حوار نووي غامض

  • 24 مايو 2005

هناك تساؤلات عدة تقفز إلى ذهن المراقبين المتابعين للملف النووي الإيراني، لا سيما بعد أن بددت طهران أو قلصت على الأقل الأمل في التوصل إلى تسوية خلال جولة الحوار النووي المزمع عقدها غدا بين طهران وممثلي دول "الترويكا" الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا). فالموقف الرسمي الواضح أو المعلن يشير إلى غموض لا يقتصر على حقيقة نوايا إيران تجاه امتلاك التقنية النووية، ولكن الغموض يطال أيضا نواياها من وراء الاستمرار في المحادثات الجارية، فالمشهد التفاوضي يشوبه قدر هائل من الغموض، وهناك أنباء تسربت حول اقتراح قدمته موسكو يقضي بأن تقوم روسيا بتخصيب اليورانيوم نيابة عن إيران، وهي فكرة قيل وتردد أنها طرحت لإنهاء الجمود الذي يعتري المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، ولكن موسكو أنكرت "نسب" الفكرة وقالت إنها ليست صاحبتها، ونفت ما قاله المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بأن الفكرة طرحتها روسيا. ما يعني أن الفكرة ظاهريا على الأقل تبدو "لقيطة" لا نسب لها، والكل يتبرأ منها ويتنكر لها رغم أنها ربما توفر مخرجا ملائما أو صيغة تسوية للمأزق التفاوضي الراهن والغموض بالطبع لا يقتصر على هذا الموقف، بل إن هناك تقارير وتحليلات إعلامية تتحدث عن أن المفاوضات النووية تجرى تحت شعار "كسب الوقت" سواء من جانب الأوروبيين الذين يستهدفون انتظار ما ستسفر عنه انتخابات الرئاسة الإيرانية المقبلة والتعامل مع المعطى السياسي الجديد في طهران، والبعض يذهب إلى حد القول بأن ترشح رفسنجاني ببراجماتيته السياسية وخبراته وطاقاته التفاوضية المعروفة يقف وراء وجهة النظر الأوروبية هذه، بينما يرى آخرون أن استراتيجية "كسب الوقت" إيرانيا هي خطوة تكتيكية تستهدف قطع شوط في البرنامج النووي ووضع الجميع أمام الأمر الواقع، فضلا عن استنزاف الطاقات التفاوضية للغرب والرهان على ضبابية الوضع في العراق وموقف بعض الدول الكبرى الداعم لها من أجل تفادي تصاعد الأزمة عسكريا، أو تمرير عقوبات ضدها في حال أحالت ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي.

الواضح بالطبع أن هناك ضغوطا متبادلة وأن كل طرف يحاول تعظيم مكاسبه السياسية وانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الطرف الآخر، وأحيانا يستخدم التهديد المتبادل سواء من جانب الغرب بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن أو من جانب طهران باستئناف التخصيب كورقة ضغط في محاولة لإحراز تقدم تفاوضي يطوي صفحة هذا الملف نهائيا، وربما يستخدم لجس نبض الطرف الآخر للتعرف إلى حقيقة نواياه من خلال ردود أفعاله، ولكن النتيجة بالنهاية هي تعميق أزمة الثقة بين طرفي الأزمة، وبالتالي إبقاء أجواء الأزمة معلقة وقائمة حتى تحسم البدائل الاستراتيجية والتفاوضية أو حتى إشعار آخر. وأيا كانت الرؤية السياسية الأقرب للدقة أو الصواب فيما سبق، فإن لعبة "القط والفأر" النووية التي تمارس بين إيران والغرب، حيث تلجأ الأولى بين الفينة والأخرى إلى التهديد باستئناف تخصيب اليورانيوم، فيما ينقسم الطرف الثاني إلى فريق يتحسس سلاحه، والآخر يغوص بحثا عن بديل سياسي يوفر طوقا للنجاة من أزمة عسكرية جديدة، وهذه اللعبة تجعل التكهنات والغموض شعارا، والحل هو تبني الشفافية المطلقة من جانب إيران كي يمكن بلورة صيغة دولية مناسبة للحل تتجاوب مع شفافية طهران المرجوة أو المأمولة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات

حوار نووي غامض

  • 24 مايو 2005

هناك تساؤلات عدة تقفز إلى ذهن المراقبين المتابعين للملف النووي الإيراني، لا سيما بعد أن بددت طهران أو قلصت على الأقل الأمل في التوصل إلى تسوية خلال جولة الحوار النووي المزمع عقدها غدا بين طهران وممثلي دول "الترويكا" الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا). فالموقف الرسمي الواضح أو المعلن يشير إلى غموض لا يقتصر على حقيقة نوايا إيران تجاه امتلاك التقنية النووية، ولكن الغموض يطال أيضا نواياها من وراء الاستمرار في المحادثات الجارية، فالمشهد التفاوضي يشوبه قدر هائل من الغموض، وهناك أنباء تسربت حول اقتراح قدمته موسكو يقضي بأن تقوم روسيا بتخصيب اليورانيوم نيابة عن إيران، وهي فكرة قيل وتردد أنها طرحت لإنهاء الجمود الذي يعتري المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، ولكن موسكو أنكرت "نسب" الفكرة وقالت إنها ليست صاحبتها، ونفت ما قاله المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بأن الفكرة طرحتها روسيا. ما يعني أن الفكرة ظاهريا على الأقل تبدو "لقيطة" لا نسب لها، والكل يتبرأ منها ويتنكر لها رغم أنها ربما توفر مخرجا ملائما أو صيغة تسوية للمأزق التفاوضي الراهن والغموض بالطبع لا يقتصر على هذا الموقف، بل إن هناك تقارير وتحليلات إعلامية تتحدث عن أن المفاوضات النووية تجرى تحت شعار "كسب الوقت" سواء من جانب الأوروبيين الذين يستهدفون انتظار ما ستسفر عنه انتخابات الرئاسة الإيرانية المقبلة والتعامل مع المعطى السياسي الجديد في طهران، والبعض يذهب إلى حد القول بأن ترشح رفسنجاني ببراجماتيته السياسية وخبراته وطاقاته التفاوضية المعروفة يقف وراء وجهة النظر الأوروبية هذه، بينما يرى آخرون أن استراتيجية "كسب الوقت" إيرانيا هي خطوة تكتيكية تستهدف قطع شوط في البرنامج النووي ووضع الجميع أمام الأمر الواقع، فضلا عن استنزاف الطاقات التفاوضية للغرب والرهان على ضبابية الوضع في العراق وموقف بعض الدول الكبرى الداعم لها من أجل تفادي تصاعد الأزمة عسكريا، أو تمرير عقوبات ضدها في حال أحالت ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي.

الواضح بالطبع أن هناك ضغوطا متبادلة وأن كل طرف يحاول تعظيم مكاسبه السياسية وانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الطرف الآخر، وأحيانا يستخدم التهديد المتبادل سواء من جانب الغرب بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن أو من جانب طهران باستئناف التخصيب كورقة ضغط في محاولة لإحراز تقدم تفاوضي يطوي صفحة هذا الملف نهائيا، وربما يستخدم لجس نبض الطرف الآخر للتعرف إلى حقيقة نواياه من خلال ردود أفعاله، ولكن النتيجة بالنهاية هي تعميق أزمة الثقة بين طرفي الأزمة، وبالتالي إبقاء أجواء الأزمة معلقة وقائمة حتى تحسم البدائل الاستراتيجية والتفاوضية أو حتى إشعار آخر. وأيا كانت الرؤية السياسية الأقرب للدقة أو الصواب فيما سبق، فإن لعبة "القط والفأر" النووية التي تمارس بين إيران والغرب، حيث تلجأ الأولى بين الفينة والأخرى إلى التهديد باستئناف تخصيب اليورانيوم، فيما ينقسم الطرف الثاني إلى فريق يتحسس سلاحه، والآخر يغوص بحثا عن بديل سياسي يوفر طوقا للنجاة من أزمة عسكرية جديدة، وهذه اللعبة تجعل التكهنات والغموض شعارا، والحل هو تبني الشفافية المطلقة من جانب إيران كي يمكن بلورة صيغة دولية مناسبة للحل تتجاوب مع شفافية طهران المرجوة أو المأمولة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات