خطر الإعلام الطائفي

  • 26 أكتوبر 2010

لا جدال في أن العالم يعيش "عصر الإعلام" لما لوسائل الإعلام المختلفة، المقروءة والمسموعة والمرئية، من تأثير جماهيري طاغٍ، خاصة مع وجود الإعلام الفضائي المتعدّي الحدود الجغرافية بفضل "ثورة الاتصالات" التي حوّلت العالم إلى قرية واحدة في عصر العولمة. ولعلّ ما زاد من أهميّة الإعلام في التأثير محلياً ودولياً، ظهور العديد من الأشكال الإعلامية الجديدة التي لا يمكن السيطرة عليها أو حصرها في حدود جغرافية أو مؤسساتية، وتبرز في هذا السياق الفضائيات والمواقع الإلكترونية والمدوّنات وغيرها التي تبثّ على مدار الساعة آلاف المواد الإعلامية التي تؤثر في توجّهات البشر وتسهم في تحديد خياراتهم ومن ثم تلعب دوراً أساسياً في واقع الأمن والاستقرار في العالم كلّه.

وفي الوقت الذي يمكن أن يكون فيه الإعلام الذي حفل بالتطوّرات والتغيّرات كلها التي لحقت به على مدى السنوات الماضية، أداة إيجابية لخدمة أغراض التنمية والسلام الاجتماعي وتحقيق التقارب والتفاهم بين الناس على المستويين الداخلي والخارجي، فإنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحوّل إلى أداة هدّامة تسيء إلى استقرار الدول والمجتمعات وتنشر الكراهية بين فئات المجتمع الواحد وأصحاب الديانات والثقافات المختلفة على المستوى الدولي، وهذا ما يقوم به ما يمكن أن نطلق عليه "الإعلام الطائفي" سواء كان قنوات فضائية أو مواقع إلكترونية أو إعلاماً مقروءاً. وقد ابتليت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة بهذا النوع من الإعلام الطائفي، وهذا ما يمكن تبيّـنه من القائمة الطويلة من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية التي تكاثرت كالفطر وتتسم برامجها وتوجّهاتها بنبرة طائفية واضحة تقوم على النبش في صراعات الماضي وإعادة إحياء القضايا الدينية والمذهبية الحسّاسة والمثيرة للكراهية والحقد بين أصحاب الديانات والمذاهب، فضلاً عن الإساءة إلى المقدّسات والمعتقدات.

وخلال الفترة الأخيرة كان الإعلام الطائفي أحد مصادر التوتر في أكثر من منطقة على الساحة العربية، حيث يتمّ استخدامه لإثارة الصراعات بين أبناء الوطن الواحد أو بين أصحاب الأديان والمذاهب على مستوى المنطقة كلها. وإذا كانت الصراعات الطائفية والدينية من أخطر ما يمكن أن يواجهه مجتمع نظراً إلى اتصالها بأمور العقيدة والدّين، فإن "الإعلام الطائفي" الذي يثيرها ويشجّع عليها يمثّل خطراً حقيقياً يواجه مجتمعات المنطقة ويهدّد سلمها الاجتماعي. من الضروري التصدّي لهذا النوع من الإعلام بقوة حتى لا يستفحل أمره ويتصاعد تأثيره السلبي ويحوّل المجتمعات العربية إلى ساحة للمساجلات الدينية والطائفية التي تستنزف جهدها وتحرف تركيزها بعيداً عن قضاياها المهمّة التي يجب أن تهتم بها وتتعامل معها بروح الوحدة والتضامن. حينما يتعلّق الأمر بإثارة الأحقاد بين الأديان والمذاهب، فإن المسألة تخرج عن نطاق حرية الإعلام لتدخل في نطاق آخر هو "حرية التخريب"، وهذا النوع من "الحرية" المدمّرة يسيء إلى الإعلام مثلما يسيء إلى المجتمع، ومن المهم أن يتمّ التصدّي له أولاً من قِبل الإعلام الجاد والحقيقي، وثانياً من قِبل الفعاليات المؤثرة في المجتمعات العربية وفي مقدّمتها المؤسسات الدينية والفكرية، لأن الخطر كبير والنار التي يمكن أن تشتعل سوف تحرق الجميع.

Share