير المنظمة،فقد صرح في لقاء حديث قائلاً: "أسمع عن تلك الابتكارات الرائعة في الأسواق المالية، ولا شك في أنها بحاجة ماسة لقدر كبير من الابتكار والتحسين. وبوسعي أن أحدد لكم، من نوعين من المشتقات (التزامات الدين المغطاة بالأصول (CDO)، ومبادلات التعثر الائتمانيCDS) الجانب الذي جعلنا على شفا الكارثة". كما أتبع تصريحه بشيء من السخرية مضيفاً أنه يرى ماكينات الصرف الآلي (ATM) أفضل ابتكار مالي في العقود الأخيرة!

Share