حزب العمال البريطاني يختار قيادة جديدة في ظل ظروف حرجة

  • 9 أبريل 2020

اختار حزب العمال البريطاني المعارض، يوم السبت الماضي، رئيساً جديداً له، هو كير ستارمر، الذي سيكون عليه إعادة بناء الحزب وإصلاح هياكله الأساسية وإعادة تأكيد هويته الأساسية وأطروحاته الفكرية، في ظل ما عاناه الحزب خلال السنوات الأخيرة من انقسامات وتضارب واضح في مواقفه.
انتخب حزب العمال المعارض كير ستارمر، يوم السبت الماضي، رئيساً جديداً له خلفاً لجيريمي كوربن، فيما جرى انتخاب أنغيلا راينر نائبة لرئيس الحزب. وبسبب تفشي وباء كوفيد-19 العالمي، لم يعلن اسم الفائز خلال مؤتمر استثنائي كما كان مقرراً، بل عبر موقع الإنترنت الخاص بالحزب.
وقد تفوق ستارمر في سباق الوصول إلى منصب رئاسة الحزب على كل من ريبيكا لونج بيلي، حليفة كوربن، وليزا ناندي. وفاز بنسبة 56.2% من أصوات أعضاء الحزب بعد أن أدلى نحو 600 ألف عضو بأصواتهم بطريقة غير مباشرة، حيث جرت عملية التصويت على الإنترنت أو عبر البريد.
مواقف أساسية
يعتبر كير ستارمر صاحب مواقف معتدلة مقارنة بسلفه كوربن الذي كان يتهم بأنه يساري متشدد، الأمر الذي سيعيد للحزب وجهه الاشتراكي المعتدل، الذي ميزه بشكل تاريخي وتقليدي عن الأحزاب الشيوعية صاحبة المواقف المتطرفة على صعيد الفكر والسياسات التي تتبناها. وعلى الرغم من أنه من المبكر تبيان المواقف المحتملة لحزب العمال في ظل قيادته الجديدة، فإن مواقف الرئيس الجديد للحزب وتصريحاته تعد مؤشراً مهماً في هذا السياق، وبادئ ذي بدء يمكن الإشارة إلى موقف الحزب من قضية معاداة السامية، وهي قضية شديدة الأهمية ولها حساسية خاصة في أوروبا والولايات المتحدة والغرب بشكل عام، ففي أول ظهور له عقب انتخابه، اختار ستارمر أن يعتذر للجاليات اليهودية عن معاداة السامية الصادرة عن رفاقه في وقت سابق متوعداً بالقطع مع هذه الممارسة. وفي كلمة بثها التلفزيون بُعيد انتخابه من قبل أعضاء حزبه قال ستارمر «باسم حزب العمال أعتذر»، متعهداً «بنزع سم» معاداة السامية. ومن الواضح أن ستارمر أراد أن يحسم ومنذ البداية قضية أثارت خلافاً كبيراً داخل الحزب، وتعرض بسببها الحزب لانتقادات عديدة أثرت بشكل سلبي في قاعدته الانتخابية.
والحاصل أن هذا التأكيد السريع من قبل ستارمر على رفضه الشديد لمعاداة السامية، جعل البعض يتساءلون عن مواقفه المحتملة من القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا العربية بشكل عام ووضع الأقلية المسلمة في بريطانيا، وفي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن مواقف ستارمر سوف تكون متحيزة ضد العرب والمسلمين، فإن هذا الاعتقاد غير صحيح، فالرجل له تاريخ حقوقي عريض، كما سيتم التوضيح لاحقاً، ومنحاز بالكامل للقضايا العادلة، ومن غير المتصور أن يتخذ مواقف معادية ومنحازة لصالح إسرائيل على حساب العرب.
وفيما يخص علاقة الحزب المستقبلية ومواقفه المتوقعة تجاه أوروبا، فإنه يمكن توقع طبيعة هذه العلاقة من خلال العودة إلى تصريحات ستارمر ومواقفه التي تكشف أنه يعد أحد أبرز المؤيدين للاتحاد الأوروبي ومؤسساته، وهو مسؤول منذ ثلاث سنوات عن مسألة خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) داخل الحزب. وهو يقول الآن إنه سيطلق حملة من أجل اتفاق لإقامة علاقات تجارية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، توفر حماية لحقوق العمال والبيئة ومعايير المستهلك والوظائف.
تحديات كبيرة
إن التحدي الأساسي الذي سيواجه رئيس حزب العمال الجديد يتمثل في تراجع شعبية الحزب بشكل غير مسبوق، وهو ما كشفت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي لقي الحزب فيها خسارة فادحةلم تحدث منذ عام 1935، حيث تراجعت نسبة المصوتين بنحو 8%، وكان السبب الرئيسي في هذه الخسارة فقدان الحزب قواعد انتخابية كانت مؤيدة له بشكل تقليدي، بفعل تضارب رؤية الحزب ومواقفه خلال السنوات الأخيرة من قيادة كوربن، التي بدا الحزب خلالها متأرجحاً ما بين التشدد والليبرالية، ومنقسماً بشأن الموقف من الاتحاد الأوروبي ما بين المشككين بالمؤسسات الأوروبية والمؤيدين للاتحاد في قضية بريكست.
أما التحدي الثاني الذي يواجه القيادة الجديدة لحزب العمال البريطاني، فيتمثل في تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) الذي أصبحت بريطانيا إحدى أهم الدول الأوروبية المتأثرين به، وقد طغت هذه القضية على انتخابات الحزب وحظيت بقسم معتبر من أولى التصريحات التي أدلى بها ستارمر، حيث قال في بيان مسجل ألقاه عقب إعلان فوزه برئاسة الحزب: «إنه لشرف عظيم لي أن يتم انتخابي رئيساً لحزب العمال.. يأتي هذا في لحظة لا مثيل لها من قبل في حياتنا». ويبدو أن هذا الظرف الاستثنائي يصب في صالح حزب المحافظين الحاكم، حيث تتصدى الحكومة لهذا الوباء من خلال سياسات تلقى قبولاً كبيراً في أوساط المجتمع البريطاني. وقد فرضت حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون عزلاً عاماً للسكان في إطار محاولة احتواء تفشي الوباء. واتخذت الحكومة تدابير دعم اقتصادي غير مسبوقة للشركات والموظفين الذين تضرروا بشكل كبير من الإغلاق، وهذه الإجراءات تصب في سبيل تزايد شعبية المحافظين، كما كشف عن ذلك أكثر من استطلاع للرأي أجري في الفترة الأخيرة. ولا يبدو حزب العمال في ظل المرحلة الحالية مستعداً لانتقاد الحكومة بشكل كبير فيما يخص هذه القضية التي تبدو حساسة للغاية، وهو ما أكده ستارمر في خطابه الأول بعد انتخابه رئيساً للحزب، حيث قال «تحت قيادتي سنتعامل بشكل بناء مع الحكومة، ولن تكون المعارضة من أجل المعارضة، لن نسجل النقاط السياسية الحزبية أو نقدم مطالب مستحيلة»، وإن كان الحزب يحاول توظيف نقاط ضعف الحكومة في مواجهة الوباء من خلال تركيز انتقاده على عناصر بعينها مثل عدم كفاية عدد الفحوصات، والنقص في معدات الحماية الخاصة بموظفي الرعاية الطبية.
ثقة بالنجاح
يبدو أن ستارمر لديه ثقة بنجاحه في مهمة إعادة بناء الحزب واستعادته شعبيته المفقودة، حيث قال لمؤيديه خلال مؤتمر عبر الفيديو، يوم الخميس الماضي، وقبل أن تتم عملية إعادة انتخابه: «لدينا فرصة لإعادة بناء حزبنا، والأهم من ذلك (لدينا) فرصة ليضع العمال من يجب أن يكون في السلطة». وهو يقصد بذلك الانتخابات التشريعية المقبلة التي من المقرر أن تُجرى في عام 2024.
وثمة عوامل متعددة قد ترجح نجاح ستارمر في مهمته الكبيرة كرئيس للحزب، من بينها عاملان أساسيان:
أولهما، الخبرة الكبيرة التي يحظى بها الرجل الذي ولد عام 1962، والخلفية التعليمية المتميزة التي يتمتع بها، حيث إنه درس الحقوق بجامعة ليدز وتخرج منها عام 1985، ثم عمد لمتابعة دراساته بأوكسفورد، وعمل محامياً عام 1986، وبعد تخرجه من أوكسفورد عام 1986 بات يُركز أكثر على قوانين حقوق الإنسان. وقد خاض معارك قانونية لإلغاء عقوبة الإعدام في إفريقيا ومنطقة الكاريبي، وعمل مستشاراً لحقوق الإنسان ولهيئة الشرطة في آيرلندا الشمالية. وفي عام 2008، سُمي رئيساً جديداً لدائرة الادعاء الملكية، ومديراً للادعاء العام في إنكلترا وويلز. وقد تقاعد من عمله هذا عام 2013، وحصل على لقب فارس عام 2014 لخدماته في إنفاذ العدالة والقانون. وقد فاز ستارمر بمقعده في البرلمان في انتخابات عام 2015. وتم تعيينه وزيراً للداخلية في حكومة الظل، ولكن في عام 2016 ترك المنصب لينضم إلى عدد من النواب العماليين البارزين المستقيلين، ولكنه عاد وانضم لحكومة الظل في العام التالي، وهذه المرة كوزير للبريكست.
ثانيهما، أيديولوجية الحزب الاشتراكية، حيث إنه في ظل تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) لجأت أعتى الدول الرأسمالية، ومنها بريطانيا إلى اتخاذ العديد من السياسات الاشتراكية، ما يضفي جاذبية خاصة على هذه الأيديولوجية، التي بدت كحل مثالي لإنهاء طغيان الرأسمالية، التي كان من نتائجها عدم وجود بنى تحتية صحية مملوكة للدولة تكون قادرة على التصدي لهذا الوباء.
وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن يشهد حزب العمال تغيرات لافتة في ظل قيادة ستارمر، فإن هذه التغيرات لن تصل إلى حد الانقلاب على التوجهات الأساسية للحزب ومواقفه السابقة، وإذا كان ستارمر سيقلل من حدة التوجهات اليسارية للحزب، فإن خطه الاشتراكي سيظل بطبيعة الحال، وقد حرص ستارمر في حملته الانتخابية على تأكيد انتمائه إلى الطبقة العاملة، حيث قال: «كان والدي صانع أدوات وكانت أمي ممرضة»، مضيفاً «لا يعلم الجميع ذلك لأنني لا أتحدث في هذا الأمر كثيراً».

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات