حصاد الغزو الأمريكي للعراق ودلالاته

  • 30 أغسطس 2010

مع إتمام الولايات المتحدة الأمريكية سحب ما أسمته قواتها القتالية من العراق، بحيث لم يبق لها في هذا البلد المنكوب سوى خمسين ألف جندي للأعمال "غير القتالية"، لا يدري المرء تحديداً أيكون هذا الانسحاب نهاية للمغامرة العسكرية الأمريكية في العراق التي بدأت منذ أكثر من سبع سنوات؟ أم أن المسألة لا تعدو أن تكون "تنويعاً" على الإعلان المسرحي من قبل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في مايو/ أيار 2003 عندما هبط على ظهر حاملة طائرات أمريكية ليعلن أن "المهمة قد أنجزت"، وبالتالي فإن القصة لم تتم فصولها بعد؟ لا يستطيع المرء كذلك أن يحدد الآن بدقة الآثار بعيدة المدى التي خلفتها تجربة الغزو الأمريكي للعراق على الولايات المتحدة، فقد رأينا على سبيل المثال كيف أثرت الخبرة الأمريكية الأليمة في فيتنام على المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة لعقود، وما نحن على يقين منه هو أن غزو العراق قد كلف تلك الدولة العظمى حتى الآن -ووفقاً لأرقامها الرسمية- أكثر من أربعة آلاف قتيل وعشرات الألوف من الجرحى، وأكثر من ألف مليار دولار، ناهيك عن أن هذه التجربة الفاشلة ساهمت على هذا النحو في تآكل وضع الولايات المتحدة كقطب أوحد في النظام العالمي الراهن، دون تحقيق نجاح يذكر حتى في بناء معادلة مستقرة للأمن في منطقة الخليج ذات الأهمية البالغة للمصالح الأمريكية، ولاسيما في ظل تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة بسبب الغزو وفي أعقابه، حتى قيل بحق إن الولايات المتحدة قد زرعت لتحصد إيران. 

لكن الهدف الرئيسي للتحليل التالي ينصب على حصاد الغزو من المنظور العراقي، ومن زاوية محددة تعيننا في التخطيط لمستقبلنا المضطرب: هل يمكن إصلاح الأوضاع المتردية في بلد من البلدان بفعل قوة أو قوى خارجية؟ وترجع أهمية الموضوع إلى أن العالم من حولنا، ومنه وطننا العربي، يعرف نماذج عديدة لنظم تحتاج إلى إصلاح حقيقي، وإزاء ضعف قوى المعارضة في هذه النظم لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن بدأت تروج فكرة الإصلاح من الخارج، أي بفعل قوى خارجية، وقد التقت هذه الفكرة في حينه مع مصلحة الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس السابق جورج بوش في غزو العراق، حيث بررت تلك الإدارة الغزو كما هو معروف بعدد من الذرائع التي ثبت زيفها جميعاً فيما بعد، وكان من بين هذه الذرائع القضاء على النظام العراقي الشمولي صاحب السلوك العدواني تجاه جيرانه. ومن هنا التقت مصلحة قوى راغبة في تغيير الوضع في العراق -اتسم كثير منها بالعمالة للولايات المتحدة الأمريكية أو إيران أو كليهما معاً- مع المصلحة المعلنة من قبل الإدارة الأمريكية في غزو العراق الذي يحتاج إمعان النظر في حصاده المر. 

على الصعيد السياسي نجح الغزو في إسقاط النظام القائم، لكنه أسقط الدولة العراقية معه أو كاد، نتيجة استمرار الحسابات الأمريكية غير الرشيدة التي بنيت عليها قرارات بالغة الحماقة، فقد خلطت سلطات الغزو بين مفهومي "نظام الحكم" و"الدولة، فأصدرت قراراتها بتفكيك كافة مؤسسات النظام، ولاسيما المؤسستين العسكرية والأمنية والحزب الحاكم، وباستثناء هذا الأخير الذي يرتبط عضوياً بنظام الحكم، فإنه من المعروف أنه في مواقف كهذه مثل الاحتلال الخارجي أو الثورات الداخلية لابد أن تطول مؤسسات الدولة تغييرات جذرية، لكن هذه التغييرات لا يمكن أن تصل إلى حد إلغائها، وإنما تبدأ بإزاحة الشرائح القيادية فيها التي تكون بطبيعة الحال صنيعة النظام السابق، ويكون ولاؤها في الأساس له، وبإحلال قيادات أخرى محلها تعبر عن الوضع الجديد. أما المستويات الوسيطة والدنيا فيفترض أن ولاءها للدولة، وحتى إن لم يكن كذلك فمن المستحيل أن يتم تفكيكها بالكامل، وإنما يجري تغيير بنيتها القيادية إلى أن تتم عملية إعادة بناء شاملة لها، أو ربما خلق مؤسسات موازية موالية. لكن هذا لم يحدث، وكانت النتيجة ما يشبه الفوضى الشاملة والعجز الكامل في العراق، ودفعت الإدارة الأمريكية نفسها ثمناً باهظاً لهذا القرار العشوائي حين تحول العديد من أفراد القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية في ظل النظام القديم إلى مقاومة قوات الغزو، وما زال العراق حتى الآن غير قادر على إعادة بناء مؤسسات فاعلة للدولة. 

تتصل بالدولة العراقية أيضاً الطريقة التي عالج بها الغزو المسألة الكردية، فمن المعلوم أن الأكراد جزء من شعب العراق، وله قوميته التي لا تجعله ضمن النسيج العربي العام، ومن المعلوم كذلك أن للأكراد مطالبهم السياسية والاقتصادية والثقافية المشروعة، وقد اختار أكراد العراق أن يؤيدوا الغزو الأمريكي دون تحفظ بسبب عدائهم الشديد للنظام السابق، وأملهم في أن تكون سلطات الغزو سندهم في نيل مطالبهم المشروعة. وبغض النظر عن تقييم هذا الموقف من المنظور الوطني فإن سياسات إعادة بناء الدولة العراقية في ظل الغزو قد اعتمدت "الفيدرالية" شكلاً لهذه الدولة، وهو أمر لا غبار عليه في حد ذاته، غير أن "الفيدرالية" المقصودة في هذا الصدد جاءت أبعد ما تكون عن "الفيدرالية" كما نعرفها في الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي تأخذ بالنظام الفيدرالي، إذ كان من شأن "الفيدرالية" العراقية أن تفضي بالأكراد إلى وضع الدولة المستقلة من الناحية العملية، ففي ظلها أصبح لهم علمهم وجيشهم ونظام تعليمهم، وأصبحوا يستغلون ثرواتهم الاقتصادية مباشرة دون مرور بسلطات الدولة المركزية، ويرسلون ممثلين عنهم إلى السفارات العراقية بالخارج، وأصبح رئيس إقليم كردستان العراق يستقبل لدى الدول -بما في ذلك دول عربية- استقبال الرؤساء، وهو ما يعني تفكيك دولة العراق وليس الاستجابة للمطالب المشروعة لجزء من شعبها. 

على صعيد المجتمع العراقي لعب الغزو بالورقة الطائفية دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو تقدير سليم للأمور، وتصادف أن معظم القوى العراقية السياسية المعارضة التي أيدته كانت من شيعة العراق، ولذلك حاولت سلطات الغزو أن تبني معادلة سياسية جديدة في العراق تبرز تفوقهم، الأمر الذي أوغر صدور السُنّة، ولاسيما أن الأمور قد جرت على نحو يتسم بالفجاجة، ولما وجدت سلطات الغزو أن سُنّة العراق قد استقطبوا بالكامل تقريباً إلى صف المقاومة، وأن المعادلة الجديدة قد ساعدت على زيادة النفوذ الإيراني في العراق، استدركت محاولة إصلاح المعادلة، فأوغر ذلك صدور الشيعة بدورهم، أو قسم منهم على الأقل. هكذا أصبح العراق في أعقاب الغزو بفعل هذه السياسات غير المسؤولة -التي يراها البعض عمدية لتفكيك واحدة من كبريات الدول العربية- ساحة لما يشبه الحرب الأهلية، تشتد حيناً حتى يخيل للمرء أن العراق على وشك التفكك الكامل، وتهدأ حيناً آخر عندما يظهر صوت العقل، ولو للحظات، بين العراقيين، وهكذا أصاب المجتمع العراقي، بفعل سياسات الغزو، ما أصابه من أمراض لن يكون الشفاء منها ميسراً بأي حال، ناهيك عن تأثير هذا كله في العملية السياسية الوليدة في العراق. 

في نظام الحكم تصورت سلطات الغزو أن بمقدورها أن تقيم في العراق نظاماً ديمقراطياً، وهو هدف بعيد المنال في ظل السياسات السابقة، وهكذا جرى بعد الغزو أكثر من عملية انتخابية شابها ما شابها من تلاعب داخلي تحت ذرائع مختلفة، وتدخل خارجي وبصفة خاصة إيراني بوسائل عديدة. وبغض النظر عن تقييم محاولة بناء نظام "ديمقراطي" في العراق في ظل الغزو بصفة عامة فإن المؤكد أن مجمل سياسات الغزو قد جعل من نجاح هذه المحاولات أمراً مستحيلاً، فقد انقسم المجتمع العراقي على نفسه كما رأينا إلى الحد الذي أصاب قدرته على بناء تحالف وطني قادر على الإمساك بدفة الحكم، وها نحن ذا نرى أن القوى السياسية العراقية ما زالت عاجزة بعد أكثر من خمسة شهور على إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة عن أن تتفق فيما بينها على ائتلاف يتولى الحكم، مع أن هذه الانتخابات بالذات حملت الأمل في بداية قدرة العراقيين على عبور الخطوط الطائفية الضيقة إلى الساحة الوطنية الرحبة. وهكذا فإن العراق الذي أعلن الرئيس الأمريكي السابق قبل غزوه أنه سوف يجعل منه رأس رمح للتغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط أصبح نموذجاً للفشل في هذا الصدد. 

تبقى أمور أخرى تتعلق بحصاد الغزو، قد تكون على رأسها عملية إعادة إعمار العراق الذي نالت منه سنوات الحصار الطويلة قبل الغزو وعملية الغزو معاً، وقد وقعت هذه العملية بين براثن النهب المنظم لثروات العراق على أيدي الشركات الأمريكية العملاقة التي كان الغزو في الأصل والأساس بدافع من مصالحها، والفساد الداخلي الذي بلغ حداً يستعصي على التصديق، والذي ينهض على فداحته في كل يوم دليل جديد. وهكذا تحول الشعب العراقي الذي يفترض بحكم ثرواته أن يكون واحداً من أغنى شعوب المنطقة وأفضلها تمتعاً بمستوى راقٍ للمعيشة إلى الوضع المأساوي الذي نراه عليه الآن. 

هذا بعض من حصاد الغزو الأمريكي للعراق الذي تم ضمن ذرائع أخرى تحت رايات "الإصلاح"، ولم يغادر العراق -إن كان قد غادره حقاً- إلا جسداً تنزف منه جروح سياسية واجتماعية واقتصادية غائرة. فهل من منادٍ بعد ذلك بالتغيير من الخارج؟

Share