حصاد الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة

د. بشارة نصار شربل: حصاد الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة

  • 7 أكتوبر 2015

لم تكن الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا في ما ندر، مكاناً لحل النزاعات المستعصية، أو لتحقيق اختراقات استثنائية في الأزمات الدولية والثنائية، بل كانت فرصة للقاء أهل هذا الكوكب تحت عناوين عريضة تتمثل في برامج الأمين العام للمنظمة الدولية، ومناسبة لعرض العضلات أو استعراض المهارات السياسية والخطابية. وكانت الرسائل الداخلية الموجهة من زعيم أي دولة أو ممثلها إلى شعبه، قد احتلت مكانة بارزة في مضمون كل الخطابات.

كان ممثل دولة ما، خصوصاً إذا لم تكن كبرى ولاعباً رئيسياً على المسرح الدولي، يلقي كلمته أمام وفود غاب نصف أعضائها وغالب معظم الحاضرين منهم النعاس، وعينه على شوارع عاصمته وقواها السياسية والتوازنات الداخلية والإقليمية المعززة لسلطته أو لمن ينطق باسمه.

ولو أردنا جواباً مباشراً عما حققته الدورة السبعون للأمم المتحدة من حصاد؟ لقلنا: لا شيء لحل النزاعات المحتدمة في العالم، وبعض الشيء في الرؤية لمستقبل الأرض التي نعيش عليها مسالمين ومتقاتلين، حريصين على الإنسان والبيئة وسيادة القانون، ومدمرين لهذه العناصر الثلاثة أو بعضها. لذلك يعتبر اللقاء الأممي السنوي كنسمة هواء خريفية في نيويورك، منعشة لأصحاب الأمل والحالمين بمستقبل مزدهر للبشرية وتعاون يتجاوز الحدود والأعراق والخلافات، ومخيبة لمن يتوقع لقاءات قمة تفضي إلى نقاط محددة تنهي مأساة حروب مدمرة أو تضع اللبنات الأساسية لحلول ممكنة في الأمد القريب.

لم يقصر الأمين العام بان كي مون في التحضير للقمة ولا في تحضير أجندة قمة "التنمية المستدامة 2030" ولا في دفع 193 دولة من أصل 196 دولة تشكل أعضاء الأمم المتحدة إلى تبني عنوان طموح اسمه "خطة لكوكب الأرض، عالمنا المشترك"، جمع فيها 17 هدفاً و169 غاية لتجديد الشراكة العالمية والتعاون في ميادين محاربة الفقر والمناخ والبيئة وسيادة القانون ووقف التمييز والانتشار النووي والتصدي للإرهاب وحفظ السلام. لقد فعل بان كي مون ما يجب عليه ضمن قدراته ودق جرس الإنذار. فـ 100 مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدات، و60 مليوناً غادروا منازلهم هجرة وتهجيراً، وناشد الدول دفع 20 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الملحة؛ أي بمبلغ يزيد ستة أضعاف عما كان قبل عقد من الزمن.

رُبَّ قائل: إن ما فعله بان كي مون مجرد تقنيات تبدأ بإرادات طيبة ووعود، ثم تُترك لمشيئة الأقدار والتطورات. صحيح، لكن عمل المنظمة الدولية كان على هذا المنوال دائماً، وهو على الأقل يرسي خطة طريق مرجعية يعود إليها العالم دائماً حين تصفو النيات. إن بان كي مون لم يقصر في افتتاح الدورة السبعين في تشخيص المشكلات قبل أن تبدأ عروض الأقوياء وتظهر نجومية بعض الزعماء على حساب زعماء آخرين. وربما كان حديثه عن أن العجز الدبلوماسي للمنظمة الدولية حال دون حل نزاعات خطيرة، مثل النزاع السوري، أبلغ تعبير عن موقع المنظمة من الصراعات وقدرتها المحدودة على اجتراح العلاجات في غياب توافق أصحاب القضية وداعميهم.

إن المطلوب من منظمة الأمم المتحدة كثير. لكن هل بمقدورها أن تؤدي المهام المنوطة بها؟ لقد ورثت المنظمة الدولية "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تدرك أن الدور الذي لعبته زمن الحرب الباردة والقوتين العظميين، تبدل كثيراً بعد سقوط جدار برلين وبروز الأحادية القطبية. تغيرت مسارح الصراعات بالوكالة ونشأت قوى إقليمية كبرى تؤثر في الأمن والاقتصاد وحرية التجارة. وإيران مثال واضح على هذا النوع. والمنظمة تدرك من دون شك اليوم أن بعض النزاعات الدولية متروك على غاربه وعرضة للتجاذب بين سياسة أمريكية تبناها الرئيس باراك أوباما، جوهرها الانسحاب من الصراعات، وهجومية بوتينية هدفها إعادة إثبات الذات بعد شعور بالضعف والإذلال.

في عالم متحرك وسياسات معظمها تكتيكي، تتحرك المنظمة الدولية. تبني على تفاهمات بين الدول الكبرى لتدخل في الوقت المناسب وتقرب وجهات النظر، هكذا مثلاً تستند إلى "جنيف1" ليتابع ممثلها ستيفان دميستورا بعد الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان، جهود حل المسألة السورية الملتهبة. ولا تنسى المنظمة أن تتابع ما التزمت به منذ عشرات السنين في حفظ السلام بواسطة "القبعات الزرق" على الحدود بين أكثر من عدو وعدو في مختلف مناطق العالم.

خلافاً لبان كي مون وموظفيه، يفهم قادة العالم أن حضور اللقاء السنوي في نيويورك مناسبة لتوجيه رسائل أو لإطلاق مواقف أو استعراض قوة. وهذا العام كان عام القيصر الروسي الجديد فلاديمير بوتين بامتياز، فالرئيس باراك أوباما لقي تصفيقاً واستحساناً كبيرين لدى إلقائه كلمة المضيف. والبابا فرانسيس لقي تصفيقاً حاداً، ليس نظراً إلى جهوده الإصلاحية في الكنيسة، سواء من الناحية العقائدية، أو الإدارية فحسب، بل لنزعته الإنسانية العميقة ورؤيته المميزة لعلاقة الإنسان بالإنسان، والإنسان بالخالق. ومثل بابا الفاتيكان، حاز حسن روحاني وراؤول كاسترو وغيرهما اهتماماً، غير أن النجم من دون منازع كان الرئيس الروسي الذي جاء لحضور الجمعية العامة للمرة الأولى منذ تسلمه السلطة في موسكو قبل عشر سنوات، الذي أتى ليقول لواشنطن والغرب إنه قادر على المبادرات الخطرة وعلى القضم والهضم ومقاومة العزل، ومستعد لوضع العالم على حافة الحرب إن لم يعترف بدور وريث السوفييت في المشاركة بقيادة العالم.

على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدا بوتين وكأنه يستعيد مجد الاتحاد السوفيتي لكن بقدرات أقل وباقتصاد يوازي اقتصاد إيطاليا أو كاليفورنيا وبأسعار نفط تؤلم ماليته، غير أنه مستعد لارتكاب المجازفات وما على الآخرين إلا التعامل معه على هذا الأساس. أبلغ بوتين العالم عبر الأمم المتحدة أنه يرى انتهاء القطب الواحد الأمريكي، وفهم منه الذين ظنوا أن ثقافة الاستهلاك والتنمية الاقتصادية ستحل محل الأيديولوجيات، إنهم قصروا في فهم رئيس يستطيع إيقاظ المشاعر القومية وإطلاق الصواريخ العابرة للقارات والمشاركة المسلحة لإنقاذ نظام ديكتاتور سوريا، خلافاً لإرادة العالمين العربي والإسلامي وكل القوى المحبة للسلام وحقوق الإنسان. لم يكن عرض بوتين جزءاً من نجاحات الأمم المتحدة بالتأكيد. كان استغلالاً للمكان وللزمان في لعبة أمم يدفع ثمنها السوريون الأرواح والمال.

وبخلاف نجومية بوتين ورسائله المتفجرة وإقفاله عملياً "النافذة الدبلوماسية" للحل السوري من على منبر الجمعية العامة، سُجل تطور إيجابي تاريخي تمثل في رفع علم فلسطين أمام مبنى الأمم المتحدة، وهو إجراء رمزي ومعنوي. الخليج عبر ممثليه سجل مواقف حاسمة من النزاع في اليمن والتطورات في البحرين وسوريا، لكنه أجمع على "الخطر الإيراني" وأبلغ المنظمة الدولية أن العيش بسلام بين الجيران يتطلب الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إن حصاد الجمعية العامة مشاريع مستقبلية لا يعارضها أحد، ونزاعات تنتظر توافقات، ومصافحات تسجل بين خصوم، وتسجيل مواقف معروفة، وعرض عضلات، وكأنها مهرجان سنوي لا بديل منه وسيبقى يجتذب السياسيين والصحفيين والفضوليين والكاميرات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات