خطر الفراغ السياسيّ في العراق

  • 29 أبريل 2010

ظهرت على السّطح في العراق خلال الأيام الماضية العديد من الإشارات السلبيّة على طريق العمل من أجل تشكيل حكومة جديدة، وتحقيق التوافق الوطني حولها؛ فبعد خطاب سياسي إيجابي تحدّث عن الشراكة الوطنية الحكومية بين القوى السياسية المختلفة، واحترام إرادة الناخبين، ومواجهة الطائفيّة السياسيّة، وتسبّب بمسحة من التفاؤل على الساحتين العراقية والعربية، عادت الأمور مؤخراً إلى التراجع مرّة أخرى إلى الوراء، مسبّبة قدراً كبيراً من التوتر والاحتقان، ومهدّدة بإدخال العراق في حالة خطرة من الفراغ السياسيّ الذي يمكن أن يستمرّ لفترة طويلة؛ فقد تراجعت فرص التفاهم بين ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء، نوري المالكي، و"قائمة العراقية" بزعامة أياد علاوي، بعد أن كان هناك تعويل كبير على إمكان الالتقاء بين الجانبين، ومن ثمّ إخراج العراق من الأزمتين السياسية والدستورية اللتين يعيشهما منذ انتهاء الانتخابات البرلمانيّة التي أجريت في شهر مارس الماضي. وأضاف قرار "هيئة التمييز القضائية" بحذف 52 مرشحاً مع أصواتهم من نتائج الانتخابات، بدعوى ارتباطهم بـ "حزب البعث" المحظور، المزيد من التوتّر على المشهدين السياسي والطائفي، خاصة أن ثمّة من رأى أن هناك توجهاً إلى استبعاد تيار أو طائفة بعينها من دائرة التأثير السياسيّ لمصلحة قوى وتيّارات أخرى، وأن هناك محاولة للتأثير في نتائج الانتخابات، والتلاعب بها بعد إعلانها بشكل نهائيّ. وعلى الرّغم من أن الهيئة قد قررت تأجيل البتّ في قراراتها بشأن الـ (52) مرشحاً، في ضوء الجدل الكبير الذي أثير حول القضية، فإن هذا لم ينزع فتيل التوتر، ولم يضيق هوَّة الخلافات بين القوى السياسية المختلفة.

إن مشكلة الوضع الحالي في العراق هي غياب الثقة بين التيّارات المختلفة، وهذا الغياب في الثقة يمنع محاولات التوفيق والائتلاف بين هذه التيارات، وهذا يؤدّي مع مرور الوقت إلى اتساع الفجوة بينها، وزيادة مساحات الاحتقان والشك المتبادل، ولعلّ ما يعمق من أزمة الثقة بالمواقف والنيّات هو أن الخطاب السياسيّ حول ضرورة الشراكة وتشكيل حكومة وحدة وطنية لا يجد طريقه إلى التطبيق على أرض الواقع، ولا يتجاوز تأثيره حدود وسائل الإعلام التي أعلن من خلالها، أو البيانات التي كتبت فيه.

يجب أن يستفيد العراق وقواه المختلفة من تجارب الصراعات الأهليّة في منطقتنا العربية، وكيف أن هذه الصراعات تضرّ الجميع، ولا ينتصر فيها أحد، وتتسبّب بندوب خطرة في جسم التعايش الوطنيّ والعلاقات بين الطوائف والأعراق والمذاهب المختلفة. إن اتساع الخلافات بين الزعماء السياسيين يوجّه رسالة سلبية إلى القواعد الشعبيّة، ويسهم في تأجيج التوترات بين فئاتها المختلفة، في حين أن التوافق بينهم ينعكس إيجاباً على العلاقات على المستوى الشعبيّ، وهذا ما يجب أن يعيه القادة العراقيون، ومن ثمّ يضعون خلافاتهم جانباً من أجل العراق ووحدته ومستقبله، لأن كلّ يوم يمر من دون الاتفاق حول الحكومة المقبلة يزيد الأمور تعقيداً، ويضفي عليها المزيد من التأزّم.

Share