حوار أمريكي مع العرب قبل الحوار مع إيران

عبدالوهاب بدرخان: حوار أمريكي مع العرب قبل الحوار مع إيران

  • 5 أبريل 2009

على الرغم من أن المصالحة العربية التي بوشرت في الكويت، خلال القمة العربية الاقتصادية (19-20 يناير 2009)، واستؤنفت في قمة رباعية (بين كل من مصر والسعودية وسورية والكويت) عقدت في الرياض (11 مارس 2009)، أظهرت بجلاء أن العلاقة مع إيران باتت تشكل إشكالية في العلاقات العربية-العربية، فإن ملف العلاقات العربية-الإيرانية لم يدرج في جدول أعمال القمة العربية في الدوحة (30 مارس 2009). ومرد ذلك إلى أن الدول الأعضاء في الجامعة العربية تتفاوت في مقارباتها لإيران من مستوى التحالف، كما هو الحال مع سورية، إلى مستوى قطع العلاقات الدبلوماسية، كما صارت حالة المغرب، وبينهما اجتهادات تتراوح بين هذين النمطين./

 ومن المؤكد أن إيران شقت طريقها لتصبح رقماً صعباً في العالم العربي. فلا شك في أن هناك دولاً تخشاها، أو تتجنب استفزازها، أو تتحسب لشرّها. وثمة دول أخرى تعاني من التغلغل الإيراني، الذي لا يهدف إلى التشيّع والتشييع فحسب، وإنما يسعى إلى تحقيق أهداف أخرى أمنية وسياسية. وقد بات واضحاً جلياً أنه حيثما توجد شريحة اجتماعية من الشيعة، تصبح إيران موجودة وناشطة، بل تصير مرجعية شبه كاملة دينياً وسياسياً. وإذا كان مفهوماً أن يبنى النفوذ الإيراني في العراق، حيث غالبية السكان من الشيعة، أو في لبنان، حيث يشكل الشيعة ثلث الشعب ويحتكرون السلاح خارج القوة الشرعية، فإن صعود هذا النفوذ في فلسطين كان ولا يزال غير مفهوم ومستهجناً، وينظر إليه عربياً على أنه استغلال خالص وتخريب بحت.

 ومع ذلك، لم يعد خافياً أن التقصير العربي كان الأداة الأولى، الضرورية واللازمة، للنفوذ والتدخل الإيراني. فالعرب واجهواْ الحدث العراقي بعجز وتواكل، وبلا أي رؤية، ولا أي دور. وتعاملواْ مع الحدث اللبناني بسياسة سطحية، خالية من أي خبرة. وتلقواْ تطورات الحدث الفلسطيني بانقسامات ترقى إلى عصور تذكر بالدويلات العربية المتناحرة فيما بينها في ظل الغزو الصليبي. في المقابل، برهنت إيران على إدراكها الدقيق لحقائق الحراك الاجتماعي في البلدان العربية، وتعاونت أو تحالفت مع قوى ذات تأثير شعبي. كما التقطت البلبلة والضياع اللذين يمر بهما النظام العربي، وافتقاره إلى الزعامة، واستغلت ذلك في التغلغل في وحداته. والأهم من ذلك أن إيران تمكنت من إثبات أن مواجهة أمريكا (وإسرائيل) ممكنة، بل إنها (أي إيران) يمكن أن تحصد من المواجهة نتائج لا تبلغها من الصداقة.

 وقد بات معروفاً أن المنطقة تترقب بداية الحوار الأمريكي-الإيراني. ويتفق خبراء عرب وغير عرب على أن العلاقات العربية-الإيرانية لن تتضح معالمها إلا بعد ظهور نتائج هذا الحوار. ووفقاً لبعضهم، فإن أي تفاهم أمريكي-إيراني لابد أن يلامس بعض المصالح العربية. والسائد في أوساط القريبين من التحضيرات للحوار أن المرحلة الأولى منه لن تكون ذات دلالة؛ فالطرفان سيمضيان فترة غير قصيرة في تلمس أرضية التفاوض، والتعرف على المفاهيم التي ستستند إليها المفاوضات. ويعود ذلك إلى غياب الثقة بينهما، وتعذر بنائها، بسبب الظروف الموضوعية المفعمة بالاختلافات والتناقضات، في فترة قصيرة. وإذا تجاوز الطرفان هذه المرحلة بنجاح، كما هو متوقع، فإنهما سيلجان إلى صلب القضايا محل النزاع. عندئذ، سيكونان معنيين جداً بالتوصل إلى حلول وتسويات، بدلاً من العودة إلى خيار المواجهة. فما أرجأ خيار اللجوء إلى القوة العسكرية (من جانب أمريكا ضد إيران) سابقاً لا يزال كافياً لإرجائه مجدداً. إذ إن المخاطر لا تزال كما هي، سواء على مصالح الولايات المتحدة، أو على مصالح أصدقاء تقليديين لها، أو على استقرار منطقة منابع النفط بصفة خاصة.

 ولكن هذا لا يعني أن "الصفقة" بين الولايات المتحدة وإيران مضمونة، أو أن ملامحها معروفة منذ الآن. فالمفاوضات سوف تكون عسيرة، لكنها ستكون جدية. فمن الواضح أن إدارة الرئيس باراك أوباما لا تبحث عن فشل، وإنما عن نجاح، لا ترغب فيه فقط وإنما تراهن عليه أيضاً. وإذا قوبلت بتعنت إيراني، فإنها يمكن أن تناغم انعطافها إلى الخيار العسكري مع جدول انسحاب قواتها من العراق. لكن الجانب الإيراني لا يريد فشلاً بدوره؛ إذ أن طهران، التي تستثمر منذ سنوات في صقل نفوذها الإقليمي، تتطلع إلى قطف نتائج ثابتة وصلبة. وبالتالي، فإن الانفتاح الأمريكي عليها فرصة مهمة لن تفوتها بسهولة، أو تضيعها بغباء.

 ولا شك في أن الملف النووي يشكل العقدة الصعبة في أي حوار أمريكي-إيراني، حتى إن طهران ستعتبر أي اتفاق بشأنه مقياساً لنجاحها أو فشلها في التفاوض. ولا بد أنها تعلم منذ الآن ما هو سقف التنازلات الأمريكية فيه، وعليها أن تحدد بدورها سقف تنازلاتها. وفي هذه المفاوضات، سيتضح ما إذا كانت إيران تناور طوال السنوات السابقة، عندما لم توافق على أي رزمة للتسوية عرضها عليها الأوروبيون. وذلك لأن الجانب الأمريكي سينطلق من تلك الرزمة ليبني عليها. بيد أن الفارق الأساسي بين الحالتين هو أن الجانب الإيراني حصل هذه المرة على مطلبه الأساسي: التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة؛ لأن لديه مصالح وحسابات يريد أن يصفيها معها، ومنها الأرصدة الإيرانية المحتجزة في واشنطن، والكف عن تهديد النظام (الإيراني) أو السعي إلى تغييره. وانطلاقاً من ذلك، يمكن الانتقال إلى الملفات الأخرى. كما أن للولايات المتحدة منهجية مختلفة بعض الشيء في التفاوض مع إيران، إذ إنها تريد إخضاع الأخيرة لمرحلة اختبار، تتمثل في التعاون في الملف الأفغاني، الذي يحتل أولوية حاسمة على أجندة إدارة أوباما. في هذا الخصوص، فسوف يكون لمساهمة إيران في مساعدة الولايات المتحدة في تطبيع الوضع هناك أكبر الأثر على المفاوضات الثنائية. بيد أن مرحلة الاختبار "الأفغانية" تنطوي على تناقض أمريكي-إيراني، قد يقود إلى سيناريوهات مشابهة لما حصل في الشرق الأوسط.  فطهران تستبعد أي تعاون مع طالبان، وتسعى إلى إحياء تحالف الشمال، فيما تخطط واشنطن لفتح حوار مع من تعتبرهم معتدلي طالبان، وتعتمد على تعاون سعودي في هذا الصدد. وإذا كانت الساحة الأفغانية لم تشهد هذا التناقض، فإن اقترابها من حسم التوجهات قد يعرضها لمواجهات لم تكن متصورة في الفترة الماضية. وهذا لا يعني أن إيران لن تتعاون في أفغانستان، بل ستحاول لعب دور المعطل، إذا لم تكن قد حصلت بعدُ على مكاسب من الانفتاح الأمريكي، وبالأخص إذا وجدت أن التسوية التي يخطط لها في أفغانستان لا تخدم مصالحها.

 ومع كل ما سبق، يواجه العرب استحقاقات التقارب الممكن بين الولايات المتحدة وإيران متفرقين، ومن دون رؤية مشتركة؛ حتى إن بعض الأطراف العربية التي تريد مقاربة إيجابية تجاه الجار "الفارسي" تصطدم بالأجندة الإيرانية نفسها، التي تراوح بين أمرين: إما التأزيم والمواجهة واختراق القضايا العربية ومحاولة شق الصف العربي، وإما السعي إلى تفاهم مع الولايات المتحدة يعترف بالنفوذ الإقليمي للجمهورية الإسلامية، وعودتها لما يشبه "شرطي المنطقة"، كما كانت في عهد الشاه. وهكذا، يجد العرب أنفسهم في وضعية سلبية مزدوجة؛ فلا مصلحة لهم في أي من السيناريوهين: التقارب أو المواجهة والتحارب بين الولايات المتحدة وإيران. ومما يزيد الأمر سوءاً أن الاحتمال الوسط، أي تأسيس علاقات طبيعية بين الدول العربية وإيران، لم يبد دائماً احتمالاً متاحاً أو آمناً؛ إذ وقفت الولايات المتحدة دائماً معترضة على أي تقارب عربي-إيراني، بل رافضة له. إضافة إلى أن سياسة "تصدير الثورة"، وتغلغل إيران وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية حالا دون تحسين علاقاتها مع العرب.

 على أية حال، سوف يطرح الحوار الأمريكي-الإيراني وضعاً جديداً، يتطلب من العرب أن يكونوا جاهزين للتعامل معه بمرونة وفعالية. فإذا تطور الحوار، ستفتح الأبواب لمساومات واسعة لابد أن تتطرق إلى ملفات إقليمية تتعلق بالضرورة بمصالح عربية. وكلما اتخذ الحوار منحى إيجابياً، ستجتهد إسرائيل أيضاً للتأكد من أن مصالحها مؤمنة. ومن البديهي أن المفاوضات ستكشف حقيقة التشدد الإيراني تجاه إسرائيل. وفي الحقيقة، فإنه إذا أدركت إيران أنها متجهة نحو صفقة مجزية مع أمريكا، فإن تشددها تجاه إسرائيل مرشح للتبدد. وفي المقابل، سيكون ممكناً التعرف على المفهوم الأمريكي الحقيقي للمصالح، وما إذا كان ينطوي على رعاية واحترام مصالح "الأصدقاء" العرب.

 وطالما أن العرب انتهوا عملياً إلى استحالة التفاهم الاستراتيجي المباشر مع إيران، فإنهم سيضطرون إلى التكيف مع أي تفاهم أمريكي-إيراني. لكنهم، ولاسيما عرب الخليج، مطالبون، على الأقل، بأن يستبقوا نتائج الحوار الأمريكي-الإيراني بتفاهم مع الولايات المتحدة على ما يعتبرونه خطوطاً حمراء لمصالحهم، سواء في ملفي الطاقة النووية والأمن الإقليمي، أو في القضايا الساخنة الأخرى. وسيكون خطأً تاريخياً باهظ الكلفة، إذا ترك العرب للأمريكيين (والإسرائيليين) والإيرانيين إيجاد حلول لهذه القضايا، في إطار رزمة التسويات التي تعقد فيما بينهم. والأفضل للعرب الضغط من أجل توسيع المنظومة الإقليمية لتضم تركيا. وبالتالي، السعي إلى بناء توازنات، لا تكون لإيران أي ميزة تفضيلية تنفذ منها إلى الاستمرار في التدخل في الشؤون العربية. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات