حسابات معركة الحسم

د. بشارة نصار شربل: حسابات معركة الحسم

  • 23 يوليو 2006

مهما كانت النتائج التي ستنتهي إليها عملية "الوعد الصادق"، التي أسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين وأطلقت "عش الدبابير" الإسرائيلي، فان سؤالاً أساسياً سيبقى مطروحاً في لبنان حتى أمد طويل، وهو: هل يستحق الهدف المعلن، وهو مبادلة ثلاثة أسرى لبنانيين، التضحية بمئات القتلى وآلاف الجرحى وتدمير البنية التحتية؟ وهل أن عملية الأسر كانت فعلاً عملاً لبنانياً هدفه الأخلاقي مشروع ومعروف، أم إنها كانت ذات توقيت متعلق بالملف النووي الإيراني، الذي أحيل قبل 24 ساعة من حصولها، على مجلس الأمن؟

يصعب في الوقت الحاضر التكهن بما سيؤول إليه الوضع في لبنان. فهذا البلد يعيش حالياً تحت وطأة حرب مدمرة وحصار محكم لموانيه، وتحت ضغط سياسي دولي يحاول لملمة الأجزاء المتناثرة من الصراع الإقليمي الدائر بين محور طهران-دمشق وبين الغرب، وذلك بهدف عزل جزء متفجر من النزاع وضمان ألا تقود عملية مثل تلك التي نفذتها "المقاومة الإسلامية" في جنوب لبنان إلى حرب شاملة في المنطقة لا يدري أحد نتائجها ونهاياتها.

وفي الموازاة، يعيش لبنان في المرحلة الراهنة أدق وضع سياسي داخلي بين قواه السياسية وطوائفه الأساسية. فالانقسام الذي كان حاصلاً قبل اشتعال البركان بين قوى "14 مارس/آذار"، التي  تشكل الغالبيتين الحكومية والنيابية وبين قوى "8 مارس/آذار"، وعصبها الاساسي "الثنائية الشيعية" المؤلفة من حركة "أمل" و"حزب الله"، هذا الانقسام يتجدد اليوم مع الموقف المتصاعد تدريجياً للأكثرية، التي ترى أن "حزب الله" تفرد بقرار السلم والحرب، وجر لبنان الى "مغامرة غير محسوبة"، وأنه تجاهل وجود دولة وحكومة ورأي آخر في البلاد يرى أن تحرير الأسرى ومزارع شبعا وسائر المطالب التي يرفعها "حزب الله" يمكن أن يتم على غرار الأسلوب السوري المعتمد إزاء موضوع الجولان المحتل؛ أي التمسك بالشرعية الدولية، ورفض التسوية المجتزأة، والحفاظ على السلم الداخلي، ومتابعة التنمية. هذا الطرف المعارض لقيام "حزب الله" بعملية تجر حرباً إلى لبنان في وقت تتم فيه إعادة بناء الدولة بصعوبة بالغة، لم يتردد في إعلان أن "الوعد الصادق" ليس مجرد توقيت خاطئ، بل هو توقيت قاتل، وانقلاب على الحوار الجاري بين مختلف الأطراف اللبنانية منذ أشهر، والذي وصل إلى عقدة "استراتيجية الدفاع"، التي تعني عملياً قرار السلم والحرب؛ أي قرار احتكار هذا القرار، وهل يحق لحزب أن ينفرد به، أم هو جزء من سيادة الدولة الكاملة الأركان؟

لا يخفي كثيرون من منتقدي عملية "حزب الله" أنهم فوجئوا بها في وقت كان الحزب فيه يرفع شعار نقاش موضوع السلاح والانفتاح على الاقتراحات. لذلك رأى أكثر من طرف سياسي ضمن قوى "14 مارس/آذار"، وخصوصاً الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أن العملية ليست إلا تعبيراً عن ثأر، أراده الرئيس بشار الاسد و"حليفه" الرئيس إميل لحود، من قيام "حكومة استقلال" بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري. بل رأى بعضهم أنه لا يمكن تفسير تلك العملية إلا على أنها "أمر عمليات" من محور دمشق-طهران هدفه الرد على تطورات الملف النووي إيرانياً وخلط الاوراق خشية المحكمة الدولية سورياً.

ولا يخفى أن هذا النوع من الكلام الصريح بقدر ما هو مطلوب في زمن الشدة اللبنانية الحالية لئلا يقال إن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وتضيع البلاد بين المزايدات والمسايرات، فانه قد يؤسس لتوتر مذهبي عملت القوى السياسية المختلفة منذ اغتيال الحريري على تجنبه وعلى دفنه في مهده، منتبهة إلى أن ما يجري في العراق قد ينجر على المنطقة إذا لم تؤخذ خطورته في الحسبان.

بيد أن الموقف السعودي، الذي حمّل "حزب الله" مسؤولية أخذ المنطقة إلى مغامرات لمصلحة غير لبنانية ومن دون الرجوع إلى الدولة اللبنانية، أضاف إلى المخاوف المحلية بعداً إقليمياً، خصوصاً أن هذا الموقف تدعم بما يشبهه من الأردن ومصر، وكأن حديث "الهلال الشيعي"، الذي صدر عن الملك عبدالله الثاني يعود إلى الأذهان، أو أن تصريح الرئيس مبارك بأن الشيعة لا يوالون أوطانهم يبرز من جديد.

واللافت لبنانياً أن يقوم سعد الحريري رئيس "تيار المستقبل" وهو التيار السني الرئيس في لبنان، بتأييد الموقف السعودي من دون "لبننتة". وكأن "حزب الله" من جهة والقوى المتعارضة معه من جهة أخرى يريان أن معركة "الثمن الرادع" الإسرائيلية ليست مناوشات أو أعمال انتقام فحسب، بل هي معركة حسم ستؤدي إلى تغيير المعادلات، فإما أن تنفجر حرب إقليمية تتورط وتشارك فيها دمشق وطهران رغم ضعف هذا الاحتمال، وإما أن تتدمر البنية التحتية للبنان وتُدمر معها البنية العسكرية لـ"حزب الله"، ويُفتح الباب واسعاً امام تطبيق القرار 1559، الصادر عن مجلس الأمن، والذي يطالب ببسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وهو القرار الذي  تتحرك كل سياسات لبنان في ظله معارضة أو تأييداً، وترتسم خطوط التماس السياسية أو متاريسها أو التحالفات انطلاقاً مما جاء فيه.

لم يستطع اللبنانيون من خلال جولات الحوار المتعددة التوافق على مسألتين أساسيتين: الأولى، مصير رئيس الجمهورية، الذي اعتبره  القرار 1559 غير شرعي ويتصرف المجتمع الدولي إزاءه على هذا الأساس. والثانية، سلاح المقاومة. واذا كان الرئيس بقي في منصبه مدعوماً من سورية وإيران و"حزب الله" بصفته أمراً واقعاً، فان القوة العسكرية المدمرة التي أشعل فتيل بركانها "حزب الله" تقوم الآن بمحاولة حسم قضية هذا السلاح. ستستفيد أطراف الحكومة والأكثرية النيابية من هذا التطور إذا تعرض "حزب الله" لانتكاسة كبرى في المواجهة، لكن المخاطر على الداخل اللبناني حقيقية، والخاسر في النهاية هو لبنان الذي كان بإمكانه تجنب كأس التوقيت الخاطئ والرد الصاعق والتوتر بين مكونات مجتمعه لو أن الحوار لم يستخدم من أجل إضاعة الوقت والانتظار. انتظار من؟ خارج يعمل لمصلحته، أم قناعات تؤدي إلى مغامرات، أم أعمال محسوبة تفضي إلى نتائج وانتصارات؟

Share