حقوق الإنسان في عصر كورونا

  • 8 أبريل 2020

يثار جدل كبير حول التأثيرات التي أفرزها تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) على حقوق الإنسان، وتخشى المنظمات الحقوقية، التي عبرت عن موقفها بشكل صريح في هذا السياق، أن يؤثر هذا الوباء في هذه الحقوق بشكل سلبي.

يعتقد البعض أن شعار هذه المرحلة يجب أن يكون: لا صوت يعلو فوق المعركة ضد كورونا، وأن الحديث عن حقوق الإنسان في ظل هذه الظروف العصيبة التي يخوض فيها العالم معركة حامية الوطيس ضد وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) يعتبر نوعاً من الرفاهية، وهذه رؤية قاصرة، من أكثر من جانب، لعل أهمها ما يلي:

– إن تفشي وباء فيروس كورونا وتهديده لحياة الإنسان، يثيران بالضرورة الحق في الصحة باعتباره أحد الحقوق الأصيلة للإنسان، التي تشمل شبكة متكاملة من الحقوق، تضم الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والحقوق الجماعية وغيرها من حقوق الإنسان، التقليدية منها والمستحدثة. وهنا يجب التأكيد أن حق الفرد في الصحة، مكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على الحق في الوصول إلى الرعاية الصحية، وحظر التمييز في تقديم الخدمات الطبية، وعدم الإخضاع للعلاج الطبي دون موافقة المريض، وغيرها من الضمانات المهمة.

– أدى تفشي وباء فيروس كورونا إلى إحداث جملة من التأثيرات الاقتصادية السلبية في معظم الدول، مثل فقدان الوظائف، وهو ما يثير قضية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومنها الحق في العمل أو إعانات البطالة لحين الحصول على وظيفة جديدة، وقد بدأت كثير من الدول في تعويض الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم وانضموا إلى طابور العاطلين. وقد أثرت تدابير الحجر الصحي بشكل واضح على هذه الطائفة من حقوق الإنسان وغيرها من الحقوق الأخرى. وفي هذا الصدد، يقول كينيث روث، المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش، إنه يجب على الحكومات تجنب القيود الشاملة والواسعة بشكل مفرط على الحركة والحرية الشخصية، والاعتماد على التباعد الاجتماعي الطوعي، وفرض القيود الإلزامية فقط عندما يكون ذلك مبرراً وضرورياً وعلمياً.

– أدى تفشي وباء فيروس كورونا إلى فرض حالات طوارئ وحظر التجول في عدد من الدول، وعزل مدن أو مناطق بعينها، وهذه إجراءات ضرورية ومطلوبة للحد من هذا التفشي السريع للفيروس الذي يمكن أن ينتقل بسهولة بين الأفراد، ولكنها في نهاية المطاف تعني أن الوباء هدد الحريات الشخصية للأفراد الذين اضطروا إلى الدخول في حجر منزلي. وفي مقاله بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، اعتبر فلوريان بيبر، أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة «غراتس» النمساوية، أن الوباء وفّر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية -على حد سواء- فرصة للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية. ويرى بيبر، أن الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطراً من نوع آخر؛ إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل، حتى بعد أن يتراجع خطر الفيروس.

– أدى تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) إلى توقف كبير في مظاهر الحياة العامة، وتم العمل في بعض الدول وفقاً لقوانين استثنائية، أو سن قوانين طوارئ جديدة أحدثت حالة من الجدل، وعلى سبيل المثال، ففي المجر، تم العمل بقانون طوارئ جديد أثار عاصفة من الجدل، وتم انتقاده من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي المعنية. ونشير في هذا السياق إلى أن الأمينة العامة لمجلس أوروبا في ستراسبورغ، ماريا بيجينوفيتش بوريتش ردت على خطوة المجر بالتحذير من أن البلدان الأعضاء في الاتحاد عليها الحفاظ على المبادئ الديمقراطية، وقالت إن حالة طوارئ غير معروفة وغير محددة زمنياً لا يمكن لها أن تضمن هذا الأمر. وأضافت بوريتش أن النقاش في وسائل الإعلام يعتبر مكوناً أساسياً لنظام حر وديمقراطي. والقانون الجديد في المجر يعاقِب بالسجن حتى الصحفيين على نشر معلومات «غير صحيحة» عن كورونا. والخوف هو أن تتعرض أي تغطية إعلامية لا تروق للحكومة للعقاب أو المنع.

– أدى تفشي وباء فيروس كورونا إلى تأجيل عقد الانتخابات العامة في كثير من الدول، وهذا التأجيل قد ينطوي بطبيعة الحال على حزمة من التأثيرات السلبية المفهومة بالنسبة للديمقراطية، وعلى سبيل المثال، فقد قرر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، تأجيل الانتخابات المحلية التي كانت مقررة في السابع من مايو المقبل لمدة عام، وفي تشيلي، قرر البرلمان تأجيل الاستفتاء على الدستور الجديد لمدة 6 أشهر، معلناً إجراءه في 25 أكتوبر المقبل بدلاً من موعده الذي كان مقرراً في 26 إبريل الجاري، وفي إيران، أعلن مجلس صيانة الدستور تأجيل الجولة الثانية من انتخابات الدورة الحادية عشرة لمجلس الشورى إلى 11 سبتمبر المقبل، بعد أن كانت مقررة في 17 إبريل الجاري. وفي فرنسا، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، تأجيل الجولة الثانية من الانتخابات البلدية التي كان من المقرر أن تُجرى في 22 من الشهر نفسه إلى 21 يونيو المقبل، وقد شهدت الجولة الأولى التي أجريت في منتصف مارس حضوراً منخفضاً بسبب تفشي الفيروس في البلاد. وفي بوليفيا أجلت المحكمة الانتخابية العليا الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، وقد كان مقرراً إجراؤها في 3 مايو المقبل، داعية جميع الأحزاب السياسية إلى حوار واسع وتعددي لتحديد موعد جديد للانتخابات الرئاسية.

– أدى تفشي وباء فيروس كورونا إلى توقف الكثير من وسائل الإعلام في بعض الدول، وبخاصة الصحف الورقية، التي كانت تمثل منابر مهمة للتعبير عن الرأي والرقابة على الحكومات، كما أن الكثير من وسائل الإعلام أصبحت تعمل بالحد الأدنى من كوادرها البشرية، وهو أمر يحد من قدرتها على القيام بدورها على النحو الأكمل كمنابر للتعبير عن الرأي أو كأدوات للرقابة على الحكومة.
هذه الشواهد تعني أن قضية حقوق الإنسان تقع في قلب الحديث عن الأزمة الوجودية التي يواجهها العالم حالياً بفعل تفشي وباء فيروس كورونا. والمشكلة تكمن في توظيف هذا الوباء من قبل جهات معينة لتحقيق أهداف سياسية، سواء كانت نظماً حاكمة أو قوى سياسية، وهذا الأمر لا يجوز من الناحية الأخلاقية، فاحترام حقوق الإنسان قضية أساسية، ولكن لا يجب استغلالها لتحقيق أهداف خاصة، والحديث ينبغي أن يكون حول الأولوية القصوى لمواجهة هذا التحدي الخطير دون تأثيرات سلبية على حقوق الإنسان.

الرقابة الرقمية
أثارت قضية الرقابة الرقمية لمكافحة وباء فيروس كورونا المستجد جدلاً خاصاً فيما يتصل بقضية حقوق الإنسان، وفي هذا الصدد، وقّعت أكثر من 100 مجموعة من منظمات المجتمع المدني على بيان مشترك يحدد الشروط التي يجب استيفاؤها قبل استخدام تكنولوجيا الرقابة الرقمية. وقالت رشا عبدالرحيم، نائبة مديرة برنامج التكنولوجيا في منظمة العفو الدولية: «يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دوراً مهماً في الجهد العالمي لمكافحة وباء كورونا، ولكن هذا لا يمنح الحكومات تفويضاً مطلقاً لتوسيع عملية الرقابة الرقمية». وأردف البيان قائلاً إنه لا يمكن استخدام الرقابة الرقمية المتزايدة للتعامل مع حالة الطوارئ الصحية العامة هذه إلا في حالة استيفاء بعض الشروط الصارمة. ولا يمكن للسلطات ببساطة أن تتجاهل الحق في الخصوصية، ويتعين عليها ضمان أن أي إجراءات جديدة لا بد أن تشمل ضمانات قوية لحقوق الإنسان، كما أكد البيان، الذي شدد على أنه أينما تستخدم الحكومات قوة التكنولوجيا كجزء من استراتيجيتها للتغلب على وباء كورونا، يجب أن تفعل ذلك بطريقة تحترم فيها حقوق الإنسان.

ويؤكد كثير من المحللين أن الحق في الحصول على المعلومات، وما يعنيه ذلك من تكريس الشفافية أمر مهم للغاية لمكافحة وباء كورونا المستجد (كوفيد – 19)، وهو أمر لا يمكن تصوره في ظل كبت حرية التعبير، وهم يشيرون في هذا الصدد إلى أنه في 30 ديسمبر 2019، حذر طبيب العيون الصيني «لي وينلينانغ» الذي كان يعمل في مستشفى ووهان المركزي، من فيروس كورونا، وأخبر زملاءه عبر موقع «ويبو» الإلكتروني الصيني بوجود فيروس جديد معدٍ ينتقل بسرعة كبيرة، وطلب منهم أخذ الحيطة عند التعامل مع المرضى، إلا أن «وينلينانغ» فوجئ بحضور قادة من الشرطة أمروه بالتزام الصمت وعدم التحدث بشأن الموضوع. وتقول المعلومات المتاحة إن «وينلينانغ» الذي توفي لاحقاً بعد إصابته بفيروس كورونا الذي اكتشفه بنفسه، لم يكن الوحيد الذي أسكتت السلطات الصينية صوته في بدايات انتشار الفيروس، إذ حققت السلطات مع 8 أشخاص آخرين تداولوا معلومات حول الفيروس الجديد عبر منصات التواصل الاجتماعي الصينية بذريعة نشر الشائعات والإخلال بالنظام العام للدولة.

ولا شك أن هذه الواقعة التي تضمنت حجراً على الحق في الحصول على المعلومات، والتي حالت دون إمكانية تطويق الفيروس في مراحله الأولى، تؤكد أن مراعاة حماية حقوق الإنسان، وفضلاً عن أنها قضية أساسية، يمكن أن تقوم بدور كبير في الجهود الخاصة بمكافحة الوباء.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات