حفلة رمزية… وآمال متواضعة

د. بشارة نصار شربل : حفلة رمزية... وآمال متواضعة

  • 24 نوفمبر 2009

تشكل حفلة الاستقبال التي نظمَّها السفير اللبناني في دمشق في منزله بمناسبة عيد استقلال بلاده، خطوة إضافية على طريق الألف ميل الذي تقطعه العلاقات اللبنانية-السورية.

ولا تقلل رمزية الحفلة التي أقيمت في 22 تشرين الثاني/نوفمبر في عاصمة الأمويين من أهميتها. فللمرة الأولى منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في العام الجاري بين البلدين يحصل احتفال يستكمل اعتراف دمشق بلبنان بلداً مستقلاً بعد 66 عاماً من نيله استقلاله من الانتداب الفرنسي، وأربعة أعوام من انسحاب الجيش السوري ووصايته من الأراضي اللبنانية. وهو أمر يتجاوز رمزية الحدث "المحلي" إلى تجسيد حق متضمن في القانون الدولي، وسيستحيل لاحقاً النكوص عنه مهما تغيرت الظروف السياسية بين البلدين الجارين، أو الشقيقين، حسب التعبير المتداول.

لا أوهام مبالغاً فيها لدى اللبنانيين في قدرة السفارة اللبنانية في دمشق أو السفارة السورية في بيروت على إرساء علاقات دبلوماسية وسياسية عادية بين بلدين عربيين تربطهما وشائج التاريخ ووقائع الجغرافيا؛ فسورية لم "تمنح" لبنان هدية التبادل الدبلوماسي إلا نتيجة الضغط الدولي الذي مورس عليها في السنوات الأخيرة، ووقت كانت محاصرة ومضطرة لمقايضة ورقة من الأوراق التي تحملها في الملفات الإقليمية.

وهنا لا بد من تسجيل مفارقة، ففرنسا التي حصل اللبنانيون على استقلالهم الأول عنها في العام 1943، كانت صاحبة الفضل في مواكبة "الاستقلال الثاني" الذي أعلنوا ولادته في "ثورة الأرز" التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري في 2005، وصاحبة الدور الأبرز في تتويج الاستقلال بالضغط المباشر على دمشق لإقرار التمثيل الدبلوماسي ورفع العلم البناني على مبنى سفارة لبنان في دمشق عام 2009.

لا أحد في لبنان يتوقع تسارع الخطى في اتجاه استكمال مقومات العلاقات الدبلوماسية بين بلدين مستقلين. وهي مقومات تتطلب في الواقع مقاربة جدية لمجموعة ملفات أساسية، لكنها تحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى نوايا صادقة، ثم إلى توافر ظروف سياسية لبنانية داخلية موائمة، وأوضاع إقليمية تجنح نحو السلم، وإرادة دولية ثابتة تحصن الاستقلال اللبناني وتمنع الارتدادات والانتكاسات.
لا يستطيع المراقب للسياسات السورية على مدى العقود الأربعة الماضية إلا الاعتراف بقدرة دمشق على تجميع الأوراق والتمسك بها، وعدم إفلات أي منها إلا بعد الحصول على ثمن مناسب. فلا هدايا في سياستها ولا عواطف تدفعها إلى مبادرات مجانية تجاه أي كان. وهو نهج ثابت أثبت جدواه في حسابات دمشق الباردة، وتعوّد الإقليم عليه مثلما أصبحت الولايات المتحدة والدول الغربية تتعاطى معه بواقعية مفرطة.

من هذا المنطلق لا يُتوقع أن يدفع الوضع المريح الذي يعيشه النظام السوري في الوقت الحالي إلى مزيد من الخطوات تجاه لبنان. فعدا عن أن سورية لم تستوعب نفسيا خروجها من حديقتها الخلفية قبل أربعة أعوام، ولم تقر على المستوى العقائدي بحق جارها الصغير في التمتع بسياسة مستقلة يمارسها أهله، فإنها اليوم تعيش حالة زهو سياسي تتمثل في نجاحها في فك الحصار الذي كاد يحكم حولها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق واغتيال الحريري وتشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة قتلته وإشارة التحقيقات الأولية إليها بأصبع الاتهام. ودمشق اليوم عائدة بقوة للعب دور الدولة الإقليمية الأساسية، خصوصاً بعدما نسجت علاقات استثنائية مع تركيا لم تؤثر على تحالفها الاستراتيجي مع إيران، وبعدما تكرست مصالحتها مع المملكة العربية السعودية بزيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لدمشق، واضعاً وراء ظهره وصف الرئيس بشار الأسد للزعماء العرب، عقب حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل و"حزب الله"، بأنهم "أشباه رجال".

من حق دمشق أن تفتخر بنجاح سياستها إزاء لبنان، وبقدرتها على الحد من "الأضرار" التي لحقت بنفوذها الواسع فيه. صحيح أنها ليست عائدة بجيشها إلى بيروت أو البقاع، ولا هي قادرة على تحريك السلطة اللبنانية وضبط نزاعات أهلها بواسطة ضابط ارتباط، لكنها راهنت على الوقت وعلى حليفها "حزب الله" لتوجيه ضربات متتالية للقوى التي حملت مشروع إخراجها من لبنان، واستعادة السيادة اللبنانية مقدمة لاستعادة الدولة وجودها وتكريس مفهوم الوطن بدل الساحة المفتوحة. وها هي اليوم تقطف ثمار ما عملت عليه بدأب وإصرار على الرغم من الظروف الصعبة التي عاشتها ووقوفها في عين الإعصار الدولي. فحلفاؤها تمكنوا عبر "الثورة المضادة" التي أطلقوها في وجه "انتفاضة الاستقلال" من منع تحقيق أهداف خصومها عبر أحداث متتالية في السياسة والشارع على السواء. فاستقالوا من حكومة "الوحدة الوطنية" في العام 2005 بعدما كانوا خسروا الانتخابات النيابية، ثم أقفل حليف دمشق رئيس مجلس النواب البرلمان، وخاض "حزب الله" حرب تموز/يوليو ضد إسرائيل باستقلال كامل عن إرادة الدولة اللبنانية لينزل بعدها إلى وسط بيروت معتصماً ضد حكومة الأكثرية، وليتوج اعتصامه باجتياح العاصمة اللبنانية عسكرياً في "7 أيار/مايو" 2008 بعدما عطل انتخاب رئيس للجمهورية ستة أشهر.

شكل "اتفاق الدوحة" الذي أعقب احتلال بيروت انتصاراً مباشرا لـ "حزب الله"، لكنه يُعد إنجازاً سياسيا لدمشق كونه أتى برئيس للجمهورية لها علاقات وثيقة به، وأرسى قواعد جديدة للعمل السياسي في لبنان تتمتع فيها الأقلية بحق النقض وتمنع الأكثرية من ممارسة حقها في السلطة. وهو الاتفاق الذي نشهد استمرار مفاعيله اليوم عبر حكومة الرئيس سعد الحريري. فالأكثرية التي عاودت الانتصار في انتخابات 2009 وجدت نفسها عاجزة عن الحكم ومضطرة إلى القبول بمعادلة "توأمة الديمقراطية مع السلاح". والرئيس سعد الحريري بات قاب قوسين أو أدنى من زيارة "تاريخية" لدمشق، لن ترى فيها العاصمة السورية مجرد زيارة من رئيس حكومة لبنان إلى بلد جار، بل إقراراً بهزيمة "القوى السيادية" التي خاصمتها على مدى أربع سنوات، وتنازلاً عن الحق الشخصي في مسألة "الاغتيال"، واعترافاً بالعجز عن حل مشكلة سلاح "حزب الله" أو منع تزويده بالسلاح عبر دمشق، وبالتالي الفشل في تحييد لبنان عن مفاعيل الصراع الإقليمي وملف إيران النووي.

ضمن هذه الأجواء يصعب الاقتناع بأن ما يتحدث عنه الرئيس ميشال سليمان من خطوات سورية لترسيم الحدود مع لبنان، في متناول اليد، مثلما يصعب الاقتناع بأن دمشق مقبلة على تنفيذ ما أقرته "طاولة الحوار" اللبناني بالإجماع والمتعلق بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، والذي هو فعلياً بإمرة سورية. وسيغيب بالتأكيد في خضم هذا الانتعاش الذي تعيشه السياسة السورية في لبنان، والنقاط التي يحققها حلفاؤها بالتوازي مع تفكك قوى "14 آذار"، البحث في ملفات معقدة أيضاً مثل الاتفاقات الثنائية التي أبرمت زمن الوصاية، أو ملف المعتقلين في السجون السورية الراقد في عهدة الرئيس سليمان.

ليس المقصود رسم أجواء تشاؤمية لمستقبل العلاقات اللبنانية-السورية، ولا أحد إلا ويتمنى أن تسير في الاتجاه الطبيعي لعلاقات دولتين مستقلتين تتعاملان بندية. لكن أهم مقومات السيادة هي الحدود المرسَّمة المعترف بها دولياً، والدولة صاحبة قرار السلم والحرب والمحتكرة للسلاح. وهما شرطان لن يتوافرا للبنان إلا بقرار سوري يبدو حتى الآن صعب المنال في ظل نظرة سورية الى الصراع مع إسرائيل وحلفها الإقليمي مع طهران وعجز اللبنانيين عن التوافق على دور لبنان في هذا الصراع، وهو ما يسمونه في لبنان "استراتيجية دفاع"، هي فعلياً مصير سلاح "حزب الله"، ومصير الحالة الفريدة من نوعها في العالم التي تقوم فيها دولة برؤوس متعددة وبجيشين أحدهما مرجعيته طهران.

Share