خسائر الانتخابات الإيرانية

خسائر الانتخابات الإيرانية

  • 1 مارس 2004

اجتهد الكثير من المحللين والمراقبين في محاولات للتعرف إلى الآثار والتداعيات التي ستنتج عن الانتخابات التشريعية التي جرت في إيران في شهر فبراير 2004. وذهب البعض إلى اعتبارها منعطفاً مفصلياً في تاريخ الثورة الإيرانية، بما أفرزته من نتائج كرست هيمنة ما يسمى بـ "المحافظين" على مفاتيح السلطة في هذا البلد، الذي لم يعرف هدوءاً منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979.

ولا شك في أن نتائج هذه الانتخابات وإن لم تكن مفاجئة، فإنها ثقيلة الوطأة وعظيمة الأثر، فوفق هؤلاء المحللين، فقد تكرست هزيمة نكراء للفصيل المعروف باسم "الإصلاحيين"، إذ فقدوا أهم ركائز نفوذهم السياسي المستمد والمنبني بالكامل على دعم الجماهير، عبر صناديق الانتخابات. وإذ قادت هذه الصناديق إلى فقدان هيمنة الإصلاحيين على مجلس الشورى (البرلمان)، فإنها بذلك تكون قد حكمت عليهم بضرورة تغيير قواعد اللعبة السياسية التي تم التعاقد عرفياً عليها بين أطراف القوى منذ الانتخابات الرئاسية التي أتت بخاتمي بأغلبية ساحقة في العام 1997.

لقد درجت أدبيات التحليل السياسي الإقليمية والدولية على النظر إلى طبيعة الحكم الإيراني على أنه محصلة التضاغط والتشاحن وربما الصراع بين فصيلين سياسيين رئيسين؛ أحدهما يمثل شرعية الثورة ورجال الدين، ويتحكم بمؤسسات المرشد والقضاء والجيش والحرس الثوري وهيئات القرار المحافظة الأخرى ذات الطبيعة الفريدة مثل "مجلس الخبراء"، و"مجلس تشخيص مصلحة النظام"، و"مجلس صيانة الدستور". أما الفصيل الثاني، بحسب هذه الأدبيات، فهو تجمع "الإصلاحيين"، الذي يضم سياسيين وتكنوقراط من أبناء الثورة "الأكثر استنارة" وديناميكية، والراغبين في تطوير دولتهم، بما لا يتعارض مع الثوابت التي قامت عليها، ولا يتعارض مع تطورات الأوضاع العالمية وتغيرات موازين القوى الإقليمية والدولية في آن، ويهيمن هؤلاء على مؤسسة الرئاسة والبرلمان والحكومة وبعض وسائل الإعلام.

وقد أغرى الفوز الساحق الذي حققه خاتمي في انتخابات الرئاسة 1997، وما تلاه من فوز كبير في الانتخابات التشريعية 2000، ثم إعادة انتخابه رئيساً مرة أخرى، بتثبيت هذا التحليل وتكريسه، وعزز هذا ما ظهر من زخم سياسي وتحرك شعبي في اتجاه الحديث عن توسيع الحريات، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أوضاع المرأة والشباب، وتحقيق قدر من الانفتاح السياسي في العلاقات الخارجية إقليمياً ودولياً.

وحققت إيران استفادة كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي جراء شيوع هذا التحليل، إلى حد اكتسابه صفة المُسلّمة والقناعة التي لا ترد. وأعادت أطراف إقليمية ودولية عدة إجراء تقييماتها للأوضاع الإيرانية، وبنى بعضها سياسات استندت إلى ترجيح، أو عدم استبعاد، سيناريوات تغلب الإصلاحيين على المحافظين في معركتهم السياسية، مدعومين بتوافق إقليمي دولي على مساندتهم، والأهم من ذلك، بأغلبية شعبية دل تكررها إلى ديمومتها وصلابتها.

ونظر البعض إلى ما ظهر من "رشد واعتدال" في إدارة إيران لعدد من المعضلات الإقليمية والدولية على أنه نتيجة مباشرة للتضاغط بين هذين الفصيلين، ولتغلب التعبير السياسي المعتدل والعقلاني لفصيل الإصلاحيين على التعبير السياسي الراديكالي المتمرد المتصلب للمرجعيات ومؤسسات المحافظين. واتخذ البعض خطوات في اتجاه تحسين العلاقات وتوسيع التعاون مع إيران، مراهنة على أن الإشارات الإيجابية ستعزز مواقف الإصلاحيين، وتصلب الدعم الشعبي لهم، في طريق تأهيل إيران دولة معتدلة ذات منهج عقلاني في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وعنصر استقرار وتوازن في إقليمها الذي لم يعرف استقراراً منذ عقود.

على أن الانتخابات الأخيرة، وليست نتائجها المتوقعة سلفاً، أشارت بوضوح إلى ضرورة استبعاد هذا السيناريو، بل هي أشارت أيضاً إلى اعتوار هيكلي في القراءات السياسية للتطورات على المسرح السياسي الإيراني، تجسد أساساً في اعتمادها على التمني أكثر من الحجج المبرهنة.

فمنذ وصول خاتمي إلى الرئاسة، وعلى مدى سنوات سبع، لم يستطع هو وفصيله من الإصلاحيين الوفاء بوعد واحد من الوعود التي قطعها على نفسه يوم انتخابه. فلم يعد حكم القانون للبلد، ولا عولجت مشكلات البطالة والفساد، ولم يحصل أي تقدم في تمكين المرأة، أو قضية الحريات. وفضلاً عن هذا فقد ظلت إيران تراوح ما بين تصنيفات في القوائم السوداء، واعتراضات على دمجها في التجمعات والشراكات، واتهامات ببناء وامتلاك الأسلحة المحظورة، ودعم أو إيواء المطلوبين.

ويفسر المحافظون عادة الوضع المأزوم لإيران على الصعيد الدولي، بأنه ثمن تدفعه الثورة لمعاداتها "الشيطان الأكبر"، و"قوى الاستكبار"، ولتمسكها بـ "النهج القويم". وإذا جاز قبول هذا التحليل، فلن يجد هؤلاء ما يبرر التراجعات على صعد الاقتصاد والحقوق ومحاربة الفساد.

ورغم أن إيران دولة نفطية بامتياز، حيث تملك سبعة في المائة من احتياطي النفط العالمي، وتحتل المرتبة الثانية في إنتاج الغاز عالمياً بعد روسيا، ورغم أن ارتفاع أسعار النفط مكّّنها من تحقيق معدل نمو يرواح ما بين ستة إلى سبعة في المائة على مدار العامين الفائتين، فإنها ما زالت تعاني كل المشكلات الاقتصادية التي تعانيها الدول محدودة الموارد في العالم الثالث.

وتحذر مؤسسات مالية عالمية من مخاطر الاستثمار في إيران، وتقدر عدد فرص العمل المطلوبة سنوياً لتثبيت نسبة البطالة فيها عند 16 في المائة بنحو 800 ألف فرصة، وهي مشكلات لا تبدو لها حلول في المستقبل المنظور.

الخسارة التي جنتها إيران في الانتخابات الأخيرة ليست أكبر من الخسارة التي منيت بها الأطراف الإقليمية والدولية التي عوّلت على حظوظ الإصلاحيين وعلى ديمقراطية النظام؛ فقد أدانت الولايات المتحدة الأمريكية الانتخابات، واعتبرها الاتحاد الأوروبي غير نزيهة، واضطر الكثير من المراقبين والمتابعين للتداول في آلية انتخاب أعضاء البرلمان في إيران، وهي آلية معلنة ومعروفة، لكن الحديث عنها كان يجري عادة بتجاوزها، في ظل واقع سياسي يوحي بتوازن الأطراف وتكافؤ الفرص في الصراع السياسي ذي الأسس التنافسية العادلة.

تداولت وسائل الإعلام الحديث عن إغلاق المطبوعات بالقرارات الإدارية وبالأحكام القضائية دون توافر مقومات التقاضي العادل، وعن أحكام الإعدام السريعة، واغتيالات المعارضين، وارتفاع أعداد السجناء، وزيادة الاضطرابات والنزاعات. كما حلل الخبراء كيفية اختيار المجالس الخاضعة لهيمنة المرشد للمرشحين للانتخابات، واستبعاد أكثر من 2500 من المرشحين من العملية الانتخابية، ثم الخلافات على أعداد الناخبين، والمصوتين، ومن ثم نسبة المشاركة، التي يصل بها المحافظون إلى نحو 50 في المائة، فيما يرى بعض الإصلاحيين أنها لا تتعدى 20 في المائة. وبات الحديث عن "النموذج الديمقراطي" الإيراني مدعاة للتندر، أكثر من كونه مسألة خلافية ووجه تأويل.

لقد خسرت إيران الصورة التي بنتها، أو بنيت لها، على أنها ديمقراطية إسلامية ذات خصوصية تمثل نموذجاً يمكن الاحتذاء به أو تقديره على الأقل، كما خسرت الأطراف الإقليمية والدولية التي راهنت على هذا النموذج، أو على صلابة الإصلاحيين، المدعومين بالجماهير، إلى حد يقلص من هيمنة المحافظين على المؤسسات والقرار، ويحوله قراراً سياسياً رشيداً يسهم في صنع الاستقرار في المنطقة والعالم.

يسعى المحافظون الآن لجولة مقبلة يستبدلون فيها رئيساً محافظاً بخاتمي، وفيما يتكفل القضاء بتصفية بعض جيوب المقاومة، يظهر أن الإصلاحيين لم يؤسسوا تياراً معارضاً راسخاً ذا وسائل وبدائل. ويبقى القلق مهيمناً في حال سد المحافظون، المنتشون بالنصر، منافذ التعبير، ذات التأثير الهامشي، على بعض المعارضين، وهنا قد تشهد إيران اضطرابات تزيد الأمور سوءاً، وتتضرر صورتها أكثر، ويتبدد ما تبقى من آمال في استعادتها إلى المجتمع الدولي كطرف إيجابي معزز للاستقرار والأمن والتفاهم والتعاون الدوليين.

Share