حكومة الوحدة في إسرائيل: اعتبارات ودلالات وآفاق

  • 11 يونيو 2012

شهد الأسبوع الثاني من شهر مايو/أيار الماضي حدثاً إسرائيلياً غير مسبوق، تمثل في اتفاق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس المعارضة شاؤول موفاز على إلغاء عقد الانتخابات العامة، التي أُعلن قبل ذلك عن تبكيرها، وتكوين ائتلاف حكومي عريض، يضم حزب "كديما"(28 مقعداً)، وتعيين رئيسه موفاز نائباً لرئيس الحكومة ووزيراً دون حقيبة، مع تفاهم شفهي حول إمكانية تعيين وزراء آخرين من الحزب لاحقاً. ويومها برّر موفاز سبب انضمامه إلى الائتلاف الحكومي، بأنه ليس من أجل منصب أو حقيبة، بل من أجل أهداف مهمة بالنسبة لإسرائيل.

وقد أكدّت الحكومة الجديدة الموسّعة خلال اجتماعها الأول، في 13 مايو/آيار الفائت، أن هناك أربعة أهداف رئيسة على قائمة أولوياتها، وهي: تغيير "قانون تال"( لتجنيد المتشددين دينياً- الحريديم)، وتغيير أسلوب الحكم، والميزانية، ودفع المسيرة السلمية. ولهذه الغاية اتفق نتنياهو وموفاز على تخصيص طواقم لصياغة اقتراحات تتعلق بتلك الموضوعات.

ومن بين الدلالات الخاصة لهذا الحدث، يجدر التوقف عند حالة نوعية واضحة المعالم، تتمثل بأنه لأول مرة في تاريخ الخارطة السياسية الإسرائيلية يضمّ ائتلاف حزبي/ حكومي 94 نائباً في الكنيست من أصل 120 نائباً، مع التوافق على مبادئ من شأنها أن تولّد آلية انقلاب سياسية ذات أبعاد تاريخية؛ فقد نشأت كتلة يمينية كبرى في إسرائيل، تحول دون تأسيس خصم أو منافس يهددها، وبدا أن أي محاولة لتفكيكها لن تقلب الميزان، حتى لو نجحت بفصل بعض مكوناتها. وقد سارع بعض أعضاء كتلة "كديما" إلى طرح مشروع قانون "ملازمة الأماكن" لمنع انقسام الكتلة بعد ظهور ملامح تمرد خمسة نواب منها اعترضوا على خطوة موفاز.

ومن الأحكام التي أطلقت على هذه الحالة الجديدة أن حزب "كديما" عاد إلى أصله، كجزء من الليكود، وأن الشخص الوحيد الذي استطاع أن يشكل ائتلافاً واسعاً على هذا النحو في التاريخ الحديث هو تشاوشيسكو في رومانيا (حسب وصف يائير لابيد رئيس الحزب الجديد "يش عتيد"). في المقابل، تعرض حزب كاديما لانتقادات قوية؛ حيث وصفت رئيسة حزب "العمل، شيلي يحيموفيتش، خطوة موفاز بأنها "عملية لف ودوران سخيفة ومضحكة جداً لم يحدث مثلها في السياسة الإسرائيلية، وسوف تُدرّس في الجامعات". وهاجم عضو الكنيست بنيامين إليعيزر(من حزب العمل) بشدة موفاز، وقال له: "لقد بعت نفسك للشيطان"، وأشار بذلك إلى نتنياهو.

وانتقدت بعض الشخصيات الحزبية المؤثرة خطوة موفاز، ووصفتها بأنها لعبة انتهازية ومناورة نتنة. وكان الحُكم الأبرز هو للشارع الإسرائيلي، إذ أظهر استطلاع لرأي الجمهور أجرته قناة الكنيست أن شاؤول موفاز وجماعته في "كديما" قد لا يتجاوزون نسبة الحسم في الانتخابات القادمة.

لكن المعطى الأهم هنا هو ذلك المتعلق بتفاعلات الحدث وآفاقه، في المسارات الداخلية والخارجية؛ فعلى مدى 64 عاماً منذ قيام إسرائيل، تم تشكيل 32 حكومة، أي إن متوسط عمر الحكومة لم يتجاوز عامين. لهذا كانت هناك أوساط إسرائيلية واسعة تدعو إلى تعديل طريقة الحكم، بما يضمن تعزيز السلطة على حساب التمثيل الحزبي، عبر رفع نسبة الحسم، وإجراء انتخابات إقليمية إلى جانب الانتخابات العامة، لتجاوز الأخطاء السياسية والاجتماعية التي تظهر، ومنها تخفيف ضغوط الأحزاب على رئيس الحكومة.

وتوحي السجالات الجارية بأن نهج حكومة الوحدة ينطوي على احتمال الشروع في هذه المسيرة. وإذا ما طُبقت فكرة تغيير طريقة الحكم في إسرائيل، سيعني هذا غياب قسم كبير من الأحزاب الإسرائيلية الحالية، ولاسيما الصغيرة منها، وبداية تكوين كتل سياسية جديدة وكبيرة، هي؛ الكتلة المركزية، وكتلة اليمين، والكتلة الدينية، والكتلة العربية.

وفي مجال الأداء السياسي، نلحظ في حكومة الوحدة، وجود ثلاثة رؤساء أركان سابقين معاً (باراك- يعلون- موفاز)، منهم اثنان (باراك وموفاز) شغلا منصب وزير الدفاع، وجميعهم ذوو خبرة عسكرية غنية ومن أكثر الشخصيات تشدداً. وبالتالي؛ فبعد أن كان "تحالف نتنياهو– باراك- ليبرمان" يمثّل برأي كثيرين خطراً كبيراً على حاضر إسرائيل ومستقبلها، طرأ أمر أشد خطورة، بإضافة رابع (موفاز) من النمط نفسه إلى هذا التحالف.

وارتباطاً بذلك، يمكن القول إن الائتلاف الجديد لا ينسجم مع تقاليد النظام السياسي الإسرائيلي، بسبب جموح طغمة يمينية واسعة التمثيل، يتحكم أقطابها بدفة السفينة، غير آبهين بالتحذيرات من مغبة المغامرات غير المحسوبة بفعل غطرسة القوة، وهو ما سينعكس حتماً على التوجهات الإسرائيلية في الموضوعات التي تصنف بأنها تحديات كبرى تواجه إسرائيل. ولعل في صدارة هذه التحديات، سياسة إسرائيل تجاه الشأن الإيراني، بكل أبعاده الإقليمية والدولية، وضمناً روابطه الصراعية مع موضوعي سورية وحزب الله. وهنا يمكن رصد تأثيرين يبدوان متعاكسين، أولهما؛ أن انضمام شاؤول موفاز إلى "هيئة الوزراء الثمانية" التي تبلور القرارات الأمنية والسياسية الحاسمة، يضيف قوة – نظرية على الأقل- للذين يرفضون مؤقتاً الهجوم على إيران في الظروف الحالية (دان مريدور، موشي يعلون، بيني بيغن، إيلي يشاي). والثاني؛ أن الفريق المقرِّر في إسرائيل يوجّه رسالة واضحة حول قدرة الحكومة على اتخاذ القرار، بما تمتلكه من غطاء برلماني ومستوى قيادي عال في معالجة الموضوع الإيراني، وضمناً القدرة على ممارسة الضغوط على الساحة الدولية، وزيادة رصيد الردع الإسرائيلي.

بفعل هذين الأمرين، المتعارضين، من المؤكد أن الجهة الأولى التي ينبغي عليها أن تأخذ المعطى المفاجئ بنظر الاعتبار هي الإدارة الأمريكية، خاصة أن الرئيس باراك أوباما – حتى في حال انتخابه لفترة رئاسية ثانية (في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم) – سيضطر إلى مواصلة العمل مع ائتلاف نتنياهو الواسع. لهذا طلبت الإدارة الأمريكية من إسرائيل توضيحات حول المغزى السياسي لإقامة حكومة الوحدة، انطلاقاً من الرغبة الأمريكية الكبيرة بضمان مواصلة التنسيق والتفاهم حول مختلف المسائل، وفي مقدمتها المسألة الإيرانية. وبعد التداول في هذا المغزى، بدا أن البيت الأبيض اطمأن للبنية الحكومية الجديدة. لذا، ردّ بشكل دبلوماسي مؤكداً أنها لن تؤدي إلى تغيير في موقف واشنطن إزاء حليفتها إسرائيل.

وعلى خطٍ موازٍ، من المفترض أن يكون الشأن الفلسطيني حاضراً في سياق عمل حكومة الوحدة، في ضوء قيام كل من نتنياهو وموفاز لدى إعلان الاتفاق الائتلافي بإثارة مشكلة المفاوضات مع الفلسطينيين. ويبدو هنا من المرجح التوافق حول تكليف موفاز بمهمة إجراء الاتصالات مع الفلسطينيين بالتنسيق مع نتنياهو، استناداً إلى وعد سابق منه. وثمة احتمال بأن يطلب نتنياهو دعم موقفه في الموضوع الإيراني، مقابل قيامه بدعم موفاز في الموضوع الفلسطيني. ومما يذكر أنه بعد انتخاب موفاز رئيساً لحزب "كديما"، تحدّث في مقابلة مع "نيويورك تايمز"، في 7 نيسان/أبريل الماضي، وفق تكتيك مراوغ يستبطن أطروحات قديمة، بأنه "يجب إعطاء الفلسطينيين نسبة 100% من مطالبهم الإقليمية جميعها من خلال مبادلة الأراضي". ويعتقد موفاز أنه يمكن بهذا إحداث انطلاقة في المفاوضات، والاتفاق خلالها على مواضيع الأمن والحدود والقدس.

لكن هذا الطرح يواجه شركاء ائتلافيين متصلبين، يرفضونه، وقد ينسحبون من الحكومة في حال تقديم حلول على هذه الشاكلة، فضلاً عن التعارض مع اقتراح جديد قدمه الشريك الائتلافي وزير الدفاع إيهود باراك في خطابه أمام المؤتمر السنوي لـ "معهد دراسات الأمن القومي" (INSS) بجامعة تل أبيب(30/5)، يتضمن "دراسة تسوية مرحلية أو عملية أحادية الجانب في الضفة الغربية، إذا لم تثمر المفاوضات مع الفلسطينيين". وهو اقتراح قوبل بانتقادات إسرائيلية وفلسطينية على حد سواء.

وحين يجري تحرّي الاحتمالات المرتبطة بحركية الأوضاع الائتلافية وتفصيلات المواقف السياسية والأمنية، لا يحتاج المراقب إلى عناء لإدراك وجود العديد من الألغام التي قد تنفجر تحت وطأة التطورات، لتعصف بجزء أو أكثر من الحكومة، ومنها؛ الاستيطان، والمفاوضات مع الفلسطينيين، والميزانية، والبديل لقانون "تال"، والتوترات الاجتماعية وحركات الاحتجاج، وسواها.

ومع ذلك، يتعين توجيه الاهتمام نحو تفاصيل ممارسات الائتلاف الجديد الرامية لتحقيق أهداف استراتيجية عليا، إضافة لمقاصده المعلنة، في ظل تطلعه إلى تثبيت صورة دولة إسرائيل وتحديد هويتها وضمان مستقبل وجودها.

Share