خطاب نتنياهو.. محاولة للالتفاف على الضغوط الخارجية

خطاب نتنياهو.. محاولة للالتفاف على الضغوط الخارجية

  • 28 يونيو 2009

أثار الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 14 يونيو/حزيران 2009 في جامعة "بار أيلان" الإسرائيلية، وحدد فيه بعض ملامح السياسة الخارجية لحكومته خلال الفترة المقبلة، جدلاً ملحوظاً بين المراقبين والمتابعين لشؤون المنطقة، الذين اعتبر بعضهم أنه يعكس تحولاً استراتيجياً في موقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة من مسألة حل الدولتين، فيما رأى بعضهم الآخر أنه لم يأت بجديد، ولا يزيد عن كونه محاولة للالتفاف على الضغوط الخارجية، ولاسيما الأمريكية، على هذه الحكومة اليمينية المتطرفة.

ما أثار هذا الجدل هو أنها المرة الأولى التي يتحدث فيها نتنياهو عن إمكانية قبوله بقيام دولة فلسطينية، ولكن وفق شروط ومواصفات إسرائيلية خاصة تجعل من هذه الدولة مجرد كيان ممسوخ لا يحمل من مقومات الدولة إلا العلم والنشيد الوطني، أهمها: أن تكون هذه الدولة منزوعة السلاح، وأن تكون من دون جيش، ومن دون سلاح، ومن دون سيطرة على الأجواء، وأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، وتأكيد أن القدس هي العاصمة الموحدة لإسرائيل، وعدم السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، ورفض وقف حركة الاستيطان نهائياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة!!.

ومع ذلك فقد لاقى هذا التوجه ترحيباً من جانب بعض الدول؛ حيث وصفت إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، موقف نتنياهو بأنه "خطوة مهمة للأمام"، وفي باريس أشاد وزير خارجية فرنسا، برنار كوشنير، بما أسماه "الأفق الذي رسمه نتنياهو للدولة فلسطينية". كما قوبل هذا الموقف باهتمام خاص من جانب بعض وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية، والتي رأت فيه تحولاً استراتيجياً في موقف نتنياهو وحكومته؛ حيث أكدت صحيفة الإندبندنت" البريطانية أن مجرد اعتراف نتنياهو بالحق المستقبلي في إقامة دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال يعد في حد ذاته تطوراً إيجابياً من جانب نتنياهو، الذي يتزعم حزباً يرفض في الأصل فكرة وجود دولة فلسطينية، فيما أعتبر الكاتب الإسرائيلي في صحيفة "هآريتس"، ألوف بن، أن نتنياهو قام في خطابه الأخير بانعطافة أيديولوجية في أمرين مهمين، الأول: موافقته على فكرة الدولة الفلسطينية كأساس لتسوية سلمية بعد أن عارضها على مدى سنوات، مشيراً إلى أن نتنياهو الذي لم يعط هذا الاعتراف لـ"تسيبي ليفني" خلال المفاوضات الائتلافية، وافق عليه تحت ضغط من الرئيس الأمريكي. أما الأمر الثاني؛ فيتمثل في طلب نتنياهو أن تضمن الولايات المتحدة الترتيبات الأمنية المستقبلية في المناطق الفلسطينية وأن تشرف عليها كي لا تتحول الدولة الفلسطينية المرتقبة إلى "حماستان"، ليلمح بذلك إلى إمكانية موافقته على نشر جنود أمريكيين في معابر الحدود وفي الأراضي الفلسطينية، وهو أمر كان يعارضه في السابق، خوفاً من أن يتسبب وجود هؤلاء الجنود في توتير العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية في حالة إصابة أيٍّ منهم.

ويرى بعض المراقبين أن نتنياهو أراد من خلال هذا الخطاب، الذي اختار مفرداته بعناية، تحقيق قدر من التوازن بين رغبته في تخفيف حدة التوتر غير المسبوق في العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، والمحافظة في الوقت نفسه على الائتلاف اليميني الحاكم الهش الذي يقوده، ومن هنا جاء هذا الموقف الذي عبر فيه عن قبوله من الناحية النظرية لمبدأ "حل الدولتين" الذي تنادي به إدارة أوباما، ولكنه وضع شروطاً تعجيزية يؤمن تماماً أنها لن تلقى أي قبول من جانب الفلسطينيين، ما يعني رفض هذا المبدأ من الناحية العملية. وقد عبر نتنياهو عن هذا المعنى في التصريحات التي نقلتها بعض وسائل الإعلام وقال فيها إن قبوله بدولة فلسطينية جاء لقناعته بأن الفلسطينيين سيرفضون شروطه. وهو ما حدث بالفعل؛ حيث اعتبر المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية أن خطاب نتنياهو "نسف كل مبادرات السلام والحل" في المنطقة، فيما قالت حركة "حماس" أن هذا الخطاب يعكس "أيديولوجية نتنياهو العنصرية والمتطرفة"، مؤكدة في الوقت ذاته تمسكها بعدم الاعتراف بإسرائيل.

لم يتضمن خطاب نتنياهو الأخير أية مؤشرات توضح أن يرغب في تحقيق السلام، أو تعكس تحولاً محتملاً في سياساته ومواقفه المتطرفة التي عبر عنها خلال حملته الانتخابية؛ فالشروط التي وضعها للتسوية السلمية لا يمكن لأي طرف فلسطيني قبولها مهما كانت درجة مرونته واعتداله ورغبته في تحقيق السلام؛ لأنها تهدم أسس القضية الفلسطينية برمتها، ولا تبقي شيئاً للشعب الفلسطيني ولا للدولة المرتقبة التي يسعى إلى تأسيسها. كما أن موقفه من إيران لم يتغير؛ حيث أشار إلى أن سلاح إيران النووي يشكل التهديد الأكبر لإسرائيل والعالم، وأكد أنه سيسعى إلى بناء تحالف دولي ضد التسلح النووي الإيراني.

وبالتالي فمن غير المتوقع أن تسهم الأفكار التي عبر عنها نتنياهو في خطابه الأخير في تخفيف حدة الضغوط الدولية عليه؛ فبالرغم من أن واشنطن رحبت بموقف نتنياهو الأخير الذي تحدث فيه عن دولة فلسطينية؛ فإنها اعتبرت أن هذا الموقف "مجرد خطوة" وليس نهاية المطاف، كما عكس الاجتماع الذي عقد بعد يومين من هذا الخطاب، وضم وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ونظيرها الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، استمرار الخلافات بين الجانبين بشأن المستوطنات؛ حيث أكدت كلينتون ضرورة وقف الاستيطان الإسرائيلي باعتبار أن ذلك جزء مهم وأساسي من الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل، وهو الأمر الذي رفضه ليبرمان، الذي أكد أن هذه المستوطنات ضرورية للتكيف مع اعتبارات النمو الطبيعي للسكان في إسرائيل. كما طالب وزراء خارجية "مجموعة الثماني الصناعية الكبرى" إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية، والإسراع بفتح الحدود المغلقة مع قطاع غزة، وهو الأمر نفسه الذي أكدته "اللجنة الرباعية الدولية" المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط.

غير أن الحكومة الإسرائيلية لم تكتف برفض هذه المناشدات الدولية، بل اتخذت خطوات تصعيدية في ملفي القدس والاستيطان؛ حيث صادق وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك على بناء 300 منزل جديد في مستوطنة طلمون الواقعة غرب مدينة رام الله. وفي مسعى استفزازي آخر، قام وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، إسحق أهارونوفيتش، العضو في حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف، بدخول الحرم القدسي الشريف وتجول في باحته لنحو ساعتين، الأمر الذي أثار استياء فلسطينياً وعربياً واسعاً، وذكر بالزيارة التي قام بها شارون في سبتمبر 2000 إلى باحات الحرم وكانت الشرارة التي فجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

ولا شك في حقيقة أن الحفاظ على هذا الموقف الدولي الضاغط على الحكومة الإسرائيلية يتطلب تحركاً فلسطينياً جاداً لإنهاء الانقسام الحالي وتبني موقف موحد لمواجهة هذا التشدد الإسرائيلي؛ لأن استمرار الانقسام الراهن يتيح لإسرائيل تبرير مزاعمها بعدم وجود شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه لتحقيق السلام، ويشجعها على طرح رؤى أحادية الجانب لا تستجيب للحدود الدنيا من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، وهذا الأمر ينبغي أن يكون دافعاً للفصائل الفلسطينية لإنجاح جولة الحوار الأخيرة التي تستضيفها القاهرة نهاية هذا الشهر وبداية الشهر المقبل. وثمة مؤشرات إيجابية تبعث على التفاؤل في هذا السياق، أهمها اتفاق حركتي "حماس" و"فتح" على إنهاء الاعتقالات السياسية في الضفة وغزة، ودعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن إلى الإفراج عن سجناء حماس في الضفة الغربية، وكذلك دعوة رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عبد العزيز الدويك إلى الإسراع بالإفراج عن كافة المعتقلين من الجانبين. وهي خطوات مهمة لكن ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى من أجل تحقيق المصالحة الفلسطينية. كما أن العالم العربي مطالب هو الآخر بتبني خطاب موحد لمواجهة هذا التشدد الإسرائيلي الذي عبر عنه نتنياهو، لمنع إسرائيل من وضع رؤى وتصورات جديدة ومبتور للعملية السلمية تنقلب على الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة.

لم تعكس الرؤية التي طرحها نتنياهو في خطابه الأخير والإجراءات الاستفزازية اللاحقة التي قامت بها حكومته حدوث أي تغيير في السياسة المتشددة التي تتبناها هذه الحكومة والتي تقوض فرص السلام والاستقرار في المنطقة، بل أكدت، خلافاً لذلك، أن هذه الحكومة غير جادة في تحقيق السلام، الأمر الذي يتطلب مواصلة الضغوط الدولية عليها حتى تستجيب للقرارات الدولية وتتوقف عن ممارساتها غير المشروعة التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.

Share