خطر الاحتراب الداخلي بين الفلسطينيين

  • 9 يونيو 2003

كان أحد وزراء خارجية فرنسا في بدايات القرن التاسع عشر يرى أن الدبلوماسية هي "صالة أسلحة حيث يصاب كل من يعبث بالسلاح، فالكلمات بالنسبة إلى الدبلوماسية مثل السيوف في صالة السلاح ولذا يجب التصويب بدقة" وهذا التوصيف الواقعي للدبلوماسية يجسّد حجم الأخطار والعراقيل والمحاذير التي تحيط باستئناف المسار السياسي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عقب قمتي شرم الشيخ والعقبة اللتين عقدتا مؤخرا، وهذه الأخطار والعراقيل تكاد تكون قاسما مشتركا ينتظر الأطراف المعنية كافة، ولكن آخر ما يتمناه المرء من بين هذه الأخطار أن تخسر القضية الفلسطينية نقاطا مهمة في صراعات سياسية داخلية تلوح في الأفق، في وقت يحتاج فيه حل هذه القضية الصعبة والمعقدة إلى تضافر مختلف الطاقات التفاوضية والخبرات الفلسطينية والعربية للحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وضمان التوصل إلى صيغة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط.

الواضح من الشواهد -حتى الآن- أن الولايات المتحدة لا ترعب في ارتهان منطقة الشرق الأوسط إلى صيغة اللاحل، وتسعى إلى "استثمار" المعطيات الاستراتيجية التي أفرزتها حرب العراق في البحث عن تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وفي إطار كهذا يبرز التنسيق والتفاهم بين مختلف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية كأولوية قصوى تفوق ما عداها من خلافات أو تباينات في وجهات النظر، على اعتبار أن الانزلاق إلى فخ الاحتراب الداخلي ستكون نتيجته خسارة للأطراف الفلسطينية كافة وليس لطرف دون آخر، حيث يعد الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني أبرز المكاسب الاستراتيجية المحققة على مدار السنوات الماضية، رغم ما تعرضت له الوحدة الوطنية الفلسطينية من اختبارات ثقة استهدفت تقويضها والزج بها في أتون صراع واقتتال داخلي. والمؤكد أن هناك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق النخب السياسية الفلسطينية في هذه المرحلة التي هي من أخطر مراحل النضال الفلسطيني، انطلاقا من أن الأجواء الدولية الراهنة تموج بعواطف وأنواء قد تفرض على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمنا سياسيا باهظاً ويهدر سنوات طويلة بذل هذا الشعب خلالها من دماء أبنائه الكثير من أجل نصرة قضيته العادلة.

وإذا كان نمط التدخل الأمريكي في عملية السلام هذه المرة يعد قفزة نوعية للدبلوماسية الأمريكية في معالجة ملف الشرق الأوسط، فإن على الفلسطينيين ضرورة الحذر من الصراعات الداخلية والتفاهم والحوار بعيدا عن الشكوك وسوء الظن ببعضهم بعضاً، فالجميع شركاء في تحمّل مسؤولية القضية، والجميع مدعو إلى استيعاب خطورة أي انقسامات محتملة في الرؤى الاستراتيجية حول التعاطي مع "خارطة الطريق". وفي مقابل ذلك، فإنه إذا كانت إسرائيل حريصة على فتح نوافذ الأمل في السلام، فإن الأمر يحتّم عليها الإسهام بجدية في تهيئة بيئة التفاوض، لا تغذية الصراعات الداخلية الفلسطينية عبر مواصلة سياسات القمع والقهر ضد الشعب الفلسطيني، فالتسوية الحقيقية والنهائية تتطلب تقاسم الأعباء والمسؤوليات، والتشدد الإسرائيلي يمكن أن يقطع الطريق على أي "اعتدال" فلسطيني.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات

خطر الاحتراب الداخلي بين الفلسطينيين

  • 9 يونيو 2003

كان أحد وزراء خارجية فرنسا في بدايات القرن التاسع عشر يرى أن الدبلوماسية هي "صالة أسلحة حيث يصاب كل من يعبث بالسلاح، فالكلمات بالنسبة إلى الدبلوماسية مثل السيوف في صالة السلاح ولذا يجب التصويب بدقة" وهذا التوصيف الواقعي للدبلوماسية يجسّد حجم الأخطار والعراقيل والمحاذير التي تحيط باستئناف المسار السياسي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عقب قمتي شرم الشيخ والعقبة اللتين عقدتا مؤخرا، وهذه الأخطار والعراقيل تكاد تكون قاسما مشتركا ينتظر الأطراف المعنية كافة، ولكن آخر ما يتمناه المرء من بين هذه الأخطار أن تخسر القضية الفلسطينية نقاطا مهمة في صراعات سياسية داخلية تلوح في الأفق، في وقت يحتاج فيه حل هذه القضية الصعبة والمعقدة إلى تضافر مختلف الطاقات التفاوضية والخبرات الفلسطينية والعربية للحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وضمان التوصل إلى صيغة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط.

الواضح من الشواهد -حتى الآن- أن الولايات المتحدة لا ترعب في ارتهان منطقة الشرق الأوسط إلى صيغة اللاحل، وتسعى إلى "استثمار" المعطيات الاستراتيجية التي أفرزتها حرب العراق في البحث عن تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وفي إطار كهذا يبرز التنسيق والتفاهم بين مختلف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية كأولوية قصوى تفوق ما عداها من خلافات أو تباينات في وجهات النظر، على اعتبار أن الانزلاق إلى فخ الاحتراب الداخلي ستكون نتيجته خسارة للأطراف الفلسطينية كافة وليس لطرف دون آخر، حيث يعد الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني أبرز المكاسب الاستراتيجية المحققة على مدار السنوات الماضية، رغم ما تعرضت له الوحدة الوطنية الفلسطينية من اختبارات ثقة استهدفت تقويضها والزج بها في أتون صراع واقتتال داخلي. والمؤكد أن هناك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق النخب السياسية الفلسطينية في هذه المرحلة التي هي من أخطر مراحل النضال الفلسطيني، انطلاقا من أن الأجواء الدولية الراهنة تموج بعواطف وأنواء قد تفرض على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمنا سياسيا باهظاً ويهدر سنوات طويلة بذل هذا الشعب خلالها من دماء أبنائه الكثير من أجل نصرة قضيته العادلة.

وإذا كان نمط التدخل الأمريكي في عملية السلام هذه المرة يعد قفزة نوعية للدبلوماسية الأمريكية في معالجة ملف الشرق الأوسط، فإن على الفلسطينيين ضرورة الحذر من الصراعات الداخلية والتفاهم والحوار بعيدا عن الشكوك وسوء الظن ببعضهم بعضاً، فالجميع شركاء في تحمّل مسؤولية القضية، والجميع مدعو إلى استيعاب خطورة أي انقسامات محتملة في الرؤى الاستراتيجية حول التعاطي مع "خارطة الطريق". وفي مقابل ذلك، فإنه إذا كانت إسرائيل حريصة على فتح نوافذ الأمل في السلام، فإن الأمر يحتّم عليها الإسهام بجدية في تهيئة بيئة التفاوض، لا تغذية الصراعات الداخلية الفلسطينية عبر مواصلة سياسات القمع والقهر ضد الشعب الفلسطيني، فالتسوية الحقيقية والنهائية تتطلب تقاسم الأعباء والمسؤوليات، والتشدد الإسرائيلي يمكن أن يقطع الطريق على أي "اعتدال" فلسطيني.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات