خطة عنان ومستقبل الأزمة السورية

  • 17 أبريل 2012

مثل جميع الوسطاء والمبعوثين، وصل مبعوث الأمم والمتحدة والجامعة العربية متأخراً إلى سورية، وخلافاً لسواه حظي كوفي عنان بدعم معنوي وسياسي غير مسبوق شارك فيه خصوم النظام السوري وأصدقاؤه، وبالأخص روسيا والصين والى حد ما إيران. إلا أنه جاء إلى دمشق بعد مرور سنة كاملة على اندلاع الانتفاضة الشعبية والأزمة التي نشأت من خلالها، إذ تداخلت تعقيدات كثيرة فيها بسبب استفحال العنف من جانب النظام وتصاعد التحديات له من جانب المطالبين بإسقاطه.

غير أن كوفي عنان شكّل نقطة توافق وتقاطع بين الأمريكيين والروس، وفهمت دمشق هذا الاعتبار فاستقبلته وحاورته عارضة مفاهيمها وروايتها للأحداث، كما أبدت استعداداً للتعاون معه طالما أنه يتعامل مع نظامها بصفته السلطة القائمة و"الشرعية". وعندما عرض الخطوط العريضة للخطة التي يتصورها لحل الأزمة ردّت دمشق بملاحظاتها، فهي تحرص على أن تمر أي خطوة عبر النظام وأن تنال موافقته. هنا كان على الدول الغربية أن تتجاوز مواقف سبق أن أعلنتها، ومن ذلك مثلاً أنها تعتبر هذا النظام فاقداً للشرعية بسبب أعمال القتل التي ارتكبها ضد شعبه. ورغم أن هذه الدول دعمت قرارات الجامعة العربية التي اقترحت أواخر يناير الماضي سيناريو لتنحي الرئيس السوري مشابهاً للسيناريو الذي اتّبعه الرئيس اليمني وفقاً للمبادرة الخليجية، إلا أن عنان لم يشأ أن يستند حرفياً إلى القرارات العربية، ربما لعلمه أن دمشق لا تعترف بكونه مبعوثاً للجامعة، أي إنه أراد الحصول على استجابة النظام للحصول أولاً على وقفٍ للعنف، ومن ثم على تغيير في بيئة الأزمة تمهيداً للانتقال إلى الجانب السياسي من مهمته.

وهكذا استطاع عنان أن يطرح نقاطه الست (1- عملية سياسية شاملة. 2- وقف كل عمليات العنف المسلح. 3- إدخال المساعدات الإنسانية. 4- إطلاق المعتقلين تعسفياً. 5- ضمان حرية الحركة للصحافيين. 6- الحق في التظاهر بشكل سلمي). وهي عناوين تتطلب التفاوض على تفاصيل كل بند فيها. وبالطبع كان لا بد من التركيز على الركن الأساسي للخطة، وهو وقف العنف، للبدء بتنفيذها. واعتُبر التزام النظام ضرورياً وحاسماً؛ لأنه سيعني خروجه من منطق "الحل الأمني" الذي انتهجه منذ اليوم الأول ليدخل منطق الحل السياسي.

للمرة الأولى منذ بدء الأزمة شعر النظام بوجود ضغوط عليه، وبصعوبة التخلي عن القبضة الأمنية، خصوصاً أن روسيا أيدت خطة عنان ومالت إلى توجّه إجماعي لدعمها في مجلس الأمن. لذلك اضطرت دمشق إلى الموافقة، وما لبث عنان أن حدد العاشر من أبريل موعداً لسحب الآليات العسكرية والأسلحة الثقيلة من محيط المدن والبلدات، كما حدد موعداً نهائياً لوقف إطلاق النار بحلول الثاني عشر من أبريل. لكن النظام السوري الذي روّجت مصادره أنه حسم الأوضاع عموماً، ولم يعد بحاجة إلى الآليات، ما لبث أن استشعر خطورة في مباشرة تنفيذ الخطة، فلجأ إلى المناورة طالباً أن يحصل عنان على ضمانات من المعارضين المسلحين بعدم التقدم إلى المواقع التي ينسحب منها، وكذلك على ضمانات من تركيا والسعودية وقطر بالتوقف عن تسليح المعارضة. عندئذ بدا أن مهمة عنان تترنح، بل إن العواصم المعنية راحت تتشاور بشأن صيغة إعلان فشل المبعوث الدولي- العربي، كما بحثت في البدائل التي بدا أبرزها استصدار قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع يلزم النظام السوري بوقف العنف، وإلا فإنه سيواجه إجراءات دولية ضدّه. لكن روسيا التي استقبلت وزير الخارجية السوري، واستمعت إلى شروحه لـ "الضمانات" المطلوبة أبلغته أن الخيار الوحيد المتوفر حالياً هو تنفيذ الالتزامات. ويبدو أن إيران، التي زارها عنان، قدمت لدمشق النصيحة ذاتها.

لم يكن النظام يأمل فعلاً بالحصول على "الضمانات" التي طلبها، لكنه شاء اختبار مدى صلابة الموقف الدولي، فوجد عملياً أن روسيا لم تغيّر موقفها بعد، ولا تزال تدعم بقاءه، وترفض أي قرار دولي ضدّه، لكنها لا ترغب في مواجهة جديدة في مجلس الأمن طالما أن الجميع يؤيد خطة عنان. أما إيران فلم تشأ أن تتهم عشية مفاوضاتها في اسطنبول مع مجموعة الـ 5+1 بأنها تشجع على استمرار العنف في سورية. وهكذا اضطرت دمشق للتراجع معلنة أنها تلتزم الخطة، وما لم تقله أنها تلتزم بها، لكن بشروطها؛ فهي ستخرج الجيش من الواجهة لمصلحة القوى الأمنية، ولا تعترف بـ "وقف لإطلاق النار"، بل تتوقع أن يسلم المعارضون المسلحون أنفسهم لقاء وعد بالإفراج عنهم، كما أنها لا توافق إلا على التظاهرات المرخص لها من جانب وزارة الداخلية. وعنى ذلك أن قمع المتظاهرين سيعود إلى أشكاله التي عُرفت في الشهور الأولى للانتفاضة، بما فيها إطلاق النار.

لم يبدُ التزام "وقف النار" مثالياً في أيامه الأولى، ومع ذلك اعتبر مجلس الأمن أن الخطوة تحتاج إلى مساندة فاتخذ قراره بإرسال مراقبين دوليين، وراح عنان يلحّ على الانتقال إلى الخطوتين التاليتين (إدخال المساعدات الإنسانية وإطلاق المعتقلين) بغية تفعيل التهدئة وإشاعة مناخ جديد في البلد. والواقع أن كل شيء (مسار الهدنة، مستقبل الأزمة، مصير الحل السياسي) سيتوقف منذ الآن على مدى إحراز تقدم سريع في ترسيخ وقف العنف، وعلى مدى تعاون النظام بشكل خاص؛ لأن إطلاق المعتقلين وتسهيل وصول المساعدات والتوقف عن أعمال القتل والتنكيل، كل ذلك يمكن أن يشجع الأطراف الدولية لتضغط على المعارضة كي تتعاون بدورها.

على الرغم من أن خطة عنان تتعامل مع النظام، وتقدم بند الحل السياسي باعتباره حلاً من خلاله، فإن نصّها على الحق في التظاهر السلمي أوجد نوعاً من التوازن بين طرفي الأزمة. فالنظام يملك القوة والمعارضة تملك الشارع. ولا يعترف النظام بهذه المعادلة ويرى أن الخطة تطالبه بسحب قواته ما يمنعه من مواجهة التظاهرات التي تسعى إلى إسقاطه، لذلك فهو يرتاب بمراميها ولا يتوقع أن ينفذها إلا بما يتناسب وإبقاءه على سيطرته. لكن النظام أظهر طوال عام كامل أنه منفصل عن الواقع، ويريد مواصلة نفي المتغيرات التي طرأت على سورية والعلاقة بين شعبها ونظامها. ورغم الفرصة التي تتيحها له مهمة عنان، فإنه لا يريد الخروج من حالة النفي هذه لتمكين نفسه من أن يكون جزءاً من الحل ومن مستقبل البلد.

واقعياً لا تهدف خطة عنان إلى الحفاظ على النظام أو إلى إسقاطه، بل تهتم عملياً بأمرين أساسيين: الحفاظ على الدولة ومؤسساتها والحؤول دون انهيارها، وإبعاد الجيش عن المواجهة ليبقى عماداً للاستقرار. ولعل هذا ما ساهم في بناء التفاهم الأمريكي– الروسي على مهمة عنان؛ إذ تبدو إدارة باراك أوباما كأنها تسعى فعلاً إلى تجنب سيناريو عراقي جديد بما يعنيه من فوضى وتفكك وقتال أهلي. وفيما تخشى روسيا وضعاً كهذا وترغب في الحفاظ على مصالحها، فإنها ترتاح إلى أي حل يمكن أن يحفظ الجيش الذي لها فيه نفوذ، ولذلك أيدت الإصرار على سحب الآليات والأسلحة الثقيلة كخطوة أولى، وهو ما أثار استياء في أوساط النظام، التي باتت ترى أنه لا يمكن الركون إلى موقف روسيا على المدى الطويل.

من هنا فإن الهدنة، حتى لو تطلبت وقتاً لتثبيتها، مطلوبة بشدّة للتوصل في أقرب وقت إلى مرحلة "العملية السياسية". وتفترض الأطراف الدولية أنه مهما حاول النظام التهرب من عملية التفاوض السياسي فإنه لا بدّ أن يقبل في النهاية بتغييرين جوهريين: 1- حكومة تعددية تمثل بداية نقل للسلطة، و2- تفعيل منظومة عدالة انتقالية لمحاسبة كل من ارتكب جرائم ضد الشعب. إذ لا يمكن لأي حكومة تعددية أن تعمل في ظل جهاز أمني يتربص بها ويرهبها. ونظراً إلى العقل السياسي السائد حالياً داخل النظام، يصعب الاعتقاد بأنه سيسهل مهمة عنان، بل سيلعب على التفاصيل، وسيُخضع كل خطوة لتفاوض طويل، ولن يقلع عن استخدام الجيش لتوريطه. لذلك لا يغامر أحد بالتفاؤل في إمكان حدوث وقف إطلاق نار وتهدئة ثابتة، وستبقى مخاطر الحرب الأهلية ماثلة إذا لم يطرأ تغيير داخل النظام نفسه.

Share