حصار غزة وجرائم الحرب الإسرائيلية

فتوح هيكل: حصار غزة وجرائم الحرب الإسرائيلية

  • 22 يناير 2008

تعرض قطاع غزة منذ أيام لحصار مشدد من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي كاد ينذر بحدوث كارثة إنسانية لأكثر من مليون ونصف المليون شخص يعيشون داخله، بدعوى "ردع حركة حماس وإجبارها على وقف إطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية"؛ حيث قامت إسرائيل بإغلاق جميع المعابر الحدودية مع القطاع، وأوقفت إمدادات الوقود التي يتم تزويده بها، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن معظم مناطقه، وإصابة معظم مظاهر الحياة بحالة من الشلل، كما تم تخفيض إمدادات الغذاء والأدوية ومنع دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، بشكل جعل البعض يصف ما يتعرض له فلسطينيو القطاع بأنه "جريمة إبادة واضحة المعالم"، ودفع الجامعة العربية إلى إعلان قطاع غزة "منطقة منكوبة"!!

وترافق هذا الحصار المحكم الذي تم فرضه على القطاع مع تصعيد إسرائيل لعملياتها العسكرية ضد سكانه، والتي أودت خلال بضعة أيام بحياة نحو 40 شهيداً فلسطينياً، وأوقعت عشرات الجرحى كما تسببت هذه العمليات العسكرية في تدمير البنية التحتية للقطاع، في الوقت الذي طالب فيه بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية بفرض مزيد من الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة على نحو "يضمن ردعاً إسرائيلياً حقيقياً في مواجهة حماس بأي ثمن حتى ولو بثمن باهظ يدفعه المدنيون"، على حد تعبير وزير الأمن الداخلي آفي ديختر. كما أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية عن اتجاه الاحتلال الإسرائيلي إلى توسيع عملياته العسكرية ضد القطاع من خلال استهداف قادة حماس أو حتى القيام بهجوم بري واسع على القطاع لإسقاط حكومة حماس ووقف صواريخ القسام.

وقد تعددت الأسباب التي قدمت لتفسير سبب هذه الهجمة القمعية الإسرائيلية على قطاع غزة والتي جاءت بعد أيام قليلة من زيارة بوش؛ فهناك من فسر العدوان الإسرائيلي على غزة بأن هدفه الحقيقي التراجع عن الاتفاق الذي تم مع الجانب الفلسطيني لبدء مفاوضات الوضع النهائي، وهذا قد يكون صحيحاً بالنظر إلى خوف إيهود أولمرت من انهيار الائتلاف الحكومي، لاسيما بعد أن هددت الأحزاب اليمينية المتطرفة بالانسحاب من الحكومة إذا قررت الأخيرة المضي قدماً في هذه المفاوضات. وهناك من فسر هذا العدوان بوجود ضوء أخضر أمريكي منحه بوش لأولمرت خلال زيارته لإسرائيل للتخلص من حكومة حماس، وثمة من أرجعه إلى رغبة الحكومة الإسرائيلية في قطع الطريق على أية محاولات للتقارب بين حركتي فتح وحماس، وإرغام سكان قطاع غزة على الانقلاب على حكومة حماس، وهو ما أعلنه أولمرت بوضوح قائلاً: "إن رسالة إسرائيل إلى سكان القطاع هي أن السلطة التي انتخبوها لتحكمهم هي المسؤولة عن أوضاعهم الصعبة، وعليهم التحرك لإسقاط حماس عن الحكم"!!.

وأياً كان السبب الذي دفع إسرائيل للقيام بفرض هذا الحصار المحكم، الذي تم الإعلان يوم 21 يناير/كانون الثاني الحالي (2007) عن تخفيفه جزئياً عبر السماح بإدخال كمية من الوقود والأدوية إلى القطاع، فإن ما حدث يعتبر بلا شك انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، يرقى إلى الحد الذي يمكن وصفه بأنه يمثل "جريمة حرب" تستدعي ملاحقة ومعاقبة مرتكبيها؛ فهذه الممارسات تعد شكلاً متعدد الأوجه من أشكال العقاب الجماعي ضد سكان القطاع برمته وليست موجهة ضد عدد محدود من الأشخاص. ومن المعروف أن إيقاع العقوبات الجماعية يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، لاسيما قواعد حماية المدنيين التي تفرضها اتفاقية جنيف الرابعة (المواد 33، 146، و147).

 كما أن تجويع شعب بأكمله ومنع الغذاء والدواء عنه يشكل "جريمة إبادة" كاملة الأركان، وهي تنتهك بشكل واضح المادة 55 من اتفاقية جنيف للعام 1949، والتي تنص على أن "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا ما كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية. ولا يجوز لدولة الاحتلال أن تستولي على أغذية أو إمدادات أو مهمات طبية مما هو موجود في الأراضي المحتلة، وعليها أن تراعي احتياجات السكان المدنيين"، غير أن إسرائيل لم تلتزم فقط بهذه الاتفاقية بل قامت بعكس ما تطالب به عبر سياسات التجويع التي اتبعتها ضد "الغزيين". وتدخل كثيراً من الممارسات الإسرائيلية السابقة ضمن قائمة الجرائم ضد الإنسانية التي حددها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما) والتي تشمل: القتل العمد؛ الإبادة؛ والسجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي؛ والتعذيب.

كما تدخل بعض هذه الممارسات ضمن قائمة جرائم الحرب التي تضمنها نظام روما الأساسي، والتي تشمل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ومن بينها إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك، وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم تلك أو ضد منشآت مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية، ومهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت، وتعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الإغاثية./n /n ولا تعد هذه الممارسات الإسرائيلية ضد قطاع غزة أمراً جديداً؛ حيث تقوم إسرائيل منذ قيام حركة حماس بتشكيل الحكومة الفلسطينية، عبر انتخابات حرة أشاد الجميع بنزاهتها، بفرض حصار شامل على القطاع بهدف إفشال حكومة حماس وإسقاطها، وفي سبتمبر أيلول من العام الماضي (2007) تبنت الحكومة الإسرائيلية قراراً اعتبرت بموجبه قطاع غزة "كياناً معادياً"، واتخذت على ضوء ذلك مجموعة من الإجراءات التي شددت بموجبها من حالة الحصار المفروضة على القطاع. غير أن هذه الإجراءات الأخيرة التي لجأت إليها السلطات الإسرائيلية فاقت في شدتها الحدود المتعارف عليها، وأثرت بشكل كبير على الوضع الإنساني في قطاع غزة، الذي عبر المتحدث باسم "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" التابعة للأمم المتحدة عن مدى مأساويته بالقول: "إن الفلسطينيين لا يجدون الإسمنت لبناء القبور، والمستشفيات توزع الأغطية لعدم توافر أعداد كافية من الأكفان"!!.

وللتنصل من مسؤوليتها عن هذا الوضع المأساوي في القطاع، تزعم إسرائيل أنها لم تعد قوة احتلال منذ أن انسحبت من القطاع في سبتمبر/أيلول 2005، وبالتالي فإن مسؤوليتها عن سلامة واحتياجات سكانه الإنسانية لم تعد قائمة، غير أن هذا المبرر لا يستند إلى أية أسس قانونية أو موضوعية؛ فإسرائيل مازالت حتى هذه اللحظة تفرض سيطرتها الفعلية على القطاع من خلال التحكم في معابره وحدوده ومجاله الجوي ومياهه الإقليمية، كما أن قواتها تقوم بين فترة وأخرى بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة على أراضيه، وعليه فإن حالة الاحتلال الإسرائيلي مازالت قائمة، وهو ما يفرض على الدولة العبرية ضرورة مراعاة الواجبات التي يفرضها عليها القانون الدولي الإنساني كدولة احتلال، وإيقاف جرائم الحرب المستمرة التي ترتكبها بحق الفلسطينيين.

وقد يكون غريباً أن تلجأ إسرائيل إلى اتباع هذه الممارسات القمعية غير المشروعة ضد سكان غزة بالتزامن مع توقيت انطلاق مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين، وبعد أيام قليلة من جولة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" إلى الشرق الأوسط، والتي كان الهدف منها، كما هو معلن، دفع جهود عملية التسوية السلمية. غير أن هذا الاستغراب لن يجد مكاناً له إذا أدركنا حقيقة أن إسرائيل لا تريد السلام، وتلك حقيقة تؤكدها التطورات المختلفة؛ فبعد ظهور أية مؤشرات إيجابية على قرب التوصل إلى تسوية سلمية تفاجئنا الدولة العبرية بممارسات تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، ظهر هذا بعد طرح مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، والتي ردت عليها إسرائيل بعدوان واسع على الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وحصل أيضاً بعد مؤتمر أنابوليس، الذي ردت تل أبيب على نتائجه بتوسيع دائرة الاستيطان في الأراضي المحتلة، وحصل بعد جولة بوش الأخيرة واتفاق الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على البدء في المفاوضات النهائية، والذي ردت عليه إسرائيل بالعدوان الواسع على غزة!!.

ولكن الغريب حقاً هو أن يتم هذا العدوان والقمع الإسرائيلي في ظل استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، فبينما كانت تقوم إسرائيل بتلك الممارسات، كانت حماس توجه الاتهامات إلى بعض القادة في حركة فتح بالتورط في محاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية، وبدلاً من أن يتحد الفلسطينيون ويتضامنون في مواجهة هذه الهجمة الإسرائيلية، كانوا يستنزفون جهدهم في معارك جانبية وصراعات أهلية شجعت إسرائيل على المضي في هجمتها العدوانية، كما جاء التحرك العربي فاتراً ومتأخراً، واقتصر على إعلان قطاع غزة "منطقة منكوبة"، ودعوة مجلس الأمن للانعقاد وإجراء تحقيق دولي في الجرائم الإسرائيلية، وهي دعوة يدرك العرب قبل غيرهم أنها غير واقعية بسبب الفيتو الأمريكي الذي لا يتردد في التصدي لأية محاولة لإدانة الممارسات الإسرائيلية في مجلس الأمن.

ورغم تراجع إسرائيل، تحت تعاظم الضغوط الإقليمية والدولية، عن تلك العقوبات الجماعية التي فرضتها على الغزيين عبر السماح بشكل جزئي بدخول إمدادات الغذاء والوقود إلى قطاع غزة؛ فإن ذلك لا يعني أن الأزمة الإنسانية في القطاع قد انتهت وأن الجرائم الإسرائيلية قد توقفت، فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي صراحة أن هدف إسرائيل هو "جعل الحياة شاقة بالنسبة لسكان قطاع غزة" بدعوى أن لديهم "نظاماً إجرامياً إرهابياً لا يسمح لسكان جنوب إسرائيل بالعيش في سلام". ولعله لم يعد خافياً على أحد من هو النظام الإجرامي الإرهابي الحقيقي؛ فسياسات التجويع والقتل المنظم بحق الفلسطينيين واحتلال أراضيهم وفرض الحصار عليهم، هي أسوأ أشكال الإرهاب التي يجب تجريمها ومواجهتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات