حصار غزة وآفاق المستقبل

  • 30 يونيو 2010

منذ أن اكتسحت حركة حماس انتخابات المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة في يناير2006 وشكلت الحكومة الفلسطينية بمفردها، فرضت إسرائيل وحلفاؤها وأصدقاؤها حصاراً خانقاً على قطاع غزة، وازداد الحصار إحكاماً في أعقاب انفراد حماس وحدها بالسلطة في القطاع -بعيداً عن رئيس السلطة الفلسطينية المنتمي إلى فتح- كنتيجة من نتائج الصدام المأساوي المسلح الذي وقع بين قوات حماس وفتح داخل قطاع غزة في يونيو2007. وكان الغرض من فرض الحصار هو خنق حماس، ومن ثم عدم تمكينها من الوفاء باحتياجات الشعب الفلسطيني في غزة، الأمر الذي كان يتوقع معه أن يتآكل التأييد الشعبي لها ولو تدريجاً، بحيث توضع نهاية لحكمها في غزة ولتجربتها في العمل السياسي العلني المؤسسي عموماً. لكن هذا لم يحدث. بل إن ثمة تقارير تحدثت في حينه عن زيادة التأييد الشعبي لحماس وليس تآكله، خاصة على ضوء الإفلاس التام للبديل التفاوضي الذي تبنته فتح، وإذا كان قد حدث تراجع في التأييد الشعبي لحماس فقد كان مرد ذلك أساساً إلى ممارسات حماس ذاتها مع غير المنتمين لها داخل غزة، وليس الحصار الذي فرضته إسرائيل وحلفاؤها وأصدقاؤها.

في أواخر 2008 ومطلع 2009 أخذت المحاولات الإسرائيلية للقضاء على حكم حماس في غزة منحى آخر بالعدوان واسع النطاق على القطاع، لكن إسرائيل -كما حدث في عدوانها على لبنان في صيف 2006- وإن تمكنت بسبب فجوة القوة المادية الهائلة بينها وبين حماس من تكبيد القطاع خسائر فادحة في الأرواح والبنية الأساسية لم تتمكن من خلال عدوانها العسكري أيضاً من القضاء على حكم حماس التي بقيت صامدة داخل القطاع.

لكن حماس من ناحية ثانية لم تعد في الوضع الذي يمكّنها من تنفيذ برنامجها السياسي المقاوم الذي فازت بالانتخابات على أساسه، فقد أصبحت في موقع الدفاع تتحسب لعدوان إسرائيلي شامل جديد، أو لغارات جوية واسعة النطاق، أو لمحاولات اختراق بري هنا وهناك، وتعجز عن الرد على هذه الغارات والمحاولات؛ لأنها تعلم أن إسرائيل تترصد لها، وتنتظر منها أي خطأ في الحسابات تبرر به عدواناً جديداً قد لا ينهي حكم حماس، ولكنه بالتأكيد سوف يزيد من تآكل قدرتها على الأخذ بزمام المبادرة. ومن المؤكد أن قيادات حماس مشغولة الآن بتعزيز قدراتها القتالية تحسباً ليوم قادم، ولكن من المؤكد بالدرجة نفسها أن حماس قد فقدت زمام المبادرة بالمقاومة. بل أصبحت عامل تهدئة لغيرها من فصائل المقاومة في قطاع غزة، خشية أن يفسد أي عمل غير محسوب من هذه الفصائل جو التهدئة الذي تعول حماس عليه كثيراً.

كذلك وتعزيزاً للنتيجة السابقة أصبحت حماس وبسبب ابتلاعها طعم السلطة في ظل الاحتلال مشغولة بتوفير المتطلبات الأساسية للحياة اليومية للمواطن الفلسطيني من أسطوانة الغاز إلى حبة الدواء إلى ضمان تدفق التيار الكهربائي إلى توفير المأوى الآمن الكريم لمن دمرت منازلهم في عدوان 2008/2009، وقبل ذلك كله وبعده ضمان لقمة العيش لذلك المواطن. ويعني هذا كله وما سبقه من تحليل أن حماس أصبحت بعيدة كل البعد عن تنفيذ برنامجها المقاوم الذي خاضت الانتخابات وفازت بها على أساسه، وأن هذا البرنامج قد تحول من فعل ملموس إلى مجرد خطاب سياسي، وهو ما يفضي إلى عجز حماس في الوقت الراهن عن تصحيح الخلل في ميزان القوى بينها وبين المستعمر الصهيوني، وهو تصحيح لا بد منه إذا أريد للحقوق الفلسطينية -أو بعضها على الأقل- أن تعود. وبينما أدت مقاومة حماس وغيرها من الفصائل في أعقاب تفجر انتفاضة الأقصى في عام 2000 إلى إجبار إسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة في عام 2005، وتفكيك مستوطناته، في سابقة بالغة الدلالة بالنسبة لسلوك الاستيطان الإسرائيلي، فإنها -أي حماس- تجلس الآن عاجزة تماماً عن تحريك الأوضاع إلى الأفضل للأسباب السابقة.

لهذا كله أصبح مطلب رفع الحصار عن قطاع غزة أو كسره مطلباً ضرورياً. هو في الأصل والأساس مطلب ضروري لاعتبارات إنسانية غير خافية، غير أنه من ناحية ثانية مطلب لا غنى عنه من المنظور السياسي إذا أُريد للتفاعلات الصراعية الفلسطينية-الإسرائيلية أن تتحرك باتجاه الاقتراب من تلبية الحقوق الفلسطينية أو بعضها. لهذا لم يكن غريباً أن يجمع الفلسطينيون والعرب والمسلمون على "المطالبة" برفع الحصار عن قطاع غزة، وأن يسطروا هذه المطالبة في عديد من قراراتهم، لكن ميزان القوى العربي-الإسرائيلي شديد الاختلال لصالح إسرائيل والانقسام الفلسطيني والعزيمة العربية الخائرة – كلها عوامل حالت دون تحول هذه المطالبة إلى فعل قادر على رفع الحصار أو حتى التخفيف منه.

في هذه الظروف بدأت محاولات دؤوبة من قوى المجتمع المدني العالمي الرافضة للممارسات الإسرائيلية من أجل كسر الحصار على قطاع غزة بحراً وبراً في إشارة غير خافية إلى ما يمكن أن تستفيد منه القضية الفلسطينية من "عولمتها". ذلك أن العولمة كانت وبالاً على هذه القضية من جوانب معينة، كما في المطابقة بين قوى النضال التحرري الفلسطيني وقوى الإرهاب العالمي، ولكنها -أي العولمة- حملت معها آفاقاً لمساندة فاعلة من قبل القوى المذكورة. صحيح أن هذه القوى كانت مدعومة في كل مرة بعناصر عربية، لكن المقوم الأساسي لها للأسف كان عالمياً، أو لنقل من باب مزيد من تحري الدقة أن الإطار الذي انتظم الجهود الدولية لرفع الحصار عن قطاع غزة كان دولياً بالأساس.

وفي هذا السياق تكررت محاولات كسر الحصار بحراً من قبل سفن حملت مساعدات إنسانية، أو براً من قبل قوافل تجشمت مشقة الطريق من أوروبا إلى غزة كي تمد يد المساعدة لشعبها المحاصر، لكن هذه الجهود كانت تصطدم في كل مرة كما هو متوقع بتصدٍ إسرائيلي مطلق غير مستعد للسماح بأي حال بأدنى درجة من درجات نجاح هذه الجهود؛ لأن أركان الدولة العبرية يدركون جيداً مغزى كسر الحصار بهذه الطريقة بالنسبة لموقع إسرائيل من معادلة الصراع. وهكذا دارت هذه الجهود في حلقة مفرغة من الاستعداد والتحرك ثم الاصطدام بالرفض الإسرائيلي مع بعض استثناءات هنا وهناك.

لكن ما حدث بالنسبة للمحاولة الأخيرة التي جسدها "أسطول الحرية" كان مختلفاً، فقد رأت إسرائيل في هذه المرة أن تتصدى بالقوة المسلحة لجهود كسر الحصار، وكان ما كان من فضيحة دولية لإسرائيل. ولا أحد يدري حتى الآن ما إذا كان سبب هذا القرار الأحمق يعود إلى الاتجاهات بالغة التشدد للحكومة الإسرائيلية الراهنة، أم إلى فقدان أركانها أعصابهم بسبب تكرار محاولات كسر الحصار على نحو منهك، أم إلى يقين من أنهم بمنأى عن الحساب والعقاب، أم إلى رغبة في معاقبة تركيا بصفة خاصة التي كانت ترعى المحاولة الأخيرة كجزء من توجهاتها الجديدة في الشرق الأوسط عامة، وتجاه الصراع العربي-الإسرائيلي خاصة؟

لكن الحسابات الإسرائيلية خابت هذه المرة، ومع أن الدوائر الرسمية الأمريكية ثابرت على الدفاع عن كل ما تفعله إسرائيل فإن كافة حلفائها وأصدقائها -بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها- ناهيك عن الدول التي بدأت منذ فترة تضيق بالسلوك الإسرائيلي، وبصفة خاصة في أعقاب العدوان على غزة في 2008/2009 قد أجمعت على استحالة استمرار الحصار على ما هو عليه وضرورة رفعه. وهكذا اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى أن تتخذ قرارها الأخير بتخفيف الحصار المفروض على غزة، وعلى الرغم من أننا تعودنا من إسرائيل المماطلة والمناورة في تنفيذ أي قرارات تنطوي على تنازل من قبلها مهما صغر، فإن الأمر الذي لا يجب أن تخطئه العين هو أن ما حدث يتسق مع النموذج العام لتطور الصراع العربي-الإسرائيلي، والذي يشير إلى أن إسرائيل لا تقدم أي تنازل للفلسطينيين أو العرب إلا بعد إعمال القوة ضدها، سواء كانت هذه القوة عسكرية أو غير عسكرية. هكذا يمكن تفسير الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في أعقاب حربي الاستنزاف وأكتوبر1973، والانسحاب الإسرائيلي من لبنان بعد غزوها في1982 إزاء تصاعد المقاومة الوطنية والفلسطينية، والاضطرار الإسرائيلي للتوقيع على اتفاقية أوسلو1993 التي تضمنت اعترافاً بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً له في أعقاب انتفاضة الحجارة في أواخر ثمانينات القرن الماضي، والفرار الإسرائيلي عام 2000 من الشريط الجنوبي المحتل في لبنان منذ 1978 تحت وطأة ضربات المقاومة الإسلامية، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته في2005 بعد تصاعد المقاومة المسلحة لقوى الاحتلال في ذلك الوقت.

وبما أن المقاومة المسلحة تبدو مستبعدة في الظروف الراهنة نتيجة ما سبقت الإشارة إليه من ابتلاع كل من فتح وحماس طعم السلطة في ظل الاحتلال، فإن وقائع ما جرى بالنسبة لأسطول الحرية يجب أن تكون كاشفة لاستراتيجية جديدة للنضال من أجل تفعيل السعي لاسترداد الحقوق المسلوبة تقوم على المقاومة السلمية أو ما يشبه العصيان المدني مدعمة في ذلك بقوى المجتمع المدني العالمي المحبة للسلام والمناصرة للعدل، ويحتاج هذا بلورة رؤية واضحة تضع هذا الأسلوب ضمن المنظومة الاستراتيجية العامة للنضال من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية، غير أنه يحتاج قبل هذا كله إلى إرادة للمقاومة لدى الطرفين الفلسطيني والعربي، وهذه قصة أخرى.

Share