حماية مسيحيي الشرق… كيف؟

  • 11 يناير 2011

قوبلت جريمتا الكنيستين، في الإسكندرية وقبل ذلك في بغداد، بحزن وغضب وذهول؛ إذ استُهدف مسيحيون لمجرد أنهم مسيحيون، وباتوا هدفاً على لائحة الإرهاب، خصوصاً أن الفرع العراقي لتنظيم "القاعدة" المسمى "دولة العراق الإسلامية" أصدر بياناً يؤكد مسؤوليته عن مجزرة كنيسة سيدة النجاة البغدادية، وهدد في البيان ذاته أقباط مصر. ولم تعلن أية جهة بعد علاقتها بجريمة رأس السنة في الإسكندرية، إلا أن السلطات تشتبه بتنظيم "القاعدة" الذي سبق أن أعلن أنه سيضرب في مصر، ولكنها فضلت التريث لترى ما إذا كان التحقيق سيتوصل إلى معرفة الفاعل وهويته.

في الحالة المصرية تبقى الشكوك والاشتباهات مفتوحة؛ لأن العديد من الخبراء يعتقدون أن لا وجود فعلياً لـ"القاعدة" في مصر، وبالتالي فمن المهم التوصل إلى هوية المجرم للتأكد مما إذا كان التنظيم قد أحدث اختراقاً، أم أن هناك من يتنكر باسمه وقناعه. وفي أي حال فرضت الجريمتان واقعاً جديداً على مختلف الحكومات، كما طرحتا مسألة "حماية مسيحيي الشرق". وهناك من يربط هذين الحدثين، وقد نفذهما انتحاريان، بحدث آخر شهدته العاصمة السويدية ارتكبه انتحاري عراقي، كذلك باعتقالات في بريطانيا قيل إن أشخاصاً ضبطوا فيها وكانوا يخططون لعمليات ضد المتسوقين بمناسبة الأعياد على غرار ما فعل انتحاري استوكهولم. وهكذا بدا أن الأعياد، باعتبارها مسيحية غربية، اُختيرت كخلفية لعمليات إرهابية؛ إذ إن العقل "القاعدي" أضاف "الغرب المسيحي" إلى أهدافه، ومنها "الغرب السياسي"، واستطراداً أدرج مسيحيي الشرق كأهداف "غربية".

والواقع أن عواصم الغرب وجدت نفسها مُستفزّة بما يحصل، ولم تغب قضية "الحماية" عن خطاباتها، وكان بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر واضحاً في إثارتها، كما أن الرئيس الفرنسي تحدث عن "مخطط تطهير ديني شرير". مع ذلك تبقى "حماية المسيحيين" شأناً آخر لابد أن يصطدم بالحكومات القائمة. ولعل أحد أبرز مؤشرات العجز الغربي أن معظم دول أوروبا قدمت تسهيلات خاصة لهجرة مسيحيي العراق، وذلك منذ نحو عامين، أما الآن، ومع توقعات بأن تزداد أعدادهم، فقد بدأت هذه الدول تدعو إلى التشاور والتنسيق فيما بينها، بغية توزيع المهاجرين وأعبائهم، ما يعني أن الوضع في العراق بدد الآمال في انحسار موجة الاستهداف المركز على المسيحيين.

يختلف الأمر، بطبيعة الحال، فيما يتعلق بمصر، فالوضع الأمني تحت السيطرة الحكومية، ولا خوف من انهيار المؤسسات أو الغرق في فوضى لا تبقي أمام الأقباط سوى خيار الهجرة. لكن تكاثر المواجهات في الأعوام الأخيرة، ولأسباب شتى، سلط الضوء على "احتقان طائفي" لا ينفك يعتمل. ولذلك فإن من فجر الكنيسة ليلة رأس السنة كان يعرف أنه يضرب حلقة ضعيفة، وأن شيئاً في هيبة الدولة سيصاب مع ضحايا الجريمة. وعلى الرغم من أنه لا أحد في مصر أو في الخارج يعتقد أن لدى الدولة المصرية "أجندة خفية" تنطوي على التمييز المتعمد ضد الأقباط أو مضايقتهم لتطفيشهم، فإن انتقادات وجهت إليها، قبل الجريمة وبعدها، بأنها غير حازمة في مواجهة ما يتعرض له الأقباط، وغير واضحة في احترام حقوقهم كأقلية (عشرة في المائة من السكان كحد أقصى).

كان من الطبيعي بعد هاتين الجريمتين، أن يشعر مسيحيو لبنان بشيء من التوجس والحذر. فالبلد يعيش أساساً في أزمة، كما أن التباين الطائفي يهيمن على مختلف مجالات الحياة اليومية. ومع أن طبيعة الأزمة الحالية لا تنذر بمواجهة مسيحية- إسلامية، وإنما بفتنة شيعية- سنية يجري العمل جدياً من خلال مساع سعودية- سورية على تفاديها، إلا أن التوتر المتصاعد منذ شهور قد يشكل ثغرة ينفذ منها تنظيم "القاعدة" عبر عدد من الجماعات المتطرفة لاستكمال حلقة استهداف المسيحيين في إطار الحرب التي يخوضها ضد الغرب وكل من يعتقد أنه يمثل رموزاً للغرب.

طوال عقود سابقة عبرت الأقليات المسيحية في العالم العربي عن قلقها من تدهور أوضاعها الحقوقية والحريات التي تتيح لأبنائها ممارسة حياتهم العادية كمواطنين متساوين مع غيرهم من سائر المواطنين. وتصاعدت الشكوى مع صعود التيار الإسلامي المؤدلج الذي عبر عن نفسه في اتجاهات ثلاثة رئيسية: الأول، رفضه لمشروعات السلام ودعوته إلى استمرار الصراع مع إسرائيل وتشديده على أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولاً وأخيراً. والثاني، نقمته على الأوضاع الداخلية واتهامه الأنظمة والحكومات القائمة بالابتعاد أو بالانحراف عن الشريعة الإسلامية. والثالث اعتباره الغرب الأمريكي والأوروبي مسؤولاً عن الأوضاع المتردية للعالمين العربي والإسلامي… ولاشك في أن "الثقافة" التي ساهم هذا التيار في نشرها راحت تنظر إلى مسيحيي الداخل وكأنهم "طوابير خامسة" أو جاليات ممثلة للغرب. وعدا أن هذه نظرة فئوية متعصبة لا تلتفت إلى واقع أن المسيحيين يشاركون سائر فئات المجتمع معاناتها ومشكلاتها، فإن التيارات المتشددة اتخذتها وسيلة شعبوية للتعبئة والتحريض.

في أي حال، لقد كشفت هذه الظاهرة العلل والأمراض التي تتكتم الأنظمة والحكومات على إصابتها بها. فهي خشيت ظهور التيار الإسلامي، ثم حظرته وحاربته، ثم استسلمت لتناميه معتقدة أنها استطاعت إحاطته بخطوط حمر لا يجوز أن يتخطاها. لكن القبضة الأمنية التي أدت مهمتها في حدود الممكن لم تكن كافية لمعالجة قصورات أخرى ظهرت آثارها في أكثر من مجال: ضعف الاقتصاد، نقص في الحريات، إهمال في تفعيل مفهوم دولة القانون، جهود مبتورة في تحسين الخدمات (التعليم والطبابة وغيرها)، وتشوش عام في خطط التنمية وأهدافها… وكل ذلك ينعكس على المواطنين من دون استثناء، لكن في ظل غياب فاقع للمواطنة ومفهومها المساوي بين الجميع. لذلك شقت تيارات التعصب طريقها لاستغلال هذه النواقص الفادحة، وبدا لها في مصر، مثلاً، أن استهداف المسيحيين يحرج الدولة ويلفت نظر الخارج، أما في العراق فجاء استهدافهم أولاً في سياق غياب الدولة وانعدام القانون وتزاحم الفئات المذهبية والإثنية لنيل مصالحها.

وفي النقاش الغربي لمسألة حماية المسيحيين يبقى الاعتماد على الحكومات القائمة خياراً أساسياً، لكن ردود فعل هذه الحكومات تثير التساؤل والاستغراب كونها مبهمة في معظم الأحيان أو بلغة مزدوجة في أحيان أخرى. أما الإبهام فيعزى إلى شعور هذه الحكومات بوجوب مسايرة التيار الديني بعدما زاد توسعه داخل المجتمع، وأما الازدواجية فتعود إلى نقص كبير في التشريع وفي ممارسة احترام حقوق الإنسان. وإلا فما الذي يمنع مجلس الشعب المصري مثلاً من إقرار تشريعات تخص الأقباط وكانت الحكومة المصرية أحالتها إليه؟ وما الذي يحول دون معاملة قانونية وقضائية كاملة لمن يتعرضون للأقباط؟ وما الذي يبرر استمرار التحفظات على بناء كنائس لو لم يكن الرأي العام يزداد تبنياً للأفكار الأصولية؟ إن أخطر ما في هذه المواقف الحكومية ليس تعبيرها عن العجز فحسب، وإنما مساهمتها في صنع بيئة ناضجة لدخول الإرهاب، سواء أوظفته فئات محلية أم جهات خارجية.

خلافاً لردود فعل المجتمع العراقي، جاء الرد الشعبي المصري أكثر وضوحاً في رفضه الرضوخ لما يمليه الإرهاب. لكنه رد لا يكفي على المدى الطويل، ويتطلب مبادرات حكومية يواكبها دعم شعبي مماثل. ولا شك أن القاعدة الأساسية والضرورية لحماية المسيحيين في العالم العربي هي تساوي جميع المواطنين أمام القانون. وهذا تحد يفترض في الأنظمة والحكومات أن تتخلى عن المحسوبيات والتمييز في سعيها للمحافظة على استمرارها واستقرارها.

Share