حسابات حركة "حماس" على خلفية المستجدات السورية والمصرية

  • 12 ديسمبر 2011

ارتباطاً بالتقارير التي تحدثت عن متغيرات العلاقة بين حركة "حماس" وكل من سورية ومصر، على خلفية المستجدات التي تشهدها هاتان الدولتان، ثمة ما يستدعي متابعة حسابات هذه الحركة، في ضوء المفاعيل السياسية والاستراتيجية لتلك المستجدات، وسبل التعامل معها، وانعكاسات ذلك على أداء الحركة وتوجهاتها بشأن الصراع مع إسرائيل، راهناً ومستقبلاً.

بخصوص العلاقة بين حركة "حماس" وسورية، لوحظ أنه، بين التقارير التي تناولت هذه العلاقة، برزت حالتان كثيفتان تضمنتا مسألة اعتزام قيادة الحركة مغادرة دمشق؛ الأولى في أواخر شهر إبريل(نيسان) الماضي، والثانية في أوائل ديسمبر(كانون الأول) الجاري. وفي كلا الحالتين كانت غالبية تلك التقارير إسرائيلية أو غربية، وكانت مصادرها مُغفلة، تَطرح الأمر من زاوية "اضطرار" حركة "حماس" لمغادرة دمشق بتأثير التطورات المتسارعة في سورية، مع نشوء ظروف خارجية مساعدة، أي توفّر قوة "نابذة" وأخرى "جاذبة".

وكانت قيادات الحركة تجد نفسها مضطرة لنشر ردود تنفي ما يُقال عن موضوع المغادرة، بفعل طبيعة العلاقة بين "حماس" وسورية، إلى جانب توضيح موقف الحركة من الأحداث التي تشهدها الساحة السورية.

ولدى استعراض مضامين ردود "حماس" في الحالتين كلتيهما، يتضح أن الحركة دأبت على الحديث عن العلاقة الاستراتيجية التي تربط بين "حماس" وسورية، والإشادة بسورية وبمواقف قيادتها إزاء قضية فلسطين ومواجهة العدو الصهيوني، واحتضانها ودعمها للشعب الفلسطيني ولحقوقه المشروعة، ومساندة سورية لفصائل المقاومة، وضمناً حركة "حماس"، في أحلك الظروف وأصعبها، ومواجهة التحديات والمخاطر الكبيرة، وصمودها أمام كل الضغوط والدعوات الخارجية للتخلي عنها أو طردها من سورية، من أجل التمسك بدعم نهج الممانعة والمقاومة في المنطقة.

كما شددت الحركة على أن "حماس"، انطلاقاً من مبادئها التي تحترم إرادة الشعوب العربية والإسلامية وتطلعاتها، تتمنى لسورية دولة وشعباً الاستقرار والحرية والديمقراطية، ولا تسمح لنفسها بالتدخل في شؤون سورية الداخلية، مع الإعراب عن الأمل بتجاوز الظرف الراهن بما يحقق تطلعات الشعب السوري، وبما يحفظ استقرار سورية وتماسكها الداخلي ويعزز دورها في صف المواجهة والممانعة. فضلاً عن طمأنة القيادات السورية بأن "حماس" لن تدير ظهرها لسورية وقت الشدائد، وأنها تؤدي دوراً غير معلن لدى بعض أئمة الجوامع والقوى الدينية في سورية، التي لها صلات معهم، لتهدئة الأوضاع الداخلية الملتهبة.

وفي الوقت ذاته، كانت "حماس" تصف الأحاديث عن مغادرة قيادتها لدمشق، بأنها دعاية مُغرضة لا أساس لها من الصحة، وأنها جزء من محاولات التشويش على المصالحة وإرباك الساحة الفلسطينية، مع تأكيد عدم التفكير أصلاً بالمغادرة، وغياب أي مبررات لها، وإبداء الأسف لمحاولة بعض الجهات تفسير تنقلات بعض قادة "حماس" التي تقتضيها ظروف العمل لبعض الكوادر على أنه قرار بمغادرة لسورية.

والمثير في الأمر، أن تلك التقارير تحدثت عن دول بعينها، ينسب إلى قيادة "حماس" البحث في خيارات الانتقال إليها، مع إيراد "التفاعلات" بين الحركة وهذه الدول.. ولدى التدقيق في بنية المادة الإخبارية والتحليلية المتعلقة بذلك، يمكن التمييز بين الحالتين (الموجتين) اللتين أوردتا تلك الخيارات.    

في الحالة الأولى؛ رشّحت التقارير قَطَر والسودان والأردن، بالدرجة الأولى، لاستقبال قيادة "حماس"، وقيل يومها إن الدوحة والخرطوم طلبتا قوائم بأسماء القيادات والكوادر التي ترغب الحركة في نقل إقامتهم إليهما، وإنهما ستقرران وفق اعتبارات ومعطيات محددة من سيسمح له بالإقامة. ونسبت "المصادر" إلى المسؤولين القَطَريين قولهم إن قَطَر قد تستقبل القيادة السياسية لحركة "حماس"، بينما قد يسبب "قياديون معينون" إحراجات للدوحة، بالإضافة إلى مخاطر أمنية، خاصة أن بعض هؤلاء مطلوبون لإسرائيل ولدول عديدة بسبب علاقتهم بالجهاز العسكري للحركة وشبكات تهريب الأموال والسلاح. أما بخصوص الأردن، فذكرت "المصادر" أن عمّان يكفيها صداع "الأخوان المسلمين"، وقوتهم "جبهة العمل الإسلامي"، التي تتصدر الاحتجاجات الأردنية، ولا ينقص عمّان وجود قيادات "حماس" في الأردن، وخاصة في ظل ارتباط "حماس" بجماعة الإخوان بوشائج عميقة سياسية وتنظيمية. وبالإضافة إلى ذلك، سيقت احتمالات حول عودة قيادات "حماس" العسكرية إلى قطاع غزة، ومغادرة نائب رئيس المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق سورية إلى مصر، وهو ما نفته الحركة أيضاً، مع إشارتها إلى أنها غير مستعجلة على مصر إلى أن تتعافى أولاً بعد الثورة.

وفي الحالة الثانية (الأخيرة)؛ ركّز قادة "حماس" على أنهم موجودون مع عائلاتهم في سورية، وأن مكاتب الحركة تعمل بصورة طبيعية، ولا نية لإغلاق مكاتبها بدمشق أو البحث عن بديل جغرافي خارج سورية.. ومع ذلك، جرى تلقف الثورة المصرية وتداعياتها لتكون باعثاً على إثارة موضوع العلاقة بين "حماس" و"مصر الجديدة".

وبقدر وضوح موقف "حماس" في الشأن السوري، كان هذا الموقف من النوع ذاته في الشأن المصري. فمنذ البدء، أشادت الحركة بالنموذج المصري للثورات الشعبية وما أفرزته من نتائج طيبة، وباركت الدور المصري في المصالحة الفلسطينية. وأبدت الحركة استعدادها للتنسيق مع مصر استراتيجياً وتكتيكياً، مع التقدير بأن "إحدى مسؤوليات مصر الجديدة التي نأملها، رسم استراتيجية جديدة للصراع"، على حد قول زعيم حماس خالد مشعل(6 مايو2011).

وبعد الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية، وما أفضت إليه من فوز للإسلاميين بنسبة كبيرة من المقاعد، أخذت حركة "حماس" تُفصح عن نشوتها بهذا الإنجاز، الذي قدّرت أنه سيملأ فيه "الإخوان المسلمون" الأشرعة المصرية، وراحت تبحث عن الكيفية التي سيترك فيها ذلك الفوز بصماته على قضية فلسطين، وعلى العلاقة مع قطاع غزة والمقاومة و"حماس" بوجه خاص.

لقد كان الانطباع الأولى لدى مختلف الأوساط السياسية، أن فوز "الإخوان المسلمين" في الانتخابات المصرية سيعزز قوة "حماس"، لأنها بمنزلة "الذراع الفلسطيني للإخوان المسلمين"، ورأت "حماس" أن هذا الفوز سيعيد الدور المصري إلى ما كان في مساندة القضية الفلسطينية، وأنه سيتيح استعادة حقيقية للعمق العربي والإسلامي، وسيكون رفع الحصار عن قطاع غزة في سياق هذه المسيرة.

وباعتقاد "حماس"، لا يدور الحديث عن تغيير فوري، بل لابد من الانتظار إلى مرحلة استقرار الحكم والخارطة السياسية المصرية الجديدة، وهو ما يستدعي من "حماس" التصرف بهدوء وبانضباط مسؤول، ولا سيما في موضوع عدم "تسخين" الحدود مع إسرائيل.

عند هذا الحد يجدر فحص حسابات "حماس" في إطار البيئة الاستراتيجية التي تحيط بها، وهنا لا يمكن إغفال العامل الإيراني؛ حيث من المفترض أن تراعي الحركة موقف إيران وعلاقتها مع سورية، وأن تأخذ بعين الاعتبار تحفّظ إيران على أي موقف للحركة يُبعدها عن دمشق أو يقرّبها من أنظمة عربية تُصنّف بأنها "معتدلة". كما يتعين الانتباه إلى تأثير العامل الإسرائيلي على خيارات الحركة، سواء بصورة مباشرة لاعتبارات الصراع، أم بخصوص علاقة السلام القائمة بين إسرائيل ومصر، وما تتركه من مرتسمات على موقف مصر الرسمي من "حماس".

وفي كل الأحوال، من المُستبعَد أن تقع "حماس" في مأزق استراتيجي خطير، في علاقاتها العربية، حيث بيّنت الخبرة الغنية للحركة أنها تعتمد استراتيجية مدروسة بعناية، تتصف بالدقة والتوازن، تُرضي فيها جميع الذين تربطهم بها علاقات مبدئية أو براغماتية، دون أن تضع بيضها في سلة واحدة. لهذا نجدها قريبة من سورية وإيران وحزب الله، وقريبة من مصر ودول الخليج، كما أنها تجري اتصالات مع دول أوروبية.. ومن المرجح أن تحافظ "حماس" على هذه الصيغة المركّبة.

ولا بد أن "حماس" تدرك أن الإسلاميين في مصر لن يكونوا القوة المقررة الوحيدة في الشؤون المصرية، الجارية والاستراتيجية، على حد سواء، وأنهم سيجدون أنفسهم محكومين بتعقيدات داخلية وباتفاق السلام مع إسرائيل، وهو ما سيفتح نافذة لسجال مستقبلي، ليس فقط بين الإسلاميين أنفسهم، وإنما أيضاً بينهم وبين بعض القوى الداخلية والخارجية و"حماس".. ومن المرجح أن تتعايش "حماس" مع الواقع الجديد، الذي يعدّ حتى الآن افتراضياً، لأن ليس لديها ما تضغط به لتغيير هذا الوقع، وبالتالي ثمة ما يعزز الانطباع بأن "حماس" ستتجنب – وفق المعطيات الحالية – اتخاذ قرار استراتيجي بحجم نقل ثقلها القيادي والتنظيمي من دمشق إلى القاهرة، وستكون معنية بمواصلة سيرها في منحى الحفاظ على "الوضع الراهن".

وعلى صلة بذلك، ليس هناك ما يشير إلى أن "حماس" ستغير منحى أدائها العام، حيث تتبنى الحركة خيار المقاومة المسلحة، فيما هي تنخرط بحوار ومصالحة مع السلطة الفلسطينية التي لا توافق على هذا الخيار، وتقبل بدولة فلسطينية في حدود عام 1967، مع تمسكها بمبدأ تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر.. هذه هي "حماس" التي يشهد لها الكثيرون بأنها تجيد اجتياز المسالك الوعرة.

Share