حكومة نتنياهو والاستيطان: التفاعلات الداخلية وحدود التأثير الخارجي

إبراهيم عبدالكريم: حكومة نتنياهو والاستيطان: التفاعلات الداخلية وحدود التأثير الخارجي

  • 25 يناير 2010

استغرقت المداولات المعقّدة التي أجرتها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو حول عملية السلام مع الفلسطينيين، نحو عشرة أشهر، كانت خلالها دول الاتحاد الأوروبي وسواها تدعو إلى وقف الاستيطان في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية، وواجهت حكومة نتنياهو سيلاً من الانتقادات لعدم الاهتمام بالمواقف الدولية في هذا الشأن. وبعد ممانعة إسرائيلية مرهقة للأعصاب، تمخض جبل تلك المداولات عن ولادة فأر التجميد الإسرائيلي المؤقت للاستيطان، وطُلب من الفلسطينيين بصورة فورية أن ينزلوا عن سلّم رفض استئناف المفاوضات مع إسرائيل، فيما كان التوجه الإسرائيلي حول الخطوة الجديدة يجري وفق منحى آخر مغاير، اتضح منه أن التجميد المؤقت للاستيطان جاء استجابة للرغبة الأمريكية الرامية لكسر الجمود وإطلاق المفاوضات، وبعد ذلك ستكون إسرائيل في حل من التعهد بمواصلة التجميد.

ففي اليوم ذاته، الذي صادق فيه المجلس الوزاري المصغر على "تعليق" مشاريع البناء الجديدة وتصاريح البناء الجديدة في مستوطنات الضفة الغربية لمدة 10 أشهر، أدلى نتنياهو خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة ببيان أكد فيه أن هذه الخطوة غير سهلة بل إنها مؤلمة، غير أن إسرائيل تتخذها من منطلق "الاعتبارات القومية الواسعة"، وبهدف الحث على استئناف المفاوضات لإحلال السلام مع الفلسطينيين. وأعرب نتنياهو عن أمله في أن "يقتنص" الفلسطينيون والعالم العربي هذه الفرصة للمضي قدماً في طريق السلام. وحتى لا يترك نتنياهو مجالاً لتأويلات متمادية، أوضح أنه لن يتم إيقاف مشاريع البناء السكني الجارية حالياً، مع مواصلة بناء الكُنس والمدارس ورياض الأطفال والمباني العامة الضرورية لمواصلة الحياة العادية للمستوطنين. وحول القدس، رفض نتنياهو فرض أي قيود على البناء الجاري هناك.

وبعد أقل من أسبوع، قال نتنياهو خلال اجتماع "كلكليست" (الملحق الاقتصادي لصحيفة يديعوت أحرنوت): "بودي أن أوضح للمستوطنين وعموم مواطني إسرائيل، ولجيراننا الفلسطينيين، ولكل الأسرة الدولية، بأن قرار تجميد البناء في المناطق مؤقت ولمرة واحدة، وسنعود للبناء في نهاية التجميد". ومع أن تصريح نتنياهو هذا كان يرمي إلى تهدئة المستوطنين بعد اللقاء المتوتر في مكتبه بين كبار مسؤولي المكتب وممثلي مجلس "يشع" للمستوطنين ورؤساء المجالس الاستيطانية، إلا أنه حرص بنفسه على الاجتماع برؤساء المستوطنات واستمع إلى مواقفهم، مبدياً تعاطفه معهم، ومؤكداً أن القرار مؤقت واتُخذ لمرة واحدة فقط، وأنه يحمل هذه الرسالة ليس إلى المستوطنين ورؤسائهم فحسب، بل إلى النواب في الكنيست وأعضاء الحكومة أيضاً، على اعتبار أن التماسك الداخلي هو الأهم في هذه الفترة، فيما أوضح وزير الدولة، بيني بيغن، أن المجلس الوزاري المصغر لم يقرر تجميد البناء في مستوطنات الضفة، وإنما فرض قيوداً على تصاريح بناء جديدة. وحاول بيغن "تفسير" تصويته لصالح القرار، وهو المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة، مبيناً أن الأشهر العشرة القادمة سوف تشهد بناء آلاف من الشقق السكنية في الضفة الغربية واستمرار تشييد المرافق العامة لتأمين حياة طبيعية للمستوطنين.

وبالتزامن مع زعم المستوطنين بأن الحكومة لم تعطهم الوقت المناسب لمواجهة أوامر التجميد، وأن تطبيق الأوامر قد يلحق الضرر الاقتصادي بالمستوطنات، انضمت أحزاب اليمين إلى رؤساء المستوطنين في ممارسة الضغوط على الحكومة. وتوخياً لتخفيف "الأضرار" التي قد يلحقها قرار التجميد المؤقت بالمستوطنين، تم تشكيل طاقم برئاسة وزير الدفاع، إيهود باراك، والوزير بيني بيغن، بمشاركة سكرتير الحكومة تسفي هاوزر، ومنسق عمليات الحكومة في المناطق الاستيطانية اللواء ايتان دانغوت، لدراسة شكل تطبيق قرار المجلس الوزاري المصغر. كما شُكلت لجنة مهنية برئاسة المحامية دينا بولياك من وزارة الدفاع، وعضوية المحامي آسي مسنج من وزارة المالية والمحامي ايتان تسفرير من ديوان رئيس الحكومة، للبحث في ادعاءات الأضرار المباشرة التي لحقت بالمستوطنين جراء أمر التجميد. 

ولم يطل الوقت لكتابة رسائل الطمأنة للمستوطنين، فتوالت الخطط والإجراءات في هذا الشأن، فقد نشر مكتب نتنياهو يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 2009، خريطة "مناطق الأولوية الوطنية" الجديدة، التي اتضح منها أنها تتضمن عشرات المستوطنات في الضفة، وتمنح علاوات تشمل تقديم 110 ملايين شيكل لنحو 110 آلاف مستوطن، أي ألف شيكل لكل مستوطن. ومعنى مناطق الأولوية هو أن كل وزير في مجال مسؤوليته مطالب بأن يخصص بشكل نسبي مصادر أكثر للبلدات التي تندرج في الخريطة من البلدات خارج الخريطة. وكانت هذه الخطوة كفيلة بتمكين حكومة نتنياهو من وضع قاطرة مواقف المستوطنين على سكة التهدئة، فأخذت احتجاجاتهم ضد الحكومة تتخامد، وبدلاً من الصراخ أمام مكتب نتنياهو والتظاهرات المغطاة تلفزيونياً، راح المستوطنون ينهمكون بالمخصصات الإضافية التي سيحصلون عليها، خاصة في ظل إدمانهم على الدعم الحكومي.

واستكمالاً للرعاية الحكومية للاستيطان، عجّت التقارير الإسرائيلية اللاحقة بالحديث عن تسريع عمليات التخطيط للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية خلال فترة تجميد البناء الجزئي والمؤقت، لكون الحكومة لم تجمّد التخطيط، وهو ما عمل وزير الداخلية، إيلي يشاي، من حزب شاس الديني الشرقي، على استغلاله، لكي يكون بالإمكان مباشرة البناء وبسرعة بعد انتهاء فترة التجميد. ووجه وزير الدفاع إيهود باراك تعليماته في السابع من الشهر الحالي (يناير 2010) لتعديل أمر تجميد البناء لصالح المستوطنين، بمنح صلاحيات للمجالس لإعطاء رخص إضافات بناء، وإصلاحات أو تغييرات في المباني السكنية القائمة. كما صدر ترخيص لمعالجة البنى التحتية العامة في نطاق المستوطنات والدفع إلى الأمام بإجراءات الترخيص دون إصدار رخصة البناء. وصادق باراك في العشرين من الشهر نفسه على تحويل "كلية مستوطنة أرئيل" إلى "جامعة أرئيل"، وهو إجراء تكشف ظروفه عن وجود اعتبارات سياسية له.

وفيما يتعلق بالنقاط الاستيطانية "غير القانونية"، وبعد مضي نحو خمس سنوات على التقرير الذي قدمته المحامية تاليا ساسون للحكومة وأوصت فيه بإخلاء هذه النقاط، أكدت وزارة الدفاع أن إخلاء النقاط الاستيطانية ليس مطروحاً على بساط البحث، بحجة أن الأمر متعلق بالشروع بالمفاوضات مع الفلسطينيين.

وحين حمّل المستوطنون الحكومة والجيش المسؤولية عن عملية قتل الحاخام المستوطن مائير أفشالوم حاي، أواخر العام الماضي؛ لأنهم أزالوا حواجز عسكرية، جاءت عملية تصفية ثلاثة فلسطينيين في نابلس لتسكب الماء البارد على المستوطنين المنفلتين، وتمرر رسالة للمستوطنين مفادها، على حد وصف المحلل العسكري البارز أليكس فيشمان: "نحن معكم ولن نتخلى عنكم، ونحن هنا من أجل حمايتكم، ومعالجة أمر المخربين سيكون حاداً وسريعاً.. ونحن لسنا على طرفي نقيض". بيد أن السلطة الفلسطينية أعلنت أن الثلاثة الذين أعدمتهم القوة العسكرية الإسرائيلية " لم يكونوا مسلحين ولا علاقة لهم بعملية مقتل الحاخام المستوطن.

ولم يمنع كل ذلك نواة المستوطنين الصلبة من مواصلة تحدي الحكومة، وكان قرار إيهود باراك بإخراج المدرسة الدينية، هار براخا، من نطاق ما يعرف باسم "مدارس التسوية" التي تتلقى دعماً مالياً من الجيش الإسرائيلي، ليصب زيتاً على الجدال السياسي، حتى إن أوساط اليمين المتطرف حددت وزير الدفاع باراك كهدف للتصفية، فأرسلت تهديدات إليه وإلى شخصيات أخرى معروفة، كانت تؤكد بشكل صريح أنها تنوي وقف تجميد البناء أو تؤيد أية مسيرة سلمية، على نحو  يذكّر بمصير رئيس الحكومة إسحاق رابين الذي اغتيل في أجواء مشابهة.

عند هذه الحدود من التفاعلات الداخلية، ظلت العلاقة بين حكومة نتنياهو والمستوطنين مفتوحة على تأثيرات التطورات السياسية، التي ستكشف أفق هذه العلاقة. ومن الواضح أن الجولة الأخيرة للمبعوث الأمريكي للمنطقة جورج ميتشل شكّلت مناسبة لتسخين تلك التفاعلات؛ حيث طُرح على بساط البحث مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إمكانية فتح ثغرة في الجدار الذي ينتصب أمام استئناف المفاوضات. وحيال ذلك، من المتوقع أن تزداد المعارضة الداخلية، من قبل الأحزاب اليمينية والدينية والمستوطنين، للرضوخ للضغوط الأمريكية والدولية، ودعم حكومة نتنياهو في رفض تقديم أي تنازل مهما كان طفيفاً للفلسطينيين، بذريعة الحصول على "ثمن فلسطيني مناسب"، مقابل خطوة تجميد الاستيطان. ومما يبعث على القلق أن المواقف الدولية تتفهم هذه الذريعة التي ستمثل بداية متاهة جديدة أمام الفلسطينيين، في عالم لا يأبه باستغاثات المظلومين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات