• 31 ديسمبر 2019

الإمارات في 2019.. تسامح وتعزيز للتمكين ومعانقة للفضاء واستعداد للخمسين المقبلة

واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة، في عام 2019، ريادتها العالمية في المجالات المختلفة، وحققت إنجازات علمية واقتصادية واجتماعية يُشار إليها بالبنان، جعلت منها مثالاً للتطور والازدهار والإصرار على تحقيق الطموحات الوطنية وقهر المستحيل؛ فعانقت الفضاء، وعززت تجربتها المتميزة في المشاركة السياسية وتمكين المرأة، وسجَّلت قفزات جديدة في مؤشرات التنافسية العالمية؛ كل ذلك بفضل ما حباها الله به من قيادة رشيدة، همُّها الأول هو أن يكون شعبها واحداً من أسعد شعوب العالم، وأن يكون الوطن دائماً في مقدّمة الصفوف الأولى على مختلف الصُّعد.
وما ميَّز عام 2019 إماراتياً هو أنه بدأ بمبادرة لتعزيز قيم الإنسانية التي عُرِفت بها دولة الإمارات لدى دول العالم وشعوبه، عندما أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عاماً للتسامح ليرسّخ مكانة الدولة، ويجعل منها عاصمة عالمية للتسامح، ويؤكّد قيمة التسامح، بصفتها عملاً مؤسسياً مستداماً، من خلال مجموعة من التشريعات والسياسات التي استهدفت تعميق قيم التسامح والحوار وتقبُّل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة خصوصاً لدى الأجيال الجديدة، وبما ينعكس إيجابياً على المجتمع بصورة عامة.
وشهد «عام التسامح» تركيزاً على مجموعة من المحاور في مقدّمتها تعميق قيم التسامح والانفتاح على الثقافات والشعوب في المجتمع من خلال التركيز على قيم التسامح لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ مكانة دولة الإمارات عاصمةً عالميةً للتسامح.
وقد أكد صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، في تصريحه الذي أعلن فيه 2019 «عاماً للتسامح» أن هذا الإعلان يعكس النهج الذي تبنَّته دولة الإمارات منذ تأسيسها بأن تكون جسر تواصل وتلاقٍ بين شعوب العالم وثقافاته في بيئة منفتحة وقائمة على الاحترام ونبذ التطرف وتقبُّل الآخر، ومساهماً فاعلاً في بناء مجتمعات تعتمد التسامح والحوار منهجاً؛ لأن «دولة الإمارات تحمل رسالة عالمية ومهمة حضارية في ترسيخ هذه القيمة إقليمياً ودولياً».
وجاءت الزيارة التاريخية المشتركة التي قام بها كل من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، لدولة الإمارات في الفترة من 3 إلى 5 فبراير 2019 لتدشن مبادرات عام التسامح، ولتكون فاتحة خير على أبناء البشرية جمعاء، ولتطلق عهداً جديداً من التعاون بين أتباع الديانات نحو مستقبل أفضل؛ حيث استضافت الدولة بالتزامن مع تلك الزيارة المؤتمر العالمي للأخوَّة الإنسانية، الذي نظمه مجلس حكماء المسلمين بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر، وسبل تعزيزه عالمياً، إلى جانب التصدي للتطرف الفكري وسلبياته، وتعزيز العلاقات الإنسانية، وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة، تقوم على احترام الاختلاف.
وقد أصدر المؤتمر، الذي شكل سابقة تاريخية، وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها الضيفان الكبيران، والتي شكّلت مرجعاً وقاعدة أساسية لحرية التدين والاعتقاد، مع التزام الاحترام والتقدير والأخوَّة بين الناس على أساس إنسانيتهم، وأكدت أن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام، وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وأن الحرية حق لكل إنسان، اعتقاداً وفكراً وتعبيراً وممارسةً، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلاً ثابتاً تتفرع منه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه، أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.
واستمراراً لمسيرة الإنجازات الحافلة خطت دولة الإمارات، يوم 25 سبتمبر 2019، أولى خطواتها العملية في مضمار اكتشاف الفضاء والدخول إلى مجال علومه وبحوثه عندما انطلق هزاع المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي، إلى محطة الفضاء الدولية ضمن فريق عالمي على متن مركبة الفضاء الروسية «سويوز إم إس 15».
وبهذه الخطوة دخل قطاع الفضاء الإماراتي مرحلة جديدة في مسيرته نحو الريادة، وفي سعيه إلى تحقيق آمال الإمارات والعرب ببلوغ محطة الفضاء الدولية، حيث تمكّن هزاع من إجراء العديد من التجارب العلمية، التي أسهمت في زيادة المخزون العربي في مجال صناعة الفضاء وعلومه، وهو ما جسد اهتمام دولة الإمارات بعلوم الفضاء من خلال إطلاق برنامج الإمارات الوطني للفضاء، الذي يندرج ضمنه برنامج الإمارات لرواد الفضاء، ولتتبع ذلك خطوة أخرى نحو تعزيز هذا البرنامج وتوسيع نطاقه عندما أعلن البرنامج، في ديسمبر 2019، إطلاق مسابقة اختيار رائد الفضاء الإماراتي الثاني، والتي تلقت ما يزيد على 1000 طلب مشاركة من المواطنين والمواطنات.
لقد تواصلت مسيرة التمكين وتعزيز المشاركة السياسية، واكتسبت زخماً جديداً في عام 2019؛ حيث تم في شهر أكتوبر إجراء انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، التي شارك فيها 117 ألفاً و592 ناخباً وناخبة من جميع إمارات الدولة، وبنسبة مشاركة تجاوزت 34.81% من مجموع أعضاء الهيئات الانتخابية، حيث تم إعلان النتائج في يوم الانتخابات نفسه؛ ليكتمل عقد المجـلـس يوم 12 نوفـمبر بإصـدار صاحـب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، المرسوم الاتحادي رقم 122 لسنة 2019، بتشكيل أعضاء المجلس الوطني الاتحادي لدور انعقاد الفصل التشريعي السابع عشر، والذي نص على أن يشكل المجلس الوطني الاتحادي لدور انعقاد الفصل التشريعي السابع عشر من 40 عضواً، يمثلون إمارات الدولة كافة، بينهم 20 سيدة، ما يشكل 50% من مجموع الأعضاء، حيث تمت دعوة المجلس إلى الانعقاد يوم الخميس الموافق 14 نوفمبر.
ولأن عينها على المستقبل دائماً؛ لأنها تسعى إلى أن يكون أفضل وأكثر إشراقاً، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، في 14 ديسمبر، أن عام 2020 سيكون عام الاستعداد للخمسين، من خلال الانطلاق في أكبر استراتيجية عمل وطنية من نوعها للاستعداد للسنوات الخمسين المقبلة على مستويات الدولة الاتحادية والمحلية كافة، والاستعداد للاحتفال باليوبيل الذهبي لدولة الإمارات في عام 2021 أيضاً، على أن تشارك جميع فئات الطيف المجتمعي الإماراتي من مواطنين ومقيمين وقطاع عام وخاص وأهلي في صياغة الحياة في دولة الإمارات للخمسين عاماً المقبلة.
وقد وجَّه سموهما بتشكيل لجنتين تتبعان مجلس الوزراء، لجنة لوضع الخطة التنموية الشاملة للخمسين عاماً المقبلة برئاسة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير شؤون الرئاسة، ومعالي محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل، نائباً له، وأخرى للإشراف على فعاليات الاحتفال باليوبيل الذهبي لدولة الإمارات برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، وسمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان نائباً له.
وفي عام 2019 تمَّ افتتاح قصر الوطن أمام الزوار؛ ليبرز دور دولة الإمارات في نشر التراث الفكري العربي، والمحافظة على الإرث الحضاري والإنساني، بصفته أحد صروح مسيرة التقدم والإنجاز في الدولة، وجسراً للتواصل المعرفي والحضاري بين الأمم، وفازت الإمارات بمقعد في المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)؛ لتكون هذه هي المرة الرابعة التي تفوز فيها دولة الإمارات بعضوية أحد الأجهزة الرئيسية الثلاثة للمنظمة، واحتفظ جواز السفر الإماراتي بالمركز الأول في مؤشر «باسبورت إندكس» كأقوى جواز سفر في العالم لعام كامل، منذ صعوده إلى المركز الأول في مطلع ديسمبر 2018، كما عزز وجوده في المركز الأول بحصد المزيد من إعفاءات التأشيرة، ودخول حاملهِ 179 دولة حالياً من دون تأشيرة، وتوسيع الفارق بينه وبين المركز الثاني إلى 8 إعفاءات، كما بدأ في أكتوبر 2019 العد التنازلي لانطلاق معرض إكسبو 2020، الذي سينطلق في 20 أكتوبر 2020 بمشاركات عالمية تتجاوز 200 مشاركة، و180 جناحاً دولياً، بحضور من 170 دولة حول العالم.
وعلى الصعيد الرياضي سجّلت دولة الإمارات خلال عام 2019 إنجازات كبيرة، في مقدمتها استضافة بطولة كأس الأمم الآسيوية 2019 التي شارك فيها 24 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ بطولات كأس آسيا، وحظيت عملية التنظيم بإعجاب وإشادة جميع المشاركين فيها، حيث دارت فعالياتها على مدى أربعة أسابيع على 8 ملاعب دولية لكرة القدم، وبتغطية إعلامية واسعة شارك فيها أكثر من 1600 صحفي وإعلامي، كما استضافت في شهر مارس، وبنجاح باهر، «الأولمبياد الخاص.. الألعاب العالمية – أبوظبي 2019» التي شارك فيها نحو 7000 لاعب تنافسوا في 24 رياضة.


احتجاجات 2019.. موجة عربية جديدة من التغيير
الاحتجاجات العربية، التي اتخذت زخماً كبيراً خلال العام الجاري 2019، وأطلق عليها بعضهم اسم «الربيع العربي الجديد» جاءت في معظمها بمطالبات شعبية تشابهت في أهدافها وتطلعاتها، وتلخصت في استقالة رموز الأنظمة الحاكمة والانتقال تدريجياً نحو نظام حكم، تشارك الشعوب في اختياره عبر صناديق الانتخاب. السودان والجزائر والعراق ولبنان، كانت أبرز الدول العربية التي شهدت احتجاجات شعبية عارمة، ناهضت رموز السلطة السياسية، وطالبتها بالتنحي عن الحكم، إثر ما سببته للشعوب من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية؛ تجسّدت في تفشي معدلات الفقر والبطالة والتضخم والفساد وتهميش حقوق الشعوب. ففي السودان كانت البداية؛ حيث شهد شهر ديسمبر من عام 2018 احتجاجات شعبية كبرى في شوارعها، ثم تبعتها الاحتجاجات في الجزائر في فبراير 2019، تبعها العراق ولبنان في سبتمبر وأكتوبر من العام نفسه على التوالي، لتشكل هذه الاحتجاجات بذلك موجة ثانية لما سمي «الربيع العربي» الذي بدأت شرارته في عامي 2010 و2011.

السودان.. مليونيات شعبية أطاحت البشير
شكلت الثورة السودانية تحولاً كبيراً للسلطة السياسية التي حكمت البلاد لعشرات السنين، وذلك بعد انطلاق الاحتجاجات وتناميها في أنحاء السودان في 19 ديسمبر 2018، والتي واكبها عصيان مدني استمر لمدة ثمانية أشهر، أسفر عنه انقلاب في إبريل الماضي، خلع فيه الرئيس عمر البشير، تلا ذلك حدوث ما سمي «مذبحة القيادة العامة للقوات المسلحة» الدموية في 3 يونيو في ظل حكم المجلس العسكري الانتقالي الذي حل محل البشير. الرئيس السوداني عمر البشير الذي نجا من حراك عام 2011، نتيجة خلطة نظامه المركبة، التي تتجلى في تحالف العسكر والإسلاميين، لم ينفذ من موجة احتجاجات عام 2019، كما أن هذه الموجة لم تطح البشير فحسب، إنما تم سجنه وإخضاعه لمحاكمات بتهم عدّة.
وعلى الرغم من تعرض المحتجين لممارسات دموية، فإن السودان تمكنت من تحقيق انتقال سلمي للسلطة بالاتفاق بين قوات الجيش والحراك، وتم تشكيل حكومة تبذل جهدها للخروج من الأزمة الاقتصادية، من دون الإسراع بإجراء انتخابات ليس بالضرورة أن تكون سبباً لتحقيق الاستقرار؛ فتفاهم الحراك مع العسكريين لإقامة سلطة مشتركة، تدوم لمدة ثلاث سنوات، قّدم ضمانة مبدئية بعدم اندلاع خلافات بينهما في الفترة الحالية على الأقل، وهو وسيلة أساسية لضمان عدم وصول الإسلاميين إلى السلطة، في ظل وجود حراك يغلب عليه اليسار والليبراليون، يسعى إلى انخراط السودان في الديمقراطية المدنية بشكل انتقالي.

 

الجزائر.. مظاهرات أسقطت بوتفليقة وانتخابات مُختلف عليها

بدأ حراك الشعب الجزائري، الذي عرف بـ «ثورة الابتسامات» في الـ 16 من فبراير 2019، نتيجة إعلان الرئيس الجزائري في حينه، عبدالعزيز بوتفليقة، ترشحه الرسمي لفترة رئاسية خامسة، ما تسبب باشتعال احتجاجات شعبية، لم يسبق لها مثيل منذ الحرب الأهلية في الجزائر. مظاهرات الشعب الجزائري اتسمت بسلميتها، وظهر فيها حجم التكاتف بين أجهزة الدولة الأمنية، الشرطة والجيش، والشعب، إذ أصر الجيش على استقالة بوتفليقة الفورية، وهو ما حدث بالفعل في 2 إبريل 2019. وما إن أطل شهر مايو، حتى تم اعتقال عدد كبير من وسطاء السلطة المقربين من إدارة بوتفليقة، بمن فيهم شقيقه سعيد بوتفليقة.
وتحت شعار «يتنحو القاع»، اشتعلت شرارة الاحتجاجات في الجزائر، ضد نظام بقي على قمة هرم السلطة لعشرين عاماً، حيث استمر الحراك الجزائري بمشاركة أعداد ضخمة ومتنوعة من المحتجين، للمطالبة بإعادة هيكلة النظام السياسي، واستقالة رموزه القيادية. ثم حاولت السلطات المؤقتة، بدعم من قائد الجيش أحمد قايد صالح، الذي توفي مؤخراً، إقناع المحتجين بالموافقة على إجراء انتخابات في 12 ديسمبر الجاري، وهو ما تم فعلاً، وأفرز رئيساً يحسبه بعضهم على النظام السابق. الاحتجاجات الجزائرية اندلعت لأسباب سياسية في المقام الأول؛ فبوتفليقة، الرئيس المسنّ، الذي تمسك بالسلطة حتى آخر أيامه، تسبب بتفجير الحراك الجزائري بإعلانه الترشح للرئاسة، فانحاز الجيش إلى خيار الشعب برفض العهدة الخامسة، مع إصراره على إجراء انتخابات رئاسية، انتهت بفوز عبدالمجيد تبون، ما يفتح الباب أمام أسئلة بخصوص تغيير النهج السياسي في البلاد، ومدى تقبّل الشعب الجزائري للواقع الجديد، وما هي الفترة الزمنية التي سيمنحها للرئيس الجديد حتى يتأكد من أن الانتخابات جلبت برئيس سيحقق طموحات وآمال الحراك الشعبي، الذي يبدو أنه متوجس وغير مطمئن لوعود الإصلاح التي أطلقها تبون.

لبنان.. احتجاجات شعبية لم تفرقها الطائفية
في الـ 17 من أكتوبر 2019، اجتاحت لبنان سلسلة من الاحتجاجات التي نددت بفشل الحكومة في إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية التي يواجهها اللبنانيون؛ حيث اندلعت الاحتجاجات مباشرة بعد موافقة مجلس الوزراء على ضرائب «واتس آب»، ولاسيما في ظل ضرائب كانت مفروضة على المحروقات والتبغ، ليتجاوز الشعب اللبناني إثر ذلك الفجوات الاجتماعية والطائفية، والتوجهات السياسية، ولتمتد الاحتجاجات ويتزايد عدد المشاركين فيها، رافعين مطالبهم بإسقاط النظام بأكمله، تحت شعار «كلّن يعني كلّن». وبعد ضغط كبير لتلك الاحتجاجات، قدّم رئيس الحكومة، سعد الحريري، استقالته في 29 أكتوبر، إلا أن المحتجين بقوا في الشوارع، مؤكدين أن مطالبهم لا يحققها استبدال الوجوه مع بقاء النظام، مطالبين بحكومة تكنوقراط لا تتضمن الوجوه السياسية السابقة، الأمر الذي عرّضهم إلى رد فعل عنيف من بعض المؤيدين لـ «حزب الله» وحركة «أمل». ويأتي تكليف الرئيس ميشال عون، بعد سلسلة طويلة من المشاورات، لحسان دياب الذي شغل سابقاً منصب وزير التربية والتعليم العالي، لتشكيل الحكومة الجديدة، مثار جدل كبير في الشارع، حيث واصل المحتجون التظاهر رفضاً لهذا التعيين، تجمع عشرات الأشخاص في بيروت، السبت 28 ديسمبر، أمام منزل دياب، مطالبين باستقالته بعد مرور عشرة أيام على اختياره، قائلين: «نحن هنا لإسقاط حسان دياب، فهو لا يمثلنا».

العراق.. مئات الشهداء رفضاً للفساد ووقوفاً في وجه إيران
بداية دعوات العراقيين للوقوف بوجه السلطة الحاكمة، تنديداً بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفساد في بغداد وغيرها من المدن العراقية الرئيسية، كانت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حين خرج المتظاهرون إلى الشوارع في بغداد ومدن في الجنوب، في الأول من شهر أكتوبر الماضي، احتجاجاً على التحديات التي يواجهها العراقيون سياسياً واجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، وامتدت احتجاجات الشارع العراقي، وتنوعت فئات المشاركين فيها، لتواجه بالعنف من قبل قوات الأمن، سقط على إثره مئات القتلى وآلاف الجرحى، إذ تجاوز عدد من فقدوا حياتهم منذ احتجاجات أكتوبر الـ 460 قتيلاً.
تفاقم أحداث العنف التي مارستها قوات الأمن العراقية مع المحتجين، وتعدد صور الاغتيالات بحق المطالبين بالإصلاح، لم يجعلا الشعب العراقي يتوقف عن توجيه الاتهامات لإيران، لدورها الكبير فيما آلت إليه الأوضاع في العراق، وسعيها المتواصل إلى دعم الحكومة العراقية، وتثبيت أركان القمع والفساد في العراق، وزعزعة أمنه واستقراره، وهو ما حدا بالمحتجين إلى إضرام النيران في القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء، وغيرها من المشاهد التي تعبّر عن أن العراقيين ضاقوا ذرعاً بتغلغل التدخل الإيراني في الواقع العراقي. وأدى سقوط مئات القتلى والجرحى في العراق، إلى إقدام رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، على تقديم استقالته التي قبلها البرلمان في الأول من ديسمبر، لكن الأمر لم يتغير في ظل بقائه رئيساً لحكومة تصريف أعمال، ليصبح الأمل معقوداً الآن على الرئيس العراقي، برهم صالح، الذي وضع البرلمان أمام خياري قبول استقالته، أو سحب ترشيح شخصيات من الحكومة السابقة، موالية لإيران.

الخلاصة
لقد استقت الموجة الثانية من احتجاجات الشارع العربي، الدروس من الموجة الأولى التي حدثت في عام 2011، حيث استهدف المتظاهرون هياكل الدولة العميقة، من دون الاكتفاء بإسقاط رموز النظام، كما حرصوا على تفادي الانقسام على أساس هوياتي أو سياسي ووجهوا مطالبهم نحو إيجاد مسارات مؤدية إلى عملية انتقالية سلمية، عكست استفادتهم من دروس ماضيهم وجيرانهم. وعلى الرغم من سلمية الاحتجاجات الجديدة، وبرغم أن الشباب كانوا هذه المرة أكثر حكمة من عام 2011، إلا أنهم كانوا أكثر غضباً من التحديات التي يواجهونها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. كما جاءت الموجة الجديدة من الاحتجاجات وخاصة في لبنان والعراق لتمثّل تحدياً لنفوذ إيران في الدولتين، ما يثير تكهنات بشأن لجوء إيران لزيادة ضغوطاتها عليهما، نتيجة ما تتمتع به من نفوذ في مؤسساتهما الرسمية.


الأزمة الإيرانية-الأمريكية.. تراجع في الحدّة واستبعاد الانفراج
شهد عام 2019 تصعيداً كبيراً في الأزمة التي نشبت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بعد إعلان الولايات المتحدة في الثامن من مايو 2018 انسحابها من الاتفاق النووي بين إيران والغرب الذي تم توقيعه عام 2015، وإعادة فرض عقوبات صارمة على إيران، بما في ذلك على صادراتها النفطية التي تمثل شريان حياة، بغرض وقف تلك الصادرات تماماً وخنق اقتصاد إيران. وقد اتجهت الولايات المتحدة في هذا الإطار إلى تطبيق حملة «أقصى ضغوط» على إيران من أجل جلبها إلى طاولة المفاوضات، فيما اتجهت إيران إلى مواجهة هذه الحملة من خلال مجموعة من التحركات المقابلة. وما تتضمنه من عقوبات اقتصادية وسياسية موجعة.
وقد تحركت الولايات المتحدة بداية في اتجاه «تصفير» الفوائد الاقتصادية للاتفاق النووي المعروف رسمياً بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، من خلال الانسحاب منه، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية، ثم انتقلت إلى العمل على تصفير صادرات إيران من النفط والغاز والبتروكيماويات، ثم امتد العمل ليشمل قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس الإيرانية بضمها إلى قائمة العقوبات، كما طالت العقوبات أيضاً المصرف المركزي الإيراني وشبكة واسعة من الشركات والسفن يديرها الحرس الثوري الإيراني.
وقد تبع هذه التحركات تحركات أخرى عسكرية، كان من بينها تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ ما شكل ضربة مؤلمة للنظام الايراني، بالنظر إلى أن «الحرس الثوري» يسيطر على مفاصل الدولة الإيرانية، إضافة إلى حيازته ما يقارب ثلث الاقتصاد الايراني، وحشد قوة بحرية وجوية ضاربة في الخليج، وفرض عقوبات على وكالات فضائية إيرانية تستخدمها طهران لتطوير برنامج الصواريخ الباليستية، وعلى هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العديد من المسؤولين الإيرانيين الكبار، من بينهم المرشد الأعلى على خامنئي، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، بالإضافة إلى (مجتبي خامنئي) نجل المرشد، ومحمد باقري رئيس هيئة الأركان العامة، وحسين دهقان وزير الدفاع السابق، ومحمد محمدي قلبايقاني رئيس مكتب مرشد إيران، وغلام علي حداد عادل رئيس البرلمان الإيراني السابق، ووحيد حقانيان قائد الحرس الخاص لمرشد إيران، وإبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية، وغلام علي رشيد، نائب رئيس هيئة الأركان العامة وقائد مقر عمليات «خاتم الأنبياء» المركزي، وعلي أكبر ولايتي، مستشار المرشد للشؤون السياسية الدولية.
في المقابل، تبنت إيران استراتيجية تصعيد قصوى، ولكنها محسوبة، في مواجهة استراتيجية الضغط القصوى، واعتمدت في ذلك على مساريين متوازيين، الأول عسكري، استهدف محاولة إقناع الولايات المتحدة بأن التكلفة ستكون باهظة إذا حاولت استخدام خيار عسكري في الأزمة، حيث اتجهت إيران إلى زعزعة استقرار المنطقة وتهديد سوق النفط، مرتكزة على أسس عدة منها استخدام فرضيات الحرب غير المتكافئة وتوظيف الجغرافيا والعمق الاستراتيجي وقبول الخسائر وتوظيف البُعد الديني والمذهبي بخوض معارك نوعية والاشتباك مع العدو عن بُعد، وفي هذا الإطار يمكن تفسير بعض الحوادث التي شهدتها المنطقة مثل إصابة أربع سفن في مايو 2019 – ناقلتي نفط خام سعوديتين كبيرتين وناقلتين أصغر حجماً إحداهما إماراتية والأخرى نرويجية – بأضرار، واستهداف ناقلتَي نفط أبحرتا من السعودية والإمارات في 13 يونيو 2019، وإسقاط طائرة بدون طيار أمريكية في 20 يونيو 2019، حيث أعلن التلفزيون الإيراني أن الحرس الثوري أسقط «طائرة تجسس أمريكية مسيرة» من طراز غلوبال هوك، اخترقت المجال الجوي للجمهورية الإسلامية، بالإضافة إلى استهداف طائرات بدون طيار محطتين لضخ النفط تابعتين لشركة «أرامكو السعودية» في المملكة. وبرغم ان إيران لم تعلن مسؤوليتها عن بعض هذه الحوادث (استهداف ناقلات النفط ومنشآت أرامكو) فإن الولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة أن أصابع إيران أو وكلائها في المنطقة وراء هذه العمليات.
أما المسار الثاني فهو مسار سياسي نووي، حيث اتجهت إيران إلى اتخاذ خطوات متتالية لتقليص التزاماتها الوارة في الاتفاق النووي المبرم عام 2015، واتخذت في هذا الإطار خطوات تدريجية عدة لتوسيع أنشطتها النووية، وكانت كل خطوة تهدف إلى خرق واحد أو أكثر من الشروط الأصلية المنصوص عليها في الاتفاق النووي، حيث أعلنت في 8 مايو 2019، أنها لن تلتزم بعد الآن بالحد الذي يفرضه الاتفاق على مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب، كما أعلنت في 7 يوليو 2019 رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 4,5% لتتخطى بذلك سقف التخصيب المنصوص عليه في «الاتفاق النووي» والبالغ 3,67%. وفي 6 سبتمبر 2019، أشار المسؤولون الإيرانيون إلى أنهم سيسرّعون أعمال البحث والتطوير فيما يتعلق بأجهزة الطرد المركزي المتقدمة؛ الأمر الذي سيمكّن إيران في النهاية من تخصيب اليورانيوم بوتيرة أسرع وبعدد أقل من أجهزة الطرد المركزي، وفي 9 نوفمبر 2019، أعلنت إيران أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو النووية التحت أرضية. وبعد أيام قليلة أكد مسؤول إيراني أن طهران تراجعت عن الالتزام الذي تعهدت به في الاتفاق النووي بتحويل المنشأة إلى مركز للأبحاث الفيزيائية.
وبرغم هذه الإجراءات المتبادلة بين الجانبين الأمريكي والإيراني، فإن الأمور لم تتطور في اتجاه صدام عسكري، فقد بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تريد جلب إيران إلى طاولة المفاوضات من أجل إبرام اتفاق نووي جديد، حيث يرى الرئيس دونالد ترامب أن الاتفاق النووي المبرم في عهد إدارة بارك اوباما رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، في مقابل فرض قيود ضعيفة على نشاطها النووي، ولم يضع أي حدود لسلوكها في المنطقة، وفشل في معالجة تطوير منظومة صواريخها الباليستية. ومن ثم اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تكثيف حملة الضغوط القصوى على إيران وراهنت على أن هذه الحملة قد تدفعها في النهاية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات ولاسيما إذا ساعدت هذه الحملة في تحريك الشارع الإيراني جراء تراجع الأوضاع المعيشية والاقتصادية. من جهة أخرى فإن إيران لا تبدو هي الأخرى في وارد العمل من أجل امتلاك سلاح نووي على الأقل في هذه المرحلة، فالخطوات التي اتخذتها بشأن الاتفاق النووي جاءت لجذب انتباه الولايات المتحدة وأوروبا، سعياً إلى حمل الأولى على التخفيف من حدة حملة الضغط الأقصى والعقوبات، والتماس دعم الثانية في إيصال رسالتها إلى واشنطن.
في هذا الإطار تراجعت حدة الأزمة وإن ظلت مستمرة، واتخذت الدولتان خطوات لتهدئة الأجواء، حيث أتمتا في أوائل ديسمبر 2019 صفقة لتبادل سجينَين، وجه على أثرها الرئيس الأمريكي الشكر لإيران، واعتبر هذه الخطوة إشارة إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق معها»، وفي خطوة أخرى، أجرت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت في 20 ديسمبر 2019 حديثاً قصيراً مع نظيرها الإيراني مجيد تخت روانجي قدمت خلالها تعازيها في وفاة طفلة إيرانية، ألقى تخت روانجي خلال جلسة في مجلس الأمن، اللوم على العقوبات الأمريكية في وفاتها. وبرغم تقليل المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين من شأن هذه الخطوة فإن هذه التعاملات المباشرة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين كانت نادرة للغاية في الأعوام الماضية.
وبرغم تراجع حدة الأزمة فإن من المستبعد انفراجها وتسويتها تماماً بالنظر إلى تباعد مواقف الطرفين حتى الآن؛ إذ تصر إيران على رفع العقوبات عنها قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فيما ترفض الولايات المتحدة ذلك وتؤكد على مفاوضات دون شروط مسبقة، فضلاً على أن صقور كلا البلدين سيسعون إلى تعطيل أي محاولة للوصول إلى اتفاق، بحسب ما ذكر بعض المحللين الذين قالوا إن تحقيق انفراج بين البلدين لا يزال أمراً مستبعداً؛ نظراً لتعاظم نفوذ المتشددين الإيرانيين المعادين لأمريكا، إضافة إلى أن من المستبعد أن يدعم الصقور في إدارة ترامب أي اتفاق مع إيران، حيث إن أي تحسن في العلاقات وما يتبعه من تنازلات متبادلة قد يشكل خطراً على هؤلاء المتشددين في كلا البلدين.


الحرب التجارية الأمريكية – الصينية.. تهدئة بعد التصعيد
شهد عام 2019 تصعيداً أعقبه تهدئة في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين على مستوى العالم، الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وقد شهد شهر ديسمبر الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مبدئي بين البلدين، اتفاق «المرحلة الأولى»، يتم بموجبه تخفيض بعض الرسوم الجمركية الأمريكية على بضائع صينية مقابل مشتريات صينية لمنتجات أمريكية. وقد سبق إعلان التوصل إلى هذا الاتفاق جولات طويلة من المباحثات بين البلدين، وبالرغم من إعلان هذه التهدئة عبر اتفاق «المرحلة الأولى»، فإنه من غير الواضح حتى الآن إمكانية حدوث اتفاق تجاري شامل بين البلدين.

خلفيات احتدام النزاع التجاري
التنافس التجاري الأمريكي – الصيني ليس بالأمر الجديد، وتصاعدت حدته على خلفية الاتهامات المتكررة من قبل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للصين بأنها تقوم بممارسات تجارية غير عادلة، وسرقات في مجال حقوق الملكية الفكرية. وفي المقابل كانت الصين ترى في وجهات النظر الأمريكية محاولة لكبح النهوض الكبير الذي يشهده الاقتصاد الصيني.
ومنذ عام 2018 تبادل البلدان إجراءات فرض رسوم جمركية على بضائع كل منهما تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. وقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مارس 2018 فرض رسوم جمركية على واردات الألمنيوم والحديد الصلب إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 25% على واردات الحديد الصلب و10% على واردات الألومنيوم، وتنطلق سياسات ترامب من فكرته بأن الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه تسببوا في معاناة الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير بسبب سياساتهم التجارية الخاطئة مع العديد من بلدان العالم. كما كان ترامب يرمي من فرض الرسوم الجمركية إلى تشجيع المستهلكين على شراء البضائع الأمريكية من خلال جعل السلع المستوردة أغلى ثمناً. وقد ردت الصين بفرض رسوم على عدد من المنتجات الأمريكية. وتواصلت حدة النزاع في عام 2019 عبر تبادل التهديدات باتخاذ مزيد من الإجراءات التصعيدية وفرض تعريفات جديدة، وفي مايو عام 2019 أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية إضافية على الصين بلغت نسبتها 10% على بضائع تقدر قيمتها بنحو 300 مليار دولار. ومن بين النزاعات التجارية التي ظهرت بين البلدين أيضاً، رفض الولايات المتحدة مشاركة شركة هواوي الصينية في بناء شبكات الجيل الخامس الأمريكية، لاتهامها بالقرب من قيادة الدولة والحزب الحاكم في الصين.

أثر النزاع التجاري على الاقتصادَين الأمريكي والصيني
قالت منظمة تابعة للأمم المتحدة في نوفمبر عام 2019، إن الحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة تضر باقتصاد البلدين، مع انخفاض الصادرات وارتفاع الأسعار على المستهلكين، وأشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» حول تبعات زيادة الرسوم الجمركية التي فرضتها كل من واشنطن وبكين، إلى أن هذه الرسوم أضرت باقتصاد البلدين، وقالت إن ذلك يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله. وصرحت باميلا كوك هاملتون، رئيسة قسم السلع في المنظمة في بيان، بأن «الحرب التجارية الخاسرة للجانبين تضر ليس بالبلدين المتنافسين فحسب، بل تهدد كذلك استقرار الاقتصاد العالمي ونموه المستقبلي»، وجاء في تحليل المنظمة أن الرسوم الأمريكية تسببت في انخفاض نسبته 25% في الواردات الأمريكية من السلع الصينية في النصف الأول من عام 2019 وحده، وأنّ «الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على الصين تضر بالبلدين اقتصادياً»، فيما صرح اليساندرو نيكيتا، الخبير الاقتصادي في «أونكتاد» للصحفيين في جنيف بأن «المستهلكين والشركات الأمريكية تحملت معظم تكاليف الرسوم الجمركية». وكان للنزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين أثر أيضاً في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والذهب. وفي السياق، حذّر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، من أن النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة يمكن أن يتحول إلى حرب فعلية بين البلدين العملاقين، وقال كيسنجر (96 عاماً) محذراً: «إذا تركنا النزاع يتصاعد، فقد تكون النتيجة أسوأ مما حدث في أوروبا، فالحرب العالمية الأولى اندلعت نتيجة أزمة صغيرة نسبياً بينما الأسلحة اليوم أقوى بكثير»، وأضاف كيسنجر أن «الصين قوة اقتصادية كبرى ونحن كذلك، ونحن محكومون بأن تتضارب مصالحنا في كل مكان في العالم». وقد انتشرت تحذيرات من اقتصاديين حول العالم من أن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سيؤدي بالعولمة إلى الدخول في مرحلة جديدة تفضي إلى تقسيم السوق العالمية بين البلدين.

التوصل إلى اتفاق «المرحلة الأولى»
شهد عام 2019 مفاوضات بين الولايات المتحدة والصين، هدفت إلى تهدئة النزاع التجاري الذي أثر في اقتصاد البلدين، وبدأت بوادر تقارب في الآراء تظهر في الربع الأخير من العام الجاري، وقد أعلنت الإدارة الأمريكية في أكتوبر 2019 تأجيل تطبيق زيادة في الرسوم على بعض السلع الصينية، ثم بدأ الحديث بعد مباحثات تجارية عن التوصل إلى اتفاق مرحلة أولى، يتضمن تقديم الصين بعض التنازلات للقطاع الزراعي الأمريكي، في حين تخفض الولايات المتحدة جزءاً من الرسوم المفروضة على السلع الصينية. وفي بداية شهر ديسمبر الجاري، قالت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية، إن بكين تصر على ضرورة أن يكون ‬إلغاء التعريفات الجمركية جزءاً من المرحلة الأولى في اتفاق تجاري مع واشنطن، وقالت الصحيفة الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني الحاكم: «تعهد الولايات بإلغاء التعرفات المقررة في 15 ديسمبر لا يمكن أن يحل محل التراجع عن هذه التعرفات». ومع اقتراب منتصف شهر ديسمبر الجاري تم الإعلان عن توصل المحادثات بين البلدين إلى «اتفاق من حيث المبدأ» لنزع فتيل حربهما التجارية الدائرة على مدى ما يقارب عامين، وقال إعلان صادر عن المحادثات إنه تم التوصل إلى اتفاق تجارة «كمرحلة أولى»، على أن يتم توقيع هذا الاتفاق في الأسبوع الأول من شهر يناير عام 2020، وبموجب الاتفاق، تخفض واشنطن إلى النصف الرسوم الجمركية المفروضة حالياً على سلع صينة، وفي المقابل تشتري بكين منتجات أمريكية أكثر، ولاسيما مواد زراعية. كما أن الاتفاق ينظم التعامل مع الملكية الفكرية، ويتطرق إلى القطاع المالي وقضايا النقد. وقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، أنه ونظيره الصيني شي جين بينغ سيحضران مراسم توقيع المرحلة الأولى من اتفاق التجارة بين البلدين.‬

أبعاد اتفاق «المرحلة الأولى»
ورغم التوصل لاتفاق «المرحلة الأولى»، فإن هناك تحليلات تتوقع استمرار سياسة الخطوات الصغيرة، بين الولايات المتحدة والصين، وبما أن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية مقررة في نهاية عام 2020، فمن المتوقع ألا يعمد الرئيس ترامب إلى تصعيد النزاع مع الصين، خوفاً من انعكاس غضب المستهلك الأمريكي في صندوق الاقتراع.
وفي الوقت نفسه، فإن من غير المتوقع أن يتم التوصل إلى اتفاقية تجارية شاملة بين البلدين، تذهب أبعد مما تم التوصل إليه في الاتفاق الجزئي. وكانت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قد حدثت من تقييماتها حيال النزاع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وأشارت إلى أن اتفاق «المرحلة الأولى» التجاري بين البلدين قد هدّأ توترات التجارة، لكن خطر التصعيد مجدداً لا يزال قائماً، وقالت «فيتش» إن التوترات بين واشنطن وبكين، وبخاصة في مجالات مثل التكنولوجيا، ستشكل عقبة كبيرة أمام تسوية كاملة للحرب التجارية، كما قالت وكالة التصنيف إنها الآن تتوقع أن ينمو اقتصاد الصين بما يقرب من 6% في عام 2020، مقارنة مع توقعها السابق عند 5.7%، وذلك بعد اتفاق التجارة الأولي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات