حزب الله ومحاولة اختطاف لبنان

فتوح هيكل: حزب الله ومحاولة اختطاف لبنان

  • 11 مايو 2008

سقطت كل الخطوط الحمراء، وعاش لبنان مجدداً أجواء الحرب الأهلية التي اكتوى بنيرانها خلال الفترة 1975-1990، بعد قيام المعارضة بقيادة حزب الله اللبناني بالانقلاب على الحكومة وفرض سيطرتها على العاصمة بيروت بقوة السلاح، وما تلا ذلك من اشتباكات مسلحة بين أنصار الأكثرية والمعارضة، استمرت لعدة أيام، أسفرت عن سقوط نحو 37 قتيلاً وعشرات الجرحى، وتخللها كثير من عمليات قطع الطرق والشوارع بين الجانبين، وسط مؤشرات على اشتعال الفتنة المذهبية، بعد انتقال المواجهات المسلحة من بيروت إلى مناطق سهل البقاع في الشرق ومناطق الشمال والجنوب، قبل أن يستعيد الجيش زمام الأمور، وتقوم المعارضة بسحب مسلحيها وميليشياتها من الشوارع مع إبقاء العصيان المدني مستمراً‏.‏

ما شهدته بيروت خلال الأيام الماضية أعاد إلى الأذهان سيناريو "الانقلاب المسلح" الذي نفدته حركة حماس في قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007؛ فقد اجتاحت أعداد كبيرة من ميليشيا حزب الله شوارع العاصمة بيروت، وفرضت سيطرتها على كثير من المناطق، لاسيما منطقة بيروت الغربية، وقامت بإغلاق الطرق الرئيسية بما فيها طريق مطار رفيق الحريري الدولي‏،‏ كما قامت ميليشيا الحزب بفرض سيطرتها على كثير من المؤسسات والمواقع التابعة للموالاة ولتيار المستقبل الذي يتزعمه النائب سعد الحريري، لاسيما المؤسسات الإعلامية، كجريدة وتلفزيون المستقبل وإذاعة الشرق، والتي تعرضت جميعها للحرق والتدمير الجزئي، قبل قيام الجيش اللبناني باستعادتها.

ومثلما احتفلت حماس بـ"نصرها المؤزر" على شركائها في الوطن (حركة فتح)، احتفل حزب الله وأعوانه أيضاً بـ"النصر المظفر" الذي حققوه على فريق الموالاة، وهو أمر لم يكن مفاجئاً لأحد؛ فالحزب الذي خرج من حرب تموز/يوليو 2006 قوياً، لايزال يمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة والصواريخ فضلاً عن العناصر البشرية المدربة، فيما ليس لدى "أعدائه الحاليين"، تيار المستقبل أو الأحزاب الأخرى في لبنان، أية ميليشات أو قوات منظمة أو أسلحة حديثة، ومن ثم فليس غريبا أن يحقق الحزب النصر عبر توجيه سلاحه "سلاح المقاومة!!" إلى صدور اللبنانيين وإرهابهم، بعد أن ورطهم في العام 2006 في حرب لا مبرر لها، قتلت منهم أكثر من 1200 شخص، ونشرت الدمار والرعب في أرجاء لبنان.

النصر المظفر الذي حققه حزب الله على شركائه في الوطن هو انتصار بطعم الهزيمة؛ لأن الأحياء التي سيطر عليها الحزب بقوة السلاح قبل تسليمها للجيش، أسقطت شرعية سلاح المقاومة، وأكدت للبنانيين قبل غيرهم أن هذا السلاح لم يعد يستخدم ضد إسرائيل، وإنما أصبح موجهاً للداخل وموظفاً لخدمة قوى إقليمية أخرى، لا يعنيها أن يحترق لبنان ويدمر مادام ذلك يحقق مصلحتها. لقد خسر الحزب بانتصاره المر الإجماع الذي التف حوله قبل ثماني سنوات من جانب اللبنانيين والعرب كافة، بعد أن تحوّل من حزب مقاوم للاحتلال إلى ميليشيا مسلحة تدافع عن مصالح طائفة محددة، وتوجه سلاحها إلى أبناء الوطن الذي كانت تدافع عنه في السابق؛ فصور أمين عام حزب الله لم ترفع بعد هذا النصر الأسود في العواصم العربية مثلما رفعت بعد النصر الذي حققه على إسرائيل في مايو/أيار 2000، ويوليو/تموز 2006، والأهم من كل ذلك، أن النصر الذي حققه السيد حسن نصرالله على سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع قطع آخر الخيوط التي كان من الممكن أن تدفع إلى حل وتسوية الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، فقد عمقت هذه النكسة الدامية حالة الاحتقان الداخلي، وجعلت الجميع يفقدون الثقة في أية تسويات ممكنة طالما ظل هناك طرف يحاول فرض شروطه على الآخرين بقوة السلاح.

التصعيد الأخير من جانب حزب الله، والذي يعد الأكثر خطورة في مسار الأزمة السياسية الممتدة التي يشهدها لبنان منذ ما يقرب من عامين، جاء بعد قيام الحكومة اللبنانية بإبعاد العميد وفيق شقير، مدير أمن مطار بيروت المقرب من حزب الله، عن منصبه بعد اتهامه بالتغاضي عن قيام الحزب بزرع كاميرات مراقبة بجوار مطار بيروت لمراقبة الوافدين والمغادرين، وبعد حظر الحكومة أيضاً شبكة الاتصالات الأرضية التي أقامها الحزب لمسؤوليه وقادته العسكريين. ورغم أن مثل هذه الإجراءات تعد طبيعية وضرورية للحفاظ على أمن لبنان وسيادته، لاسيما في ظل التقارير والوثائق التي تشير إلى دور إيراني في هذه الشبكة، فإن السيد حسن نصر الله رأى فيها "حرباً" ضد المقاومة، قائلاً إنه لن يتساهل مع أحد في هذا الأمر، وإن اليد التي ستمتد إلى الشبكة وسلاح المقاومة سيقطعها أياً تكن!!، كما اعتبر أن إبعاد العميد وفيق شقير يهدف إلى وضع اليد على المطار وتحويله إلى قاعدة للـ "إف بي آي" والـ "سي آي إيه" والـ "موساد"، بل وصل الأمر به إلى حد التهديد غير المباشر باستهداف أي شخص يمكن أن يحل محله باعتباره عميلاً وخائناً!!.

لا أحد يستطيع أن يمنع حزب الله من تأمين قادته ومسؤوليه خاصة وأنه مازال مستهدفاً من إسرائيل، ولكن ذلك ينبغي أن يكون بالتعاون والتنسيق مع الحكومة اللبنانية التي لها كل الحق في اتخاذ مثل هذه القرارات التي تحفظ للدولة سيادتها وكيانها؛ إذ لا يعقل أن يستخدم فصيل أو جماعة معينة شبكة اتصالات واسعة خاصة به دون أن يكون للدولة سلطة عليها، ولاسيما أن هذه الشبكة ازدادت سعتها من نحو 4000 خط إلى ما يقرب من المليون خط حالياً، كما لا يمكن لأي دولة التساهل إزاء قيام فصيل أو جماعة محددة داخلها بزرع كاميرات مراقبة على منافذها ومطاراتها بدون علم أجهزتها الرسمية؛ فهذا ينتقص من سلطة الدولة وسيادتها. غير أن حزب الله لا يريد أي سلطة على دولته الخاصة التي أقامها داخل لبنان، بل يريد أن يفرض منطق دولته هو على الدولة اللبنانية، وإلا اعتبرت خائنة ومتآمرة على المقاومة.

لقد قسم السيد نصر الله اللبنانيين إلى مشروعين متصارعين، أحدهما وطني مقاوم وشريف يمثله حزب الله وأعوانه، والآخر خائن وعميل للأمريكيين والإسرائيليين، يمثله فريق السلطة والموالاة، ولكنه لم يقل لمصلحة من يعمل هو؟.. الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير والاجتهاد، فحزب الله هو رأس حربة لتنفيذ أجندة إيران في المنطقة‏، وليس جديداً الحديث عن هذه الأجندة الإيرانية‏،‏ فطهران تحاول دائماً توظيف جميع الأوراق التي بحوزتها لتعزيز نفوذها الإقليمي. ويبدو أن الضربات التي تعرضت لها مؤخراً في العراق بعد استهداف ميليشيا جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، وانقلاب الحكومة العراقية عليها واتهامها بزعزعة الاستقرار في العراق، فضلاً عن التوتر غير المعلن الذي بدأ يشوب التحالف السوري-الإيراني بعد إعلان دمشق رغبتها في التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية بخصوص الجولان المحتل، كل ذلك دفع بطهران إلى إشعال الجبهة اللبنانية لتأكيد أنها ما زالت ممسكة بخيوط اللعبة الإقليمية.

ما قام به حزب الله في بيروت هو انقلاب مسلح على لبنان وديمقراطيته وسلمه الأهلي، كشف بوضوح زيف ادعاءات الحزب بأن سلاحه لن يكون موجهاً إلا إلى إسرائيل فقط، وهو أمر يطرح بقوة مسألة سلاح الحزب للنقاش أكثر من أي وقت مضى، فهذا السلاح لم يعد سلاح مقاومة، بل أصبح سلاحاً طائفياً موجهاً لباقي الفرقاء اللبنانيين ولخدمة أجندات خارجية، وأي تسوية للأزمة في لبنان لا تأخذ بعين الاعتبار إنهاء هذا الوضع الشاذ وجعل السلاح حصرياً بيد الدولة، لن تحقق الأمن والاستقرار في لبنان على المدى البعيد؛ فامتلاك طائفة أو قوة محددة للسلاح داخل لبنان سيجعلها تسعى دائماً لفرض إرادتها وأجندتها على باقي القوى استناداً لقوة السلاح.

لا يشكك أحد، بما في ذلك الحكومة اللبنانية وقوى 14 آذار، في قدرة حزب الله على احتلال لبنان بالكامل في ساعات قليلة، لكن النتيجة ستكون مدمرة للحزب قبل لبنان؛ فالقوى الإقليمية والدولية لن تسمح بتكرار سيناريو سيطرة حماس على غزة في لبنان؛ لأن سيطرة حزب الله على لبنان تعني عملياً خضوعه للاحتلال الإيراني، وهو أمر لن تقبل به الدول العربية، لاسيما مصر والسعودية، والتي مازالت تعاني من خضوع العراق للهيمنة الإيرانية، كما لن تقبل به فرنسا، التي أعلنت أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحدث في بيروت، ولن تقبل به إسرائيل التي تعد العدة للانتقام من الحزب بعد هزيمتها في حرب تموز/يوليو 2006، ولن تقبل به الولايات المتحدة التي تصنف الحزب كمنظمة إرهابية، وبالتالي فإن إقدام الحزب على خطوة كهذه يعني عملياً فرض حصار إقليمي ودولي كامل عليه، دونما استبعاد لخيار القوة المسلحة لتصحيح الخلل الذي قد يترتب على ذلك.

ما يجري في لبنان الآن يقتضي وقفة وطنية حقيقية من جانب فريقي الأكثرية والمعارضة، والنظر إلى مستقبل لبنان بعين لبنانية خالصة متحررة من كل الاعتبارات الطائفية أو المصلحية الضيقة، فسياسة التصعيد لن تؤدي إلا إلى إشعال الفتنة والحرب الأهلية، التي يدرك اللبنانيون أكثر من غيرهم، مدى خطورتها على الجميع. كما ينبغي على المعارضة، وخاصة حزب الله، أن يدرك أن الاستمرار في سياسة التصعيد وإشعال الوضع الداخلي اللبناني سيقضي تماماً على التأييد الشعبي الذي كان يتمتع به على المستويين العربي والإسلامي، والذي بلغ ذروته خلال تصديه للحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة، خاصة في ظل إصرار العديد من الأطراف على توصيف هذه الأزمة، ضمن إطار الصراع المذهبي الشيعي-السني في المنطقة، فما بناه الحزب من سمعة طيبة عبر تاريخه النضالي الطويل أصبح اليوم على المحك، فإما أن يثبت أنه تيار سياسي وطني ومقاومة لبنانية خالصة، أو أن يكون مجرد ذراع لإيران، تستخدمه لتحقيق مصالحها وأهدافها في المنطقة، وهو ما سينذر في هذه الحالة بتحويل لبنان إلى عراق آخر تقطع أوصاله الصراعات الطائفية والمذهبية!!.

Share