حكومة نتنياهو والاحتجاجات الاجتماعية: تفاعلات مفتوحة

  • 14 أغسطس 2011

خلافاً لحالة عدم الاكتراث الظاهرية، التي ميّزت الإسرائيليين في السنوات الأخيرة، انفجرت خلال الأيام الماضية موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات، على خلفية تردّي الأوضاع المعيشية في إسرائيل، وأخذت تستقطب مزيداً من المحتجين، حتى أصبح عددهم بمئات الآلاف، وينتشرون في مختلف أنحاء البلاد. وبدا من متابعة التطورات أن هذه الاحتجاجات، التي لم يتنبأ أحد بقوتها، نقلت مركز القوة من السياسيين إلى الجمهور، الذي أصبح يتحدث، ربما لأول مرة، بمصطلحات الفرد والمجتمع، ويغطي بنفسه تكاليفها. ولم تكن أوائل الخيام الغاضبة في جادة روتشيلد في تل أبيب مجرد فقاعة آنية، بل أخذت الاحتجاجات تتدحرج، مع شعار "الشعب يريد عدالة اجتماعية"، معبّرة عن السخط إزاء السياسات الاقتصادية لحكومة نتنياهو.

ويتضح من دراسة خصائص المحتجين، أنهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى، التي تحمل غالبية الأعباء الاقتصادية والاجتماعية في الدولة الإسرائيلية بنظامها الرأسمالي. ولا يدور الحديث هنا عن يسار ويمين، وعن متدينين وعلمانيين، ولا عن أحزاب سياسية ومناكفات حزبية، ولا عن قوى تعارض التشريعات غير الديمقراطية في الكنيست، بعيداً عن الاهتمام بالجموح العنصري وعما يتعرض له العرب.

وللمقارنة؛ قبل نحو أربعين سنة، وُلدت حركة احتجاج بقيادة "الفهود السود"، طالبت بإلغاء التمييز العنصري والظلم الاجتماعي الذي عانى منه الشرقيون والفقراء عموماً، وتبنت صيغة سعاديا مرتسيانو؛ "إما أن تكون الكعكة للجميع أو ألا تكون هناك كعكة على الإطلاق". أما الاحتجاجات الحالية فتقترب من أن تكون عملياً بمثابة تمرّد ضخم لمستهلكين، وليس ثورة اجتماعية، لمواجهة مشكلات السكن والضرائب والتعليم والصحة والرفاه والعمل والوقود وارتفاع الأسعار.. إلخ.

ولدى البحث في أسباب هذه الاحتجاجات، تنكشف منظومة من العوامل التراكمية التي أنتجت البيئة المناسبة لاندلاعها؛ ولعل في مقدمة ذلك ما أخذت تشهده إسرائيل منذ عقدين؛ حيث ساد نهج تقليص دور الحكومة في الاقتصاد، وبرزت الخصخصة الجارفة للخدمات العامة، وسياسة تخفيض معدلات ضريبة الدخل لأصحاب الدخول العالية، الأمر الذي أدى إلى تمركز المال في أياد قليلة، بالإضافة إلى ازدياد الضرائب غير المباشرة التي تسببت في غلاء المنتجات وارتفاع أسعار المياه والكهرباء والوقود.

وكانت هذه التغيّرات تحصل في ظل اقتصاد سوق غير مكبوح الجماح، بالترافق مع توجيه الميزانيات إلى قطاعات معينة، لاعتبارات حزبية وائتلافية، وضخ استثمارات ضخمة في البنى التحتية في مستوطنات المناطق الفلسطينية المحتلة على حساب الاستثمارات في الضواحي، فدفعت الطبقة الوسطى العلمانية الإسرائيلية ثمن هذه التوجهات، وخاصة الطبقات الضعيفة التي لم ترغب في أن تسكن في تلك المستوطنات.

ومع تفاقم وطأة همومها في عهد نتنياهو (فارس الليبرالية الجديدة والخصخصة)، استيقظت شرائح الطبقة الوسطى على واقع ثقيل الوطأة على جيوبها وبطونها وعقولها، تحت قيادة سياسية وأمنية واقتصادية مقطوعة الصلة بالواقع الاجتماعي الإسرائيلي العام، على الرغم من أنه كانت لدى نتنياهو ثلاث سنوات ليصلح الأوضاع، بمساعدة ائتلاف حكومي هو الأكثر استقراراً منذ قيام الدولة.

ونظراً لما تتصف به الموجة الاحتجاجية الجديدة من عمق واتساع، فقد نجحت في حمل نتنياهو ومكونات حكومته الائتلافية على تركيز النظر على هذه الموجة ومحاولة التعاطي معها بطرق مختلفة؛ حيث ظهرت في البداية محاولات لحرمان المحتجين من الشرعية عبر إلصاق تصنيفات سياسية قبيحة بهم، والتركيز على أن "جهات يسارية متطرفة"، لا حركات اجتماعية، تقف وراء الاحتجاجات، وأن الأمر يتعلق بمؤامرة خصوم سياسيين وبمجموعات ممولة من الخارج وبتدبير خفي، فضلاً عن وصف المحتجين بأنهم ساذجون وانتهازيون ومرتزقة لا يعلمون ما الذي يريدونه ومنجرفون بصورة هذيانية وراء شعارات ديماغوجية. وفي مرحلة لاحقة سعت الحكومة إلى تملّق المحتجين ومحاولة إظهار تفهمها لمطالبهم كمحاولة للحد من اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية.

لكن الاحتجاجات وضعت نتنياهو أمام معضلة غير بسيطة؛ فغرائزه الاقتصادية تحذّره من أن الاستسلام للمتظاهرين سيجلب الخراب على الاقتصاد، وغرائزه السياسية تحذره من أن العناد سيسقطه عن السلطة. ولكن سرعان ما فهم نتنياهو وأقطاب حكومته أن اتهاماتهم للمحتجين تذوب بحرارة الحدث الجديد الذي بدا أنه أزمة حقيقية تتطلب علاجاً جذرياً.. فكيف سارت عملية البحث عن علاج؟

لقد صادق الكنيست بصورة عاجلة في الثالث من أغسطس على قانون جديد للسكن يسمى قانون "لجان السكن القومية"، بهدف تحديد سقف أدنى لأسعار الشقق السكنية في البلاد، واختصار إجراءات التنظيم والبناء. ولكن المحتجين رفضوا هذا القانون الذي اعتبروه "صفعة قوية في وجه المظاهرات"، مؤكدين أن هذه المظاهرات ستستمر ولن تتوقف إلى حين تلبية مطالبهم كافة.

وتم اعتماد خطة بناء جديدة أقرتها وزارة الداخلية الإسرائيلية في اليوم نفسه تهدف إلى توفير20% من عدد الشقق السكنية في إسرائيل. مع تنفيذ مخطط مدينة "حاريش" لإسكان ١٥٠ ألف من اليهود الحريديم في قلب وادي عارة، ومن شأن هذا المخطط محاصرة البلدات العربية في هذه المنطقة ووضع حاجز أمام امتدادها العمراني وتطورها المستقبلي.

كما بدأت الحكومة بمعالجة بعض المشكلات الأخرى، مثل؛ خطة إنقاذ جهاز التعليم العالي، ومشروع اختصار المسافات بين أواسط البلاد والمناطق المحيطة من خلال شق الطرقات وخطوط السكك الحديدية، وقرر نتنياهو في السابع من شهر آب/أغسطس تشكيل لجنة مهنية برئاسة البروفيسور مانويل تراختنبرغ (الرئيس السابق لمجلس الاقتصاد القومي والرئيس الحالي للجنة رصد الاعتمادات التابعة لمجلس التعليم العالي)، مهمتها إجراء حوارات مع ممثلي المحتجين والمسؤولين والخبراء وتقديم توصياتها إلى الحكومة، وذلك حتى نهاية أيلول/سبتمبر القادم. ونُقل عن نتنياهو، قوله إنه ينوي، بعد ذلك، نشر خطة يصفها بأنها "ستغير وجه الدولة"، وتستند إلى "كسر الكارتيلات والاحتكارات التي تمنع التنافس الحقيقي في الاقتصاد، وإجراء تقليصات عميقة في الضرائب غير المباشرة".

وبتأثير التكلفة الاقتصادية للاحتجاجات على الموازنة العامة (بالإضافة إلى عامل الأزمة الاقتصادية الأمريكية)، قرر جهاز الأمن تجميد الاستعدادات للخطة السداسية "حلميش" التي أعدها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بيني جانتس للسنوات 2012-2018، والتي تحتاج إلى تمويل بقيمة 6 مليارات شيكل "1.76 مليار دولار" على مدار 6 سنوات. تشكل الزيادة التي تتطلبها هذه الخطة نسبة 2% من ميزانية الأمن خلال الأعوام الستة المقبلة والتي يصل حجمها إلى 300 مليار شيكل، وهو ما اعتبرت بعض التقارير الإسرائيلية أنه مس بشكل مباشر استعدادات الجيش الإسرائيلي للتغيرات السياسية الدراماتيكية الحاصلة في الشرق الأوسط.

كما نُشرت تقارير أخرى تتضمن توصيات بأنواع متفرقة من الحلول، منها: تقدم المعارضة باقتراح قانون لإلغاء ميزانية عام 2012، كي تضطر الحكومة للعمل على إقرار ميزانية جديدة تشمل أولويات جديدة، ومطالبة 42 عضواًَ بالكنيست، بعضهم وزراء، بحل أزمة السكن من خلال البناء في مستوطنات الضفة الغربية والقدس، وتشجيع الأزواج الشباب على الانتقال إلى المستوطنات لأسباب اقتصادية (خطة رئيس شاس إيلي يشاي)، وتغيير سلم الأفضليات والتركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية (حسب توصية وزير التطوير سيلفان شالوم)، وربط الحلول الاقتصادية بالتحرك الإسرائيلي على مسار الحل السياسي مع الفلسطينيين، والذي سيؤدي (بتقدير شاؤول موفاز رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية) إلى تحويل مبالغ مخصصة للمواجهات معهم إلى القنوات الاجتماعية في الدولة.

بالتوازي مع هذه الخطوات والتوصيات، قدّرت وزارة المالية أن إجمالي مطالب المحتجين يصل إلى نحو 60 مليار شيكل (نحو 16 مليار دولار) وهو مبلغ خيالي، يصعب على الحكومة الإسرائيلية توفيره في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة المتمثلة في تراجع الصادرات الإسرائيلية وبطء النشاط الاقتصادي وتراجع الدخول الضريبية فضلاً عن فترة الغموض الاقتصادي التي تعيشها إسرائيل حالياً، جرّاء الأزمات الاقتصادية والبطالة في الولايات المتحدة وأوروبا والتباطؤ الذي يلوح في الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذتها الحكومة، فما تزال آفاق الاحتجاجات مفتوحة على التفاعلات الذاتية والمحيطة، مع وجود مؤشرات على استمرارها، وإن كان يلاحظ عدم وجود قيادة سياسية موحدة لهذه الاحتجاجات تجمع الطاقات الهائلة المتجمعة فيها. وقد تكاثرت التساؤلات حول دور هذه الحركة الاحتجاجية الراهنة ومصيرها؛ من بينها: هل تمتلك هذه الاحتجاجات قابلية للتحوّل إلى حركة تتصدى لمجمل النظام السياسي والاقتصادي القائم أم لا؟ وهل تؤدي بوتيرتها الجارية إلى تقديم موعد الانتخابات (كما قدّر رئيس الكنيست ريفلين)؟ وما مدى علاقتها مع الاحتجاجات التي يشهدها العالم العربي؟.. وهل ستكون لها انعكاسات إقليمية؟.. إلخ.

في مقابل الغموض المتعلق بالإجابة على هذه التساؤلات، كان هناك وضوح تام لحقيقة أن الموجة الاحتجاجية الراهنة حرمت نتنياهو من متابعة أحابيله الإعلامية وبلاغته السياسية المتغطرسة، وأخذ يتعزز المعسكر الذي يطالب برحيله. ويستشف من التقارير التي تغطي هذا الحدث أن نتنياهو وحكومته وقعا في مأزق محكم، من المبكر التكهن بكيفية الخروج منه.

Share