حماية البيئة مسؤولية عالمية

د. باسكال بونيفاس: حماية البيئة مسؤولية عالمية

  • 19 ديسمبر 2004

عُقد في الفترة من 6 إلى 17 ديسمبر/كانون الثاني مؤتمر الأمم المتحدة السنوي العاشر للمناخ، في بيونس آيرس بالأرجنتين، بمشاركة 160 دولة، تمثل معظم الدول الأعضاء في "الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ" UNFCCC، الموقعة في ريو دي جانيرو عام 1992. ومن اللافت للانتباه حقاً تلك المشاركة الواسعة في المؤتمر، إذ يبلغ عدد الدول الأعضاء في الاتفاقية 189 دولة، فيما تضم الأمم المتحدة 191 بلداً عضواً.

لقد وقعت بعض هذه البلدان عام 1997 على بروتوكول كيوتو، الذي ينص على اتخاذ الدول الصناعية إجراءات لخفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، التي تشكل سببا مباشراً لارتفاع درجة حرارة الأرض.

ومن شأن هذه المعاهدة أن تدخل حيز التنفيذ في شهر فبراير/شباط 2005، بعد أن أقر البرلمان الروسي في أكتوبر/تشرين الأول 2004، مصادقة الرئيس بوتين عليها في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

ولا تزال الولايات المتحدة مصرة على موقفها الرافض للانضمام إلى هذه الاتفاقية، ومن ثم فإن بروتوكول كيوتو لن يكون فاعلاً بما فيه الكفاية حتى وإن دخل حيز التنفيذ. فالولايات المتحدة الأمريكية، التي يبلغ عدد سكانها 4% من مجموع سكان العالم، تستهلك نحو 25% من الطاقة المستخدمة في العالم.

إن الأحادية الأمريكية، التي تم التنديد بها في الشؤون السياسية والاستراتيجية كثيراً، تجد مجالاً لممارستها في المجال البيئي أيضاً.

تتعدد انعكاسات الانبعاث المتزايد للغازات المسببة للاحتباس الحراري، ويمكن لهذه الانبعاثات أن تتسبب في ارتفاع منسوب مياه المحيطات والبحار، وانقراض عدد هائل من أنواع الكائنات الحية التي تعيش على الأرض، وإغراق مدن ودول كاملة، وندرة المياه العذبة، إلى جانب عدد من الانعكاسات السلبية الأخرى.

وفي عام 2003، أكد تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية أن ارتفاع درجة حرارة الأرض قد يشكل أحد أخطر التحديات لأمن الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن صيحة التحذير هذه لم تلق آذاناً صاغية في البيت الأبيض، فتقليص استهلاك الطاقة ليس من الأمور المستعجلة بالنسبة إلى واشنطن.

من المؤكد أن مشكلة التلوث لم تظهر في القرن الحادي والعشرين. فعلى امتداد قرون لم يظهر الإنسان احتراماً للبيئة. وفي القرن التاسع عشر، كانت كلفة التصنيع باهظة للغاية من حيث ما تسببه من تدهور بيئي. وفي كثير من الأحيان انبعثت سحب دخان "قاتلة"، مثل تلك التي تسببت في مقتل 700 شخص، بعدما أصيبوا بقصور في التنفس، في لندن، عام 1873.

ومقارنة بالوضع الذي كان سائدا في القرن الماضي، فإن الاعتداءات على البيئة لم تعد اليوم ظاهرة ذات تأثيرات محلية فقط، إذ أصبح للاعتماد المتبادل والعولمة دور في هذا المجال أيضا. ومن ثم فقد تبنى علماء البيئة عبارة "سانت إيكزوبيريه" التي يقول فيها: "إن الأرض ليست إرثا تركه لنا أجدادنا، وإنما أمانة نقدمها إلى أبنائنا".

إن التحدي المفروض اليوم على المجتمع الدولي لا يتعلق بالرجوع بالنمو إلى درجة الصفر، بقدر ما يتعلق بضمان تنمية تحترم البيئة. ومن ثم جاء مفهوم "التنمية المستدامة" الذي تضمنه، عام 1987، تقرير اللجنة الدولية حول البيئة والتنمية (تقرير برونتلاند، وقد حمل اسم رئيس الوزراء النرويجي، الذي كان على رأس اللجنة). إن التنمية المستدامة هي التنمية التي "تستجيب لاحتياجات الحاضر دون أن تعرض للخطر إمكانيات الأجيال القادمة في تأمين متطلباتها الخاصة". وبناء على هذا المفهوم، فإن الأمر يتعلق بزيادة رفاهية الجميع دون إلحاق الضرر بالبيئة، إذ لا ينبغي للتنمية أن تجرد الأرض من مواردها، أو تدمر النظام البيئي، لأن ذلك سوف يحطم الشروط التي تقوم عليها التنمية ذاتها.

إن العمل من أجل حماية البيئة يتضمن أيضا بعداً متعلقاً بـ "الشمال والجنوب"، لا ينبغي التغاضي عنه. فقليلاً ما كانت دول الشمال تكترث في الماضي لحماية البيئة، عندما كان الأمر يتعلق بحماية حركية تصنيعها، وهي اليوم أكثر البلدان استهلاكا للطاقة. فدول الشمال تستهلك نحو 60% من الطاقة، و75% من المعادن، و85% من الخشب، و60% من المواد الغذائية التي تنتجها الكرة الأرضية، فيما لا يمثل إجمالي سكانها سدس عدد سكان العالم. ومن المؤكد أن التنمية الاقتصادية في الجنوب، التي تمثل ضرورة على جميع المستويات، لن تتم من دون انعكاسات سلبية على التوازنات البيئية. لقد ضاعفت الصين إنتاجها من الفحم 20 مرة منذ عام 1949، وهي تمثل اليوم أحد المصادر الرئيسة لتلوث الكرة الأرضية. وفي نظر القادة الصينيين، كان ذلك هو الثمن الذي يتعين دفعه من أجل ضمان الانطلاقة الاقتصادية. وها هم اليوم يقررون التخفيض التدريجي من نصيب الفحم في إنتاج الطاقة، لتقل نسبته من 72% في عام 2000، إلى 60% عام 2010، ثم 50% عام 2050، كما تستهدف الخطط الصينية. وتبدو هذه الوتيرة بطيئة جداً لمكافحة الاحتباس الحراري، كما تثور تساؤلات أخرى بصدد تغيرات قد تحصل في المستقبل، مثل أن تحل السيارة الخاصة، التي تعد بمثابة رمز الحرية والنجاح المادي، محل الدراجة في الصين. إن تلوث المدن الصينية، التي تعد من أكثر المدن تلوثا في العالم، سيتزايد أكثر فأكثر. إن تسعة من أصل عشرة مدن ملوثة في العالم هي مدن صينية، إلى درجة تجعل من رؤية السماء في صباح المدن الصينية عملاً صعباً.

إن تنمية بلدان الجنوب أمر ضروري، ولكنها إذا تبنت مناهج الاستهلاك نفسها التي اعتمدتها بلدان الشمال فسيحتاج الأمر إلى ثلاثة أو أربعة كواكب أخرى من أجل تلبية احتياجات سكان العالم. ولكن تحت أي شعار يُمنع على الجنوب ما يُسمح به للشمال؟ إن الشمال لا يملك الحق في أن يعظ الآخرين، ويدعوهم إلى التخلي عن أمر لم يتخل عنه هو نفسه، بل عليه أن يكون مثالا يحتذى به في ذلك.

لن يكون لارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية والأضرار التي تلحق بطبقة الأوزون آثار محلية فقط، ولكن العالم كله سيتقاسم آثارها السلبية. إن الأساليب الملائمة لمواجهة هذه التحديات لا تقتصر على خطط محلية. وعلى سبيل المثال فإنه لن يكون مجدياً أن تخفض الدول الأوروبية من انبعاث غاز سي أف سي CFC، إذا لم تتم المحافظة على الغابات في المناطق الاستوائية وفي آسيا وأمريكا اللاتينية، وإذا واصلت الصحراء زحفها في القارة الإفريقية. ومن ثم يتبين أن احتمال إيجاد حل لهذه المشكلة الحيوية لصالح البشرية لا يمكن أن يتم إلا على صعيد عالمي. فالعولمة لا تعني التدفقات المالية فحسب ولكنها تعني حماية الأرض أيضاً.

Share