حرية الإعلام … نموذج الوزير الصيني وأمثولة الصحّاف

  • 27 أبريل 2003

مرّ حدثان على العالم خلال الفترة الماضية أكدا أن حرية الإعلام باتت تحديا حقيقيا للدول والحكومات كافة، فقد تحوّل محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام في حكومة صدام حسين المخلوعة إلى أمثولة إعلامية ودعائية بما يمتلكه من مقدرة على خلع الألقاب وتزييف الحقائق وخداع الرأي العام بطريقة ضمنت له شهرة دولية، وفتحت الباب أيضا أمام بعض شركات الدعاية العالمية للاستفادة من شهرته، وفي الاتجاه ذاته جاءت إقالة بعض كبار المسؤولين الصينيين من مناصبهم بسبب سياسات التعتيم الإعلامي التي فرضت على انتشار وباء "سارس"، حيث يرى معظم الخبراء أن إقالة وزير الصحة الصيني ورئيس بلدية بكين من منصبيهما الحزبيين بسبب نمط إدارة أزمة الوباء "سارس"، تعكس وجود تحولات جذرية في الصين التي تشتهر بندرة اتخاذ إجراءات كهذه بحق مسؤولي الحزب الشيوعي.

وحرية الإعلام ليست بديلا طارئا أو اتجاها تحديثيا بل لاحت في الأفق وفرضت نفسها منذ بزوغ إرهاصات ثورة المعلومات وما تلا ذلك من انتشار شبكات المعلومات وتحوّل الإعلام إلى "صناعة" تدار بذهنية اقتصادية، واحتدام التنافس بين القنوات الفضائية ربما أسهم في تحقيق قفزات هائلة ومتواصلة في الأداء الإعلامي في مختلف مناطق العالم ولكن بدرجات متفاوتة. وإذا كانت "التبعية" التكنولوجية هي الاتهام التقليدي الذي يوجّه للإعلام العربي، سواء بحكم الفوارق التكنولوجية أو الخبرة التراكمية مع الغرب في هذا المجال، أو في ظل الفارق في حجم اقتصادات الوسيلة في العالمين العربي والغربي، فإن حرب العراق وغيرها من الأحداث الدولية والإقليمية أثبتت مقدرة بعض وسائل الإعلام العربية على تجاوز حدود دور "المستهلك" بالنسبة إلى صناعة الإعلام الغربي، حيث اضطلعت بعض الفضائيات العربية بدور "صانع الحدث" وأسهمت جديا في بناء التصورات والمفاهيم.

وإذا كان الجدل والنقاشات حول بناء نظام عالمي جديد في العلاقات الدولية باتا أمرا متداولا، فإن هناك من يرى أن الحرب الأمريكية ضد العراق قد أطلقت نظاما إعلاميا دوليا جديدا، ليس فقط لأن الإعلام قد لعب دور المحرك الأساسي في هذه الحرب، بل لأن هذه الحرب قد كرست دور الآلة الإعلامية في الصراعات، مايقتضي ضرورة الانتباه إلى دور الإعلام خلال المرحلة المقبلة، حيث يواجه، ما يعرف اصطلاحا بالإعلام الحكومي أو الرسمي، خطر الاندثار أمام تيار جارف من تكنولوجيا المعلومات ومظاهر العولمة المتسارعة، وبات من الصعب ممارسة سياسات الإخفاء والتموية وصارت الشفافية والوضوح هما السبيل الأمثل للتعاطي مع الأحداث في داخل الدول وخارجها.

المؤكد أن التحدي لا يكمن فقط في مساحة الحريات التي تمنح للوسيلة الإعلامية، بل أيضا في ملاحقة التطورات المتسارعة في مجال تكنولوجيا الإعلام، ما يثبت أن مضمار التنافس الإعلامي بات أكثر شراسة، وأن قوته على خوض هذه المنافسة هي المحك الحقيقي لفرص الدول في تكوين رأي عام داعم لقضاياها ومؤيد لمواقفها في شتى المجالات.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات