حكومة ميقاتي ومواجهة التحديات بمواقف ملتبسة

  • 21 يونيو 2011

أخيراً، شكَّل نجيب ميقاتي الحكومة اللبنانية الجديدة بعد 140 يوماً من المفاوضات والاتصالات والتكهنات. وإذ آثر أن يتوجه فور إعلان الولادة القيصرية لحكومة "ما بعد الحريري" إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، فإنه سيبقى لغزاً معرفة هل كان ميقاتي يستغفر الله على ما ارتكبه من ذنب باختياره هذه التشكيلة الحكومية، التي يقول خصومها في "تيار المستقبل" وقوى "14 آذار" إنها حكومة بشار الأسد و"حزب الله"، أم إنه يسأله الرفق به وبالحكومة؛ لأنه شكَّل "حكومة الممكن"، حسبما قال، ولأن ضميره يؤنبه بعض الشيء بسبب عجزه عن الخروج إلى اللبنانيين بتشكيلة وزارية أفضل من تلك تلبي طموحات معظم اللبنانيين؟!

ومثلما سيبقى لغز دعاء ميقاتي ربُّه في مكة المكرمة سراً مكتوماً في نفسه، فإن لغز أخِذِه على عاتقه استكمال الانقلاب على حكومة سعد الحريري لا يزال هو الآخر في علم الغيب، ويصعب حصره في مجرد الطموح الشخصي إلى العودة لتسنُّم الرئاسة الثالثة في لبنان.

على أي حال، ليس سراً على الإطلاق أن تقدُّم عملية "جسر الشغور" في شمال سورية لمصلحة نظام دمشق ألغى العائق الذي وضعته "جمعة الحرائر" أمام تشكيل الحكومة اللبنانية. وإذ شعر الرئيس بشار الأسد أنه أصبح أكثر قدرة على الحسم السياسي في لبنان، في موازاة الحسم العسكري في بلدات جسر الشغور ومعرّة النعمان، فإن الضوء الأخضر أُعطي للرئيس نجيب ميقاتي إثر لقاءين. الأول، جمع الأسد بالنائب وليد جنبلاط العائد إلى "بيت الطاعة" الدمشقي مشكِّلاً رأس حربة ضد "14 آذار". والثاني، جمع الرئيس السوري بطه ميقاتي، شقيق الرئيس المكلف وعرَّاب العلاقات بين نجيب ميقاتي ودمشق، ومهندس الشراكة الخلوية بين عائلة ميقاتي ورامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري، الذي تحوَّل قبل أيام زاهداً بالمال والأعمال، وانصرف إلى أعمال الخير ومساعدة أصحاب الحاجات.

ويمكن قراءة مكتوب الحكومة من عنوانه؛ أي من الأسماء التي تشكَّلت منها والتوازنات داخلها، والتي تبدو راجحة لمصلحة "حزب الله" وحلفائه، ومهمّشة لتمثيل الرئيس ميشال سليمان. وتشاء الصدف أن تؤخذ الصورة التذكارية للحكومة بالبزات السوداء لتذكَّر بتظاهرة "القمصان السود" شبه العسكرية التي قام بها "حزب الله" مطلع العام، وأدت إلى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي كان يترأسها سعد الحريري، ودخول لبنان في مرحلة الفراغ.

لا يزال الاعتقاد سائداً بأن "حزب الله"، حين أطاح حكومة سعد الحريري، لم يكن يريد أكثر من الفراغ لجعل يديه مطلقتين في مواجهة القرار الاتهامي الذي تنوي المحكمة الدولية إصداره في شأن جريمة اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري. ويوم كُلف ميقاتي بتشكيل الحكومة في "25 يناير" لم تكن الثورة المصرية انتصرت، ولا الثورة اليمنية انطلقت، ولا الثورة السورية هزّت أركان النظام السوري… لم يتغير شيء في هذا الشأن الآن باستثناء أن الحكومة أصبحت حاجة سورية اضطر "حزب الله" إلى القبول بها رغم علمه أن "الورقة اللبنانية" التي تعاود دمشق إمساكها في مواجهة العالم الذي يطالبها بالإصلاحات يمكن أن تحرق يدي الحزب وتكبِّل حركته في مواجهة التحدي الأكبر الذي يواجهه ويواجه حكومة ميقاتي، وهو القرار الاتهامي الماثل يومياً كسيف مصلت على الحزب والحكومة، والإصرار الأممي على ضرورة وضع حد لسياسة "الإفلات من العقاب".

ولعلَّ أول تحدٍ ستواجهه حكومة ميقاتي هو كيفية إقناع نصف اللبنانيين الذين تم استبعاد ممثليهم من تشكيلة الحكومة، والمتمثلين بأكثرية السنَّة ونصف المسيحيين على الأقل، بأن هذه الحكومة تعبر عن مصالح جميع اللبنانيين. ويحتاج الرئيس ميقاتي إلى جهد كبير ليبرهن على أن حكومته ليست حكومة لون واحد، بل ليست حكومة لون واحد فاقع، خصوصاً أن وسطيته التي يفاخر بها باستمرار تهاوت مع رضوخه لمشيئة الجنرال ميشيل عون حليف "حزب الله" بتسليمه "الحقائب السيادية"، التي لها علاقة بالمحكمة الدولية إلى حد كبير، وهي الدفاع والعدل والداخلية.

ويحتاج ميقاتي جهداً كبيراً أيضاً للحد من شهية الجنرال عون المفتوحة على "محاكمة" حقبة الحريري الأب والابن على السواء، وعلى "محاسبة" من يعتبر أنهم تزعموا سلوك الفساد، متناسياً (أي عون) أن حلفاءه اليوم كانوا شركاء فعليين في كل ما يتهم خصومه به، وأنه هو نفسه يمكن أن يكون عرضة للمساءلة إذا ما فُتحت كل الملفات والحسابات منذ ترأسه "الحكومة الانتقالية" التي تسلمت السلطة في العام 1988، والتي استخدمها كغطاء لخوض حربين مدمرتين في عام 1989 ("حرب التحرير" ضد القوات السورية في لبنان، و"حرب الإلغاء" ضد القوات اللبنانية في المناطق الشرقية من بيروت) تسببتا بآلاف القتلى، واستدرجتا الوصاية الكاملة للنظام السوري على لبنان.

يستطيع الرئيس ميقاتي اليوم أن يستفيد من أسلوبه الملتبس والفضفاض في مواجهة التحديات التي تواجه حكومته. فهو محب للجميع وللخير والجمال حتى أن اسم تياره السياسي -العزم والسعادة- لا يعبر إلا عن حسن الطوية والنوايا ورعاية الأيتام. أما ما يخفيه في مواجهة "القرار الاتهامي" والالتزام بالقرار الدولي 1701 الذي سمح بنشر قوة دولية في جنوب لبنان وطلب نزع السلاح غير الشرعي، فهو الأهم، ورغم تأكيده حرصه على حماية "مصلحة لبنان والسلم الأهلي" فإن هذه العبارة مليئة بالمعاني التي يمكن استخدامها في أي اتجاه. فعلى سبيل المثال، ماذا سيفعل ميقاتي إزاء المطلب اللبناني والدولي بنزع سلاح "حزب الله"؟ لا شيء باستثناء الكلام عن العودة إلى "طاولة الحوار" التي يرأسها الرئيس سليمان، والتي أوقف "حزب الله" وحلفاؤه مشاركتهم فيها قبل أكثر من عام.

يحتاج ميقاتي أيضاً إلى أن يقنع الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بأن حكومته ليست في "محور الممانعة" الذي يقوده أحمدي نجاد وبشار الأسد، الذي يخوض بدوره حرباً حاسمة في مواجهة الداخل السوري الرافض استمرار الحزب الواحد، وأن هذه الحكومة ليست في مواجهة مع "محور الاعتدال".

في إطلالته التلفزيونية الأولى بعد تشكيل الحكومة حاول الرئيس ميقاتي أن يفتعل الانفعال قائلاً لسائله عن القضايا السياسية الكبرى التي يواجهها لبنان: "اسألوني عن تصحيح الوضع المالي وعن فرص العمل وعن الكهرباء وأزمة المرور. واحكموا عليَّ من خلال الأفعال".. إن غداً لناظره قريب، وسيرى اللبنانيون في "الأيام المائة الأولى" التي سيضعها ميقاتي مقياساً لنمط الإنجاز، أيَّ حلول ملموسة وأيَّ خطوات انعكست إيجابياً على حياة الناس. وهل يستطيع ميقاتي فصل الاستحقاقات الوطنية الكبرى والانقسامات السياسية عن مسائل الإصلاح الاقتصادي والمالي، أم إنه يضيِّع الوقت في لعبة بيع الكلام.

من نافلة القول أنَّ ما يعانيه لبنان اليوم لم يعد أزمة حاجات اجتماعية واقتصادية وخلافات سياسية، بل أزمة نظام يحتاج إلى إعادة صياغة بعدما فشل في استيعاب التناقضات التي تشهدها الساحة اللبنانية. إنها مهمة كبرى تحتاج إلى قادة استثنائيين يقدمون مصلحة لبنان على سائر الاعتبارات الشخصية والإقليمية، وليس إلى حكومات أتت بها ظروف استثنائية وشكلتها أكثرية تكونت تحت تهديد السلاح والابتزاز.

Share