حصيلة ملتبسة لمكافحة الإرهاب

  • 31 أغسطس 2010

الانسحاب الأمريكي الذي بدأ في العراق، وقد يبدأ بعد سنة في أفغانستان، يثير جدلاً وخلافات واستغلالات سياسية في واشنطن بمقدار ما يثير القلق والمخاوف في بغداد وكابول كما في العواصم المختلفة. والسبب الواضح أن النهاية المرتقبة لـ"الانتصارات" لا تعبر إطلاقاً عن بداياتها، فهناك في الولايات المتحدة من يستشعر في هذه الانسحابات شيئاً من التراجع والضمور لـ"عظمة أمريكا" وهيمنتها، في مقابل من يرون فيها خطوات واقعية لابد منها؛ إذ إن "الحرب على الإرهاب" حققت ما استطاعته من أهداف، واستهلكت كثيراً من الأكلاف، أما الأهداف المتبقية، وهي أساسية وجوهرية، فيتوقف تحقيقها على الأفغان والعراقيين، وهؤلاء لن يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم طالما أنهم يركنون إلى وجود قوة خارجية تدعم الحكم القائم، أو الذي نصّبته، بالمال والسلاح.

كانت الذريعة والغاية من تلك الحرب القضاء على بؤرة الإرهاب. ويبدو جلياً اليوم أن ما تحقق ربما كان كافياً للقول إن أمريكا أصبحت أكثر أمناً، وكذلك أوروبا، لكن مع كثير من اليقظة والحذر والاستنفار. أما "الإرهاب" نفسه فمن الواضح أنه وجد أساليب كثيرة للتكيف مع محارباته المتعددة، ولترسيخ الظاهرة التي باتت تجمع بين نقيضين: العيش في ظروف حياتية قاسية، والسباحة في الفضاء الإلكتروني وتيارات الشبكة العنكبوتية. وهي هذه الظاهرة التي استطاعت أن تفرض حرباً مفتوحة ومنتشرة جغرافياً، حتى إن الدول الكبرى تضعها في رأس قائمة الاستراتيجيات والتحديات المقبلة.

كثرت في الآونة الأخيرة التقييمات لنتائج المواجهة مع الإرهاب وحصيلتها، ولوحظ أن مناخاً من الشك والإحباط يسود تلك التقييمات. يعود ذلك خصوصاً إلى سلسلة معطيات: (1) مرور الوضع الأفغاني بمرحلة غامضة وعدم اتضاح "الاستراتيجية الجديدة"، فضلاً عن تأخر جاهزية القوات الأمريكية وعودة حركة "طالبان" إلى تنفيذ عمليات في مناطق لم تعد نظرياً في إطار نفوذها. (2) على الرغم من الضربات الموجعة التي أُنزلت بتنظيم "القاعدة" في العراق، بقتل أو اعتقال العديد من قادته المعروفين، فإن عمليات التفجير التي أعادت البلد إلى مناخات عامي 2006 و2007 دلّت إلى أن مطاردي "القاعدة" لم يعرفوها بعد، ولا تمكنوا من محاصرتها. (3) يتعاظم القلق أكثر فأكثر من ترسخ بنية "القاعدة" في ثلاث محافظات يمنية. وكان خروج الشاب النيجيري عمر الفاروق من اليمن بمهمة محددة، هي تفجير طائرة أمريكية يوم عيد الميلاد الماضي، قد أعاد عواصم الغرب إلى هواجس الأعوام الصعبة التي ظنت أنها تجاوزتها. وفي الأيام الأخيرة برزت أمام الخبراء الصعوبات اليمنية المشابهة لتلك التي صادفتها الحملة على الإرهاب في باكستان. (4) تحول الصومال إلى أفغانستان ثانية بكامل المواصفات في غياب أي دولة أو حكومة يمكن الاعتماد عليها. كما أن "القاعدة" متمثلة بـ"حركة الشباب" و"الحزب الإسلامي" لم تتردد في شن هجوم انتقامي في العاصمة الأوغندية كمبالا، فيما تستعد لإسقاط " الحكومة" الحالية والاستئثار بالحكم تمهيداً لإقامة "إمارة إسلامية". (5) صعدت فيضانات باكستان مخاطر تفكك الدولة واحتمالات استغلال "طالبان- باكستان" ظروف الكارثة الإنسانية. (6) نجاح "القاعدة في المغرب العربي" في تحديد رقعة جغرافية بين مالي وموريتانيا والجزائر كمجال حيوي لنشاطها ومعسكراتها، فضلاً عن حصدها تمويلاً كبيراً من سلسلة عمليات خطف لمواطنين أوروبيين.

واشنطن، لندن، موسكو، باريس وبرلين، وغيرها من العواصم المعنية وجدت نفسها مدعوة إلى التأكيد، على نحو شبه يومي، أنها ملتزمة الاستمرار في محاربة الإرهاب. كما أن حلف الأطلسي أعاد ويعيد مراراً تقييم استراتيجيته المرتكزة على هذا الهدف للسنوات العشر المقبلة، فيما لا تبدو الصورة مرضية بعد العشر الماضية. وعلى الرغم من التقليل من أهمية الوثائق التي نشرها موقع "ويكيليكس" فإنها ساهمت في إشاعة انطباع فضائحي من دون أن يعطي في المقابل إشارات إلى أن تقدماً قد حصل يمكن البناء عليه.

ففي بلد قليل الموارد مثل أفغانستان كان من الطبيعي أن يكون المال الأمريكي عصب العمل العسكري والسياسي والاقتصادي، لكن واشنطن وجدت نفسها متورطة في تمويل الفساد ورعايته والاعتماد على شخوصه المحلية. وعلى الرغم من وجود توصيات عدة من أطراف تحالف "إيساف" بضرورة تفعيل العمل التنموي في المناطق كافة لتواكب الجهد العسكري- السياسي، فإن الاعتماد على العصب الأمني وحده هو الذي ساد في الفترة السابقة، إذ كان مقياس النجاح يتمثل في عدد من يمكن قتلهم من قادة "طالبان" وعناصرها. ومع أن هذا القتل لم يغير شيئاً جوهرياً في الوضع، إلا أنه لا يزال أولوية، خلافاً لهدف آخر معلن هو جلب الإرهابيين لمواجهة القضاء، وبالتالي فرض نمط حقوقي قانوني على جماعات استندت دائماً إلى الفوضى وإلى غياب الدولة وإلى قوانينها الخاصة لاستمداد "شرعية" لأنشطتها. هذه أيضاً بدت من التحديات الخاسرة، لأن اجتثاث الإرهاب اقترن دائماً بفكرة تغيير البيئة التي نشأ فيها، وهي بيئة عانت لزمن طويل انعدام القانون ومفاهيم العدالة واختلال التوازن الاجتماعي.

حتى في المجال الأمني البحت لم يتأكد للقوى الغربية أن القبضة الحديد فعلت فعلها؛ إذ لم تستطع إنهاء ظاهرة الإرهاب في أي مكان، وحيثما سجل هدوء مستقر يبقى الخوف من "الخلايا النائمة". وبطبيعة الحال كانت قدرة الجماعات على استيلاد قياداتها وتعويض خسائرها صادمة ومذهلة للأجهزة المعنية، فرغم انكفاء "الرموز التاريخية" في جبال باكستان وأفغانستان، ظلت "الخلايا العنقودية"، كما تسمى، تعمل وتستنبط سبل بقائها وحيويتها.

أما الأمر الذي أعيد اكتشافه أخيراً، مع أنه كان معروفاً منذ أعوام، فهو أن السجون التي استقبلت مئات الألوف من المتطرفين ما لبثت أن خرجت كوادر عاملة أكثر حقداً وتصميماً. هناك بضع عشرات من الذين أطلقوا من جوانتانامو عادوا إلى عملهم السابق، وهناك عشرات مثلهم تخشى السلطات البريطانية الإفراج عنهم لأنها تعلم مسبقاً أنهم قبل سجنهم لم يكونوا فاعلين بدليل أنها لم تجد اتهامات محددة توجهها إليهم وتحاكمهم على أساسها؛ لذا استبقتهم لمجرد أنهم مشتبهون يتحركون في وسط مشتبه، وكانوا قريبين من أشخاص اتهموا وحوكموا بعدما اعتقلوا وهم على وشك تنفيذ عمليات، لكنهم إذا خرجوا الآن من السجون فمن الأرجح أن يبادروا إلى ارتكاب جرائم إرهابية، بعدما أصبحوا أكثر تطرفاً بفعل نقمتهم على احتجازهم من دون مبررات أمنية كافية.

وتتوازى مع هذه الظاهرة مخاوف أكثر جدية من حقيقة باتت مؤكدة بالنسبة إلى الأجهزة، وهي أن القاعدة وأخواتها باتت تعتمد أكثر فأكثر على عناصر شابة محلية في البلدان الغربية ومن الذين ولدوا وترعرعوا وتعلموا فيها وانخرطوا في تقاليد حياتها. صحيحٌ أن لهذا المعطى جانباً إيجابياً يتمثل في نجاح أسلوب سد الأبواب أمام إرهابيين قادمين من الخارج، إلا أنه يعني صراعاً حاداً على المستوى الداخلي بما يفترضه من إجراءات استثنائية للحيطة، ومن دواع غير محبذة للشك الذي يبلغ معظم الأحيان حد التمييز الذي يمكن وصفه بالعنصري.

إزاء كل هذه الاستنتاجات، بل رغم بروز مخاطرها لا تزال هناك شكوى من عدم فاعلية التنسيق الأمني، وبالأخص من عدم وجود رؤية واحدة، وهذا ما أشارت إليه ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية في خطاب نادر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوليو/ تموز الماضي. وأخطر ما في هذه الشكوى أنها تكشف أمرين: الأول أن هناك تنافساً على من يحرز النصر على الإرهاب رغم إدراك أن طبيعته تشكل خطراً مشتركاً يهدد الجميع. والثاني أن الجهود غير المنسقة تترك ثغرات يهتدي إليها الإرهابيون وينفذون منها لارتكاب جرائمهم.

Share