حزب الله.. خطاب “تصالحي” يواجه هبّة شعبية تصر على محاسبته

  • 12 أغسطس 2020

عقب الانفجار الهائل الذي ضرب العاصمة اللبنانية بيروت، وتسبَّب بخسائر وأضرار بشرية ومادية فادحة، ارتفع منسوب غضب اللبنانيين تجاه الطبقة السياسية التي تجثم على هرم السلطة في البلاد وتتحكّم في مفاصل الدولة، وخاصّة عقب خطاب زعيم “حزب الله” حسن نصر الله، الذي نفى فيه وجود أي ذخيرة أو سلاح للحزب في مرفأ بيروت، ودعا إلى تحقيق عادل وشفاف.

نصر الله الذي ألقى باللائمة على وسائل الإعلام المحلية والعربية، واعتبر أنها زادت من الاحتقان في أوساط اللبنانيين بتوجيهها أصابع الاتهام إلى حزبه، حاول الالتفاف على الحقائق التي يفرضها واقع الحال، ودغدغة الشعور العام من خلال مطالبته الجيش – باعتباره المؤسسة التي يثق بها اللبنانيون ويلتفون حولها – بإجراء التحقيقات اللازمة حول الحادثة، قائلاً: “إذا كانت مؤسسة الجيش موثوقة لدى كل اللبنانيين والقوى السياسية اللبنانية والزعامات السياسية، فتفضلوا وكلفوا الجيش اللبناني طالما تقولون إنكم تثقون به. ليُحقق الجيش ويعلن النتائج”، في لغة لا تخلو من لهجة الاستعلاء التي دأب على توظيفها في خطاباته.

محاولة زعيم حزب الله التنصّل من أي مسؤوليات تجاه الانفجار تصطدم بتأكيدات الخبراء المبنية على وقائع سابقة مثبتة تُظهر – بما لا يَدَع مجالاً للشك – ارتباط مادة نترات الأمونيوم بحزبه، فقد تم اعتقال أحد عناصره في قبرص عام 2012، بينما تحدثت تقارير صحفية عن تخزين الحزب كميات كبيرة من هذه المادة في دولتين أوروبيتين خلال السنوات الماضية، قبل أن يتم اكتشافها ومصادرتها، وهو ما كشفت عنه الاستخبارات البريطانية عام 2015 التي أكدت اكتشافها أنّ الحزب كان يحتفظ بثلاثة أطنان مترية من المادة المتفجرة، في آلاف الأكياس في 4 مواقع شمال غربي العاصمة لندن، بعد أن تلقت بلاغاً في هذا الشأن من دولة أجنبية لم تُسمّها. سوابق حزب الله في هذا المجال متعددة وتدعم الشبهات التي تدور حول مسؤوليته الكاملة تجاه ما حدث في مرفأ بيروت يوم الرابع من أغسطس الجاري، ومن بينها قيامه في حادثة سابقة بتخزين كمية بلغت 8.4 طن من نترات الأمونيوم في مناطق جنوبي ألمانيا، وتمكنت أجهزة الأمن الألمانية من العثور عليها ومصادرتها، وذلك خلال حملة دهم نفّذتها في إبريل الماضي، وشملت عدداً من المساجد والأماكن السكنية التي ينشط فيها الحزب في مختلف أنحاء البلاد، وذلك بالتزامن مع حظر أنشطته في ألمانيا.

ردود الفعل على خطاب نصر الله، الذي عرض فيه تقديم المساعدات للمدنيين المتضررين جراء الانفجار واحتواء المشردين منهم، كشفت عن فجوة كبيرة أصبحت تفصل حزبه عن الشارع اللبناني تجلّت في الرفض الواسع لما طرحه، والإصرار الشعبي على محاسبة الحزب وإنهاء ما كان يبدو أنه حصانة يتمتع بها ضد القوانين والأنظمة التي تحكم الدولة اللبنانية.

ويعتبر حزب الله، المدعوم من إيران، لاعباً رئيسياً في لبنان، ولاسيما أنه يمتلك ترسانة عسكرية كبيرة وميليشيا مدربة ومنظمة يعتمد عليها في تهديد وترهيب القوى المناوئة له، ولطالما شكّل نزع سلاحه عنواناً خلافياً بين القوى السياسية. كما يُتهم بالسيطرة أمنياً على المَنفذين الرئيسيين في البلاد، وهما مرفأ بيروت المنكوب ومطارها، الأمر الذي حاول نصر الله نفيه في خطابه عندما أكّد أن لا علاقة لحزبه بمرفأ بيروت، وأنه لا يُديره ولا يسيطر عليه. كما حاول دغدغة المشاعر مرة أخرى بقوله إنّ الحزب قد يكون أكثر معرفة ودراية بمرفأ حيفا من مرفأ بيروت انطلاقاً من استراتيجيته في الدفاع عن لبنان.

في هذه المرة جنح نصر الله، على غير عادته، إلى استخدام نغمة تصالحية في محاولة منه لتفادي العاصفة، خصوصاً أنه يواجه حالياً استحقاقاً مهماً؛ إذ كان من المفترض أن تنطق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يوم الجمعة الماضي، بالحكم في حق أربعة متهمين من عناصر الحزب وقادته في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، قبل أن تعلن تأجيل الجلسة إلى 18 أغسطس “احتراماً لضحايا” انفجار مرفأ بيروت. غير أنّ الوقائع على الأرض تشير إلى أنّ هذه اللهجة لن توقف كرة الثلج التي تتدحرج خلفه؛ فالمتظاهرون اللبنانيون يملؤون ساحة الشهداء، ويعلقون المشانق التعبيرية للفاسدين، وصور نصر الله تملأ وسائل التواصل الاجتماعي مطالبة بأن يكون أول مَن يُحاسب على هذه الجريمة.

Share