خطر الإرهاب المتجدد

خطر الإرهاب المتجدد

  • 7 يناير 2010

تأبى العناصر والجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم "القاعدة"، إلا أن تذّكر العالم بين فترة وأخرى بأن خطرها سيظل قائماً، وأنها قد تتوارى عن الأنظار بعض الوقت لكنها تتحين الفرص لتوجيه ضرباتها في المكان والتوقيت الذي تراه مناسباً. صحيح أنها تعرضت لضربات موجعة طوال أكثر من ثماني سنوات، في إطار ما عرف باسم الحرب العالمية على الإرهاب، التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أضعفت من قدرة هذه التنظيمات، وقضت على العديد من رموزها وعناصرها. لكن الصحيح أيضاً أن الخطر الإرهابي الذي تمثله تلك التنظيمات مازال قائماً ويمثل تحدياً كبيراً على الساحتين الإقليمية والدولية، وأنها مازالت قادرة على الحركة وتجنيد المزيد من العناصر في صفوفها، الأمر الذي يتطلب مزيداً من تعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف دول العالم لمواجهة هذا الخطر المتجدد، الذي قد يظل يشكل تهديداً حقيقياً للعقد المقبل، بحسب تقديرات رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون.

وتؤكد العديد من الشواهد صحة هذا الاستنتاج. ففي العراق، وفي الوقت الذي يبدو فيه أحياناً للجميع أن الأمور قد بدأت تأخذ طريقها نحو الهدوء والاستقرار يفاجئنا المتطرفون والإرهابيون بتنفيذ سلسلة من التفجيرات التي تهدر دماء عشرات الأبرياء، مثال ذلك سلسلة التفجيرات التي شهدها هذا البلد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي والتي استهدفت مبانٍ حكومية ومنطقة تجارية في العاصمة بغداد وتسببت في سقوط نحو 130 قتيلًا وأكثر من 400 جريحاً. والأمر نفسه في باكستان، التي استقبلت العام 2010 بعملية إرهابية في ملعب للكرة الطائرة أسفرت عن مقتل نحو 90 شخصاً، وكذلك المملكة العربية السعودية، التي تعرضت في أغسطس/آب 2009 لمحاولة إرهابية فاشلة لاغتيال الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية، وغير ذلك الكثير من الشواهد.

في هذا السياق أيضاً تأتي محاولة التفجير الفاشلة، التي وقعت في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي (أثناء الاحتفال بأعياد الميلاد)، واستهدفت طائرة أمريكية تابعة لشركة "نورث ويست إيرلاينز" عند هبوطها في مطار مدينة ديترويت قادمة من العاصمة الهولندية أمستردام، والتي حاول تنفيذها شاب نيجيري يدعى عمر فاروق عبد المطلب، تم تجنيده من قبل تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" الذي ينشط باليمن، رداً على الغارات التي نفذتها القوات الأمريكية واليمنية على مواقع تابعة لهذا التنظيم في اليمن. وقد عكست هذه العملية، التي أعادت الإرهاب مجدداً إلى قمة اهتمامات الأمريكيين، بعد أن كادت تكرر ما حدث من مأساة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، أكثر من دلالة خطيرة؛ فقد كشفت، من ناحية، عن وجود استرخاء أمني في وكالات الاستخبارات الغربية، ولاسيما أن الشخص الذي قام بمحاولة التفجير كان موجوداً على قائمة المراقبين ببريطانيا، وتمكن من الصعود إلى الطائرة بحقيبة يد واحدة أخفى فيها المواد المتفجرة على الرغم من إجراءات التفتيش المشددة المتبعة في المطارات الغربية بشكل عام، في الوقت الذي لم تلتفت فيه أجهزة الاستخبارات إلى تحذيرات والده من أفكاره المتطرفة ولم تتعامل معها بالجدية اللازمة. كما ألقت هذه العملية، من ناحية أخرى، الضوء على خطورة التمدد الخارجي لفرع تنظيم "القاعدة" في منطقة شبه الجزيرة العربية، ولاسيما أنها لم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها هذا التنظيم تبنيه لعمليات إرهابية خارج حدود اليمن؛ حيث سبق أن تبنى محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها مساعد وزير الداخلية السعودي، الأمر الذي دفع بعض المحللين الغربيين إلى حد وصف اليمن بأنها قد تشكل القاعدة الجديدة التي ينطلق منها هذا التنظيم لتنفيذ عملياته المستقبلية في المنطقة والعالم.

وقد كان لتشابه عملية "نورث ويست" مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي استخدمت فيها القاعدة سلاح الطائرات المدنية كقنابل موجهة تأثيره الواضح على السلوك الأمريكي الذي شهد حالة واسعة من الاستنفار؛ حيث اضطر الرئيس باراك أوباما إلى قطع إجازته في هاواي لطمأنة الرأي العام الأمريكي، وتعهد بتعقب "كل من ساعد" منفذ هذه العملية، فيما تعهد، جون برينان، مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب، بأن تبيد بلاده تنظيم القاعدة عن بكرة أبيه، وقال "سنظهر من خلال جهودنا في أفغانستان وباكستان واليمن وغيرها، أنه حتى وإن تمكنت عناصر القاعدة من الفرار، فإنهم لن يستطيعوا الاختباء.. نحن مصممون على تدمير القاعدة في باكستان وأفغانستان واليمن، وسنحقق ذلك". كما شددت السلطات الأمريكية من إجراءاتها الخاصة بمكافحة الإرهاب؛ حيث فرضت قواعد أشد صرامة فيما يتعلق بعمليات تفتيش الركاب المسافرين إلى الولايات المتحدة من 14 دولة تعتبرها ذات صلة بالإرهاب، من بينها سورية وإيران والسودان واليمن وباكستان، وقامت بإغلاق سفارتها في صنعاء إثر تلقيها تهديدات من عناصر تنظيم القاعدة هناك، وهي خطوة حذت حذوها دول أخرى مثل بريطانيا وفرنسا. كما اتفقت واشنطن ولندن على تمويل وحدة أمنية خاصة لمكافحة الإرهاب في اليمن دون الحديث عن نوعية هذه القوة وطبيعة تشكيلها، وما إذا كانت ستضم عناصر أمنية أمريكية وبريطانية أم ستقتصر على العناصر الأمنية اليمنية، في الوقت الذي دعا فيه رئيس الوزراء البريطاني إلى عقد مؤتمر دولي حول اليمن ومكافحة الإرهاب في 28 يناير/كانون الثاني الحالي في لندن، بموازاة المؤتمر المقرر عقده حول أفغانستان في العاصمة البريطانية في اليوم نفسه.

ويشير هذا السلوك الأمريكي، كما يرى بعض المراقبين، إلى حدوث تحول في استراتيجية أوباما في مكافحة الإرهاب. فبعد أن كانت هذه الاستراتيجية تركز فقط على أفغانستان وباكستان باعتبار أنها المنطقة التي ينشط فيها تنظيم القاعدة، أصبح من الضروري توسيع نطاق الاهتمام ليركز على دول أخرى مهمة يمكن أن تشكل قاعدة انطلاق جديدة للعناصر الإرهابية. وفي هذا السياق بدأت الكثير من التحليلات والمواقف الرسمية الغربية تشير إلى اليمن باعتبارها أكثر المناطق المرشحة لتكون قاعدة الانطلاق الجديدة لتنظيم القاعدة، مستندين في ذلك إلى عدة مبررات؛ منها: أن الحكومة اليمنية أصبحت تعاني من الضعف والإجهاد بسبب المعارك الأهلية في الشمال والجنوب، وباتت غير قادرة على السيطرة على المساحات الشاسعة داخل البلاد، وعلى الحدود التي يسهل التسلل عبرها، وهو ما يشجع تنظيم القاعدة على الانتشار؛ وأن المجتمع اليمني مجتمع قبلي متعاطف مع تنظيم القاعدة ويوفر له المأوى الآمن؛ إضافة إلى بعض العوامل الداخلية الأخرى كانتشار الفقر والبطالة والفساد وتجارة السلاح، والتي تشكل جميعها عوامل تدعم قوة القاعدة وانتشارها.

وقد أثار هذا التحرك الأمريكي المتسارع باتجاه اليمن بعد ربطه بمحاولة تفجير طائرة "نورث ويست" المخاوف من أن يكون ذلك مقدمة لاستهداف اليمن أو الضغط عليه لقبول بعض الترتيبات الأمنية التي تسمح للقوات الأمريكية بالتحرك بحرية داخل أراضية لمواجهة عناصر تنظيم القاعدة، وهو أمر ألمح إليه رئيس جهاز الأمن القومي اليمني، علي الأنسي، عندما نفى ما يشاع عن تحول اليمن إلى ملاذ آمن للقاعدة، معتبراً أن هذا التوصيف يمثل "نوعاً من المبالغة المبنية على مناكفات سياسية، ويذكر باستهداف اليمن عقب أحداث 11 سبتمبر". لكن واشنطن قللت من هذه المخاوف، وأكدت على لسان جون برينان أنها لا تنوي أن تفتح في اليمن "جبهة ثانية" في حربها على الإرهاب، أو نشر قوات في هذا البلد في الوقت الحالي، وأنها تسعى فقط إلى تعزيز التنسيق مع صنعاء في محاربة عناصر القاعدة الموجودين في اليمن.

لقد كشفت نتائج الحرب العالمية على الإرهاب التي استمرت نحو ثماني سنوات بعد أحداث 11 سبتمبر أن التركيز على الجانب الأمني والعسكري فقط في مواجهة هذه الظاهرة لا يحقق الأهداف المبتغاة، بل قد يأتي بنتائج عكسية؛ لأن استخدام القوة يترتب عليه في أغلب الأحيان سقوط ضحايا أبرياء، ما يثير حفيظة المدنيين ويزيد من دعمهم للمتطرفين، وما يحدث في أفغانستان وباكستان خير مثال على ذلك. والأمر لن يختلف كثيراً في اليمن. ويعني هذا ببساطة أن جهود مواجهة انتشار القاعدة في اليمن ينبغي أن تسلك مسارين متوازيين: الأول؛ هو زيادة التنسيق والتعاون الأمني مع الحكومة اليمنية لمواجهة هذا الخطر دون أي تجاوز لحقوقها السيادية على أراضيها. والثاني؛ تقديم المساعدات المادية واللوجيستية اللازمة لها لمواجهة الأزمات المختلفة التي تواجهها في الداخل، بما في ذلك رعاية حوار موسع بين الحكومة والقوى المناهضة لها في الشمال والجنوب، حتى تستطيع التفرغ لمواجهة خطر انتشار القاعدة، وتحسين الظروف المعيشية للشعب اليمني الذي يعاني من انتشار الفقر والبطالة، والتي تمثل بدورها أحد العوامل المهمة لتفريخ التطرف والإرهاب. وقد يمثل المؤتمر الدولي المقترح عقدة حول اليمن في لندن أواخر الشهر الحالي فرصة مناسبة لتأكيد الالتزام الدولي بمساعدة اليمن ليس فقط على مواجهة الإرهاب، ولكن أيضاً على تسوية مشكلاته الداخلية وتحريك عجلة النمو والتنمية داخله.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات