حكومة جديدة وتحديات متجددة

  • 1 مايو 2005

المناخ السياسي الذي ولدت فيه الحكومة العراقية الجديدة ليس بخاف على أحد، والحديث عن "ولادة عسيرة" لهذه الحكومة لا يقلل مطلقا من نوعية الإنجاز السياسي الذي تحقق عبر تشكيلها، فالمفاوضات لم تكن سهلة والتجاذبات بين أطياف المجتمع العراقي ليست هينة، والتوصل إلى حد أدنى من التفاهم يعتبر خطوة مهمة في هكذا أجواء وهو أيضا خطوة مهمة في مسيرة العملية السياسية التي تترقب استحقاقا بالغ الأهمية وهو صياغة الدستور العراقي. المهم الآن أن الحكومة العراقية الجديدة التي انتظرها العراقيون طيلة الأشهر الثلاثة الماضية ظهرت على سطح الأحداث، وقد جوبهت منذ لحظة ميلادها الأولى بتحديات أمنية نتمنى أن تزيد أعضاءها عزما وإصرارا على العمل وتحقيق ماوعدوا به الشعب العراقي من أمن واستقرار.

وسواء ولدت الحكومة الجديدة بشكل "قيصري" أو بشكل "طبيعي"، فإن المهم الآن أنها أبصرت النور وخرجت إلى الحياة تنبض وتبشر بأول حكومة منتخبة في العراق منذ أكثر من خمسة عقود، والاختبارات التي تواجهها هذه الحكومة تتطلب منها الالتقاء مع بقية القوى والتيارات السياسية والدينية والعرقية على أرضية واحدة لتفادي مؤامرات الدفع باتجاه الفتنة الطائفية من جهة ولضمان فاعلية ماتتخذه من إجراءات من جهة ثانية. الأولوية الآن ينبغي أن تعطى -إلى جانب استكمال تشكيل الحكومة والانتهاء من اختيار مرشحي السنة العراقيين للحقائب الوزارية التي اتفق على إسنادها لهم- إلى ملفي الأمن والاقتصاد، والدفع باتجاه نزع فتيل قنبلة البطالة التي تهدد الآلاف من الشباب العراقي، وهناك أيضا مهمة استعادة ثقة الشعب العراقي في مقدرة النخبة السياسية على الاضطلاع بمهام الدولة بعد تفشي أجواء الإحباط والامتعاض جراء التشرذم والصراع على تقاسم السلطة عقب الانتخابات.

وإذا كانت الحكومة العراقية الجديدة مطالبة ببناء قواسم مشتركة وفتح قنوات حوار مع الجميع، فإن بقية القوى السياسية العراقية مطالبة كذلك بمد يد العون والمساعدة لإنجاح مهمة هذه الحكومة وأداء دورها بشكل يتجاوب مع طموحات الشعب العراقي. فالساحة السياسية تتسع للجميع، وتداول السلطة أمر شائع وهو القاعدة في الممارسة الديمقراطية التي انطلقت في عراق مابعد صدام، وبالتالي فإن تقديم الدعم السياسي للحكومة الجديدة هو واجب وطني، وهو أيضا اختبار حقيقي لمدى تجذر الممارسة الديمقراطية وسريانها بين شرايين الطيف السياسي العراقي، فلا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، وينبغي أن يكون الرهان الأوحد للجميع في هذه المرحلة هو استئصال وملاحقة سيارات الموت المفخخة التي تحاول اغتيال الحلم العراقي وسرقته من بين أيدي العراقيين. ورغم قصر عمر الحكومة الجديدة ( تنتهي مدتها حسب قانون إدارة الدولة بنهاية عام 2005)، فإن أداءها خلال تلك الفترة يمكن أن يوفر قاعدة أو ركيزة قوية لبناء عراق تعددي جديد لا يعاني الإقصاء والتهميش ويتسع لأبنائه كافة من مختلف درجات الطيف السياسي والديني والعرقي، فالانسجام في قمة هرم السلطة سينعكس إيجابا على كامل بنية المجتمع العراقي، والمأمول أن تشهد الأشهر المقبلة بداية حقيقية لإرساء السلم الأهلي وانطلاق حملة إعمــار العــراق.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات