حفل تنصيب استثنائي للرئيس الأمريكي الـ 46

  • 19 يناير 2021

مع حلول موعد تنصيب جو بايدن الرئيس الأمريكي المنتخب رئيسًا للولايات المتحدة غدًا الأربعاء تبدو العاصمة الأمريكية واشنطن أشبه بثكنة عسكرية؛ في ظل مخاوف حقيقية من حدوث اضطرابات وحتى تفجيرات أو هجمات مسلحة.

يحظى حفل تنصيب الرئيس الجديد باهتمام بالغ في الولايات المتحدة؛ فهو ليس مجرد عملية بروتوكولية لتولي الرئيس مقاليد الحكم أو أداء القسم، وإنما هو تقليد يرمز إلى الانتقال السلمي للسلطة من رئيس سابق لرئيس جديد.

وقد شهد تاريخ حفلات التنصيب تغييرات عديدة؛ من حيث المكان والزمان والخطب وحضور الرؤساء؛ فقد أقيم أول حفل تنصيب في نيويورك عام 1789، والثاني في فيلادلفيا عام 1793، وكلاهما لجورج واشنطن أول رئيس أمريكي بعد الاستقلال، ثم انتقل بعد ذلك إلى واشنطن عام 1801؛ حيث تقام مراسيم التقليد بشكل طبيعي على سلم الكونغرس. ولكن العملية هذه المرة ستكون مختلفة جدًّا عن سابقاتها؛ فهي تأتي في ظل:

أولًا، توتر ربما يكون غير مسبوق في التاريخ الأمريكي؛ بعد اقتحام الكونغرس من قبل أنصار دونالد ترامب الرئيس المنتهية ولايته؛ الذي رفض نتائج الانتخابات وعدَّها مزورة؛ وهناك تهديدات من قبل جماعات يمينية متطرفة بتنظيم مظاهرات عنيفة على خلفية محاكمة ترامب؛ وحذر مكتب التحقيقات الفيدرالي من احتجاجات مسلحة يجري التخطيط لها في واشنطن وولايات أخرى، خاصة بعد أن دعت مواقع موالية لترامب إلى تطويق البيت الأبيض والكونغرس حتى لو تطلب الأمر حمل السلاح، بل تحدثت مصادر أمنية عن وجود مخططات لاغتيال جو بايدن الرئيس المنتخب؛ ولذلك فقد تراجع عن خططه للتوجه إلى العاصمة لحفل التنصيب بقطار، بسبب مخاوف أمنية.

ثانيًا، مساعٍ غير مسبوقة أيضًا لمحاكمة الرئيس ترامب بتهمة تحريضه على التمرد؛ حيث جرى توجيه التهم له رسميًّا في مجلس النواب، بعد أن صوّت لإدانته 232 مشرّعًا بينهم عشرة جمهوريين؛ ليكون بذلك أول رئيس أمريكي يحاكَم مرتين خلال ولايته، وأول رئيس أيضًا توجه له هذه التهمة؛ حيث سيبتُّ مجلس الشيوخ هذا الأسبوع وربما بعد تنصيب بايدن في التهم الموجهة إليه، ولا يُستبعد إدانته في ظل تأييد العديد من المشرعين الجمهوريين لذلك؛ حيث أعلن أعضاء بارزون بينهم ميتش ماكونيل زعيم الجمهوريين بالمجلس والمقرب جدًّا من ترامب، أن الرئيس ارتكب أفعالًا توجب محاكمته.

ثالثًا، ظروف استثنائية أيضًا فرضتها جائحة «كورونا»؛ حيث تعد الولايات المتحدة أكبر متضرر منها، سواء فيما يتعلق بعدد الإصابات التي تجاوزت 23 مليونًا، والوفيات التي تقترب من 400 ألف وفاة؛ ولهذا تتطلب المراسم إجراءات مختلفة أيضًا؛ وحتى الآن لا يعرف كيف ستجري عملية التنصيب؛ حيث قال بايدن نفسه «أعتقد أننا سنشهد احتفالًا على المنصة، لكنني لا أعلم بالضبط كيف سيحدث الأمر؛ المهم هو الحفاظ على سلامة الناس»؛ ولهذا قد يؤدي الرئيس الجديد وكامالا هاريس نائبته اليمين القانونية على سلم مبنى الكونغرس؛ لكن احتفالات التنصيب ستكون افتراضية بشكل كبير.

كل هذه المعطيات تجعل من تنصيب الرئيس الـ46 للولايات المتحدة، مختلف كليًّا عن كل المراسم التي تمت من قبل؛ ولهذا فقد فرضت استعدادات مختلفة، وتطلبت اتخاذ إجراءات بالفعل غير مسبوقة؛ حيث نُشر نحو 25 ألفًا من الحرس الوطني؛ وهو عدد يفوق تلك الموجودة في العراق وسوريا وأفغانستان؛ فضلًا عن آلاف العناصر والأجهزة الأمنية الأخرى؛ ولهذا تبدو واشنطن ثكنة عسكرية، ومنطقة شبه مغلقة. ويبقى السؤال المهم إذا ما كانت كل هذه الإجراءات ستضمن تنصيبًا آمنًا أو لا.

من الواضح أن هناك حرصًا من كل الأطراف بما فيها البيت الأبيض على ضمان انتقال سلس وآمن للسلطة؛ وقد أكد مايك بنس نائب الرئيس الذي اتصل لأول مرة بكامالا هاريس نائبة الرئيس المنتخبة لبحث الاستعدادات التي تضمن هذا؛ بينما تحدثت مصادر إعلامية عن أن الرئيس ترامب الذي أعلن أنه لن يحضر حفل التنصيب، سيتوجه إلى فلوريدا، بعد أن يتخذ ربما آخر قراراته والخاصة بالعفو عن شخصيات مقربة منه؛ قبل أن يُصبح الرئيس السابق، بانتظار استكمال إجراءات محاكمته التي وإن لم يُدن فيها، ستكون «وصمة عار» تُلوث تاريخه.

Share