حكومة مصطفى الكاظمي.. محاولات حقيقية للخروج من عباءة إيران

  • 13 مايو 2020

يبدو رئيس الوزراء العراقي الجديد، مصطفى الكاظمي، مصرّاً وجاداً ومندفعاً باتجاه أخذ العراق فعلياً نحو عهد جديد ستتغير فيه، في حال نجاحه وقدرته على تحقيق طموحاته وتعهداته، قواعد اللعبة السياسية، وسيسهم في إعادة ترميم سيادة العراق، وتخليصها مما لحق بها من أذى وانتهاكات جعلت منه على مدى عقد ونصف بلداً مستباحاً على الصعد كافة؛ السياسية والأمنية والاقتصادية.

ملامح التوجه الجديد بدت تتضح أكثر من خلال ما تنفذه الحكومة من إجراءات، وعبْر ما يحاول رئيس الوزراء نفسه توصيله من رسائل، سواء بشكل مباشر أو ضمني، وتشير كلّها إلى مسعى جادّ وحقيقي لإعادة صياغة المعادلة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وامتلاك زمام المبادرة وإعادة الاعتبار إلى القرار السيادي، وكذلك إعادة التوازن إلى العلاقات مع دول الجوار وخصوصاً مع الجارة الشرقية «إيران» التي تتعامل مع العراق باعتباره حديقة خلفية تابعة لها، وتسعى بلا هوادة إلى سلخه تماماً عن محيطه العربي، وتغيير ثقافة شعبه، واستبدال ولاءاته وربطها بنظام الولي الفقيه تحت ستار شعارات التشيع، ومن خلال الفتاوى تحت الطلب التي تصدر بالجملة ومن دون رقيب ولا حسيب من المراجع الدينية في أصفهان، وقُم، وطهران.

تجربة تشكل سابقة في النهج القيادي في هذا البلد منذ سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003 ووصول السلطة إلى أيدي التيارات والأحزاب الدينية التي عاد معظمها من المنفى وهو محمّل بأجندات إما مشحونة بالحقد الطائفي الممزوج بالكراهية والرغبة في الإقصاء، أو منفصلة تماماً عن واقع حياة الإنسان العراقي، وتنظر إليه من برج عاجي، أو محملة بمشروع فارسي صفوي يريد جرّ العراق نحو الشرق وإحياء حلم عودة عاصمة كسرى إلى المدائن، وهي تجربة تبشر في أدنى التوقعات بالحد من التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، وبتحجيم النفوذ الإيراني ووقف المدّ الفارسي الطامع في جعل العراق قاعدة انطلاق تصدير ثورة الإمام إلى الدول العربية.

ميزات الكاظمي ونقاط القوة لديه متعددة، وتوحي بقدرته على تنفيذ ما يدور في رأسه من أفكار، وما يخطط له من برامج، وفي مقدّمتها أنه رجل جمع سابقاً بين متناقضات الإعلام والأمن عندما تحوّل من كاتب لمقالات الرأي في مؤسسات عراقية وأجنبية، إلى رئاسة الجهاز الأمني والمعلوماتي الأهم وهو جهاز المخابرات الوطني العراقي، الذي لعب دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم «داعش»، إضافة إلى استقلاليته وعدم ارتباطه أو انتمائه إلى أي من الأحزاب السياسية العراقية، وكذلك كونه غير محسوب على أي توجهات دينية أو أيديولوجية، فضلاً عن امتلاكه شبكة علاقات قوية وقنوات اتصال فاعلة مع عشرات الدول والأجهزة التي تعمل ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والتي تمكّن من نسجها إبان رئاسته لجهاز المخابرات.

ويوم أمس، نفذت الحكومة العراقية ما يمكن وصفه بعملية جسّ نبض وبالون اختبار بشأن مشروعها للحد من نفوذ إيران، والذي يبدأ بلا شك بتفكيك الميليشيات المسلحة التي تأتمر بأمرها، من خلال عملية المداهمة التي نفذتها قوات الأمن العراقية في البصرة لمقرّ ميليشيا «ثأر الله» التي تجاهر بولائها لإيران والمعروفة بتشدّدها الطائفي وبضلوعها طيلة سنوات في جرائم عدة من بينها تنفيذ عمليات اغتيال، حيث قامت بإغلاق المقر، واعتقلت 5 من عناصره، وصادرت أسلحتهم.

نجاح هذا المشروع يعتمد على قدرة الكاظمي، وهو القائد العام للقوات المسلحة، على عدم الرضوخ لأي ضغوطات تحاول قوى الشدّ العكسي ممارستها والمضي قدماً، وتنفيذ ما وعد به في هذا الصدد؛ وهو أن يتم نزع سلاح الميليشيات كافة وفي مقدّمتها ما يسمى بـ «الحشد الشعبي»، وحصر السلاح بيد الدولة، وكذلك تنظيف الجهاز الحكومي والأجهزة الأمنية، وحتى الجيش على مختلف المستويات، من آفة الفساد المستشري في مفاصل الدولة والتخلص من المسؤولين كافة المدنيين والعسكريين الذين تمّ تعيينهم وفقاً لصفقات إما سياسية، أو مالية.

فرصة حقيقية متاحة أمام رئيس الحكومة العراقية الجديدة الذي أعلن منذ تكليفه برنامجاً ينسجم بشكل شبه تام مع المطالب التي أعلنتها وتمسكت بها قيادات الحراك الشعبي العراقي، هي استثمار الزخم الشعبي والحماسة العربية والدولية اللذين يحظى بهما، ليكون رجل العراق القوي ومهندس بناء الدولة العراقية الجديدة على أسس الاستقلال الحقيقي، والخروج من العباءة الإيرانية، والعودة إلى الحضن العربي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات