حركات التغيير في الوطن العربي ودورها في دعم عملية التحول الديمقراطي

د. أحمد منيسي: حركات التغيير في الوطن العربي ودورها في دعم عملية التحول الديمقراطي

  • 29 أغسطس 2007

شهدت دول عربية عدة خلال السنوات القليلة الماضية تأسيس حركات معارضة جديدة، اختلفت في طبيعة نشأتها وآليات عملها من دولة إلى أخرى، ولكن ما ميز هذه الظاهرة التي باتت واحدة من أهم معالم المشهد السياسي العربي، أن كل هذه الحركات لم تتمتع بالطابع الرسمي ولم تكن حريصة على إضفاء المشروعية على عملها، كما أنها كانت ذات طروحات أعمق في المطالبة بالإصلاح السياسي، وخاضت غمار العمل السياسي من خلال أدوات وآليات، لم يكن كثير منها متبعاً من قبل حركات المعارضة التقليدية. ومن أهم هذه الحركات: الحركة المصرية للتغيير (كفاية) وهيئة 18 أكتوبر في تونس وحركة إعلان دمشق.

وقد أدى ظهور هذا النمط من الحركات إلى شيوع حالة من التفاؤل لدى الكثيرين بقرب الانعتاق من تسلط عدد من النظم الحاكمة في الدول العربية، من خلال تدشين تحول ديمقراطي حقيقي في هذه الدول، وذلك استناداً إلى ما حققته حركات سياسية شبيهة شهدتها عدة دول أوروبية بعضها كان ينتمي في السابق للاتحاد السوفييتي، وبعضها الآخر كان ضمن المعسكر الشيوعي، على غرار ما حدث في أوكرانيا أواخر عام 2004، فيما عرف باسم الثورة البرتقالية، وما حدث في سلوفاكيا عام 1989، ولاسيما أن أوضاع هذه الدول عشية التحول الديمقراطي كانت شبيهة بما يجري في عدد من الأقطار العربية حالياً.

وقد جاءت نشأة هذه الحركات في سياق تحولات مهمة شهدتها دول عربية عدة أدت إلى تحريك حالة الركود السياسي في هذه الدول، وعلى سبيل المثال، فإن تعديل المادة (76) من الدستور المصري عام 2005، الخاصة بنظام انتخاب رئيس الجمهورية، وما أفرزه من حراك سياسي، كان له دور مهم في ظهور عدد من هذه الحركات. كما أن بعض هذه الحركات قد نشأ على خلفية التأثر بظهور حركات مشابهة في دول أخرى؛ فظهور حركة "كفاية" كان دافعاً لتأسيس حركات تغيير جديدة في عدد من الدول العربية الأخرى، بعضها حمل المسمى نفسه. وفي جميع الأحوال، فإن ظهور حركات المعارضة الجديدة كان نتاجاً لحالة الجمود والتكلس الذي أصاب عملية التطور الديمقراطي في الدول العربية، إذ شكلت هذه الحركات صرخة احتجاجية على استمرار الأوضاع كما هي عليه دون أي تغيير أو تقدم. وعلى الرغم من أن حركات التغيير الجديدة في الوطن العربي قد تباينت في خطاباتها الفكرية وآليات عملها، فقد تجمعت لديها أسباب مشتركة للصعود بقوة على سطح الأحداث السياسية خلال عامي 2004 و2005، وتجمعت لديها أسباب مشتركة أيضاً للخفوت في مرحلة لاحقة، ومع ذلك تظل هذه الحركات التطور الأكثر بروزاً في الوطن العربي منذ مطلع القرن الحالي. وما يجب تأكيده في سياق الحديث عن البيئة التي نشأت فيها حركات المعارضة الجديدة، أن هذه النشأة قد جاءت متزامنة مع مناخ دولي ضاغط في سبيل التحول الديمقراطي، وهذا المناخ تبلور على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد استطاعت هذه الحركات أن تستفيد بقوة من تنامي وسائل الاتصالات ونقل المعلومات في الترويج لنفسها، فصارت حاضرة بقوة في الساحة السياسية بعد فترة وجيزة من تشكيلها.

 واستطاعت حركات المعارضة الجديدة دعم حركة التطور الديمقراطي في غير دولة عربية، حيث ساهمت في تعميق حالة الحراك السياسي، الذي كان في الأصل سبباً مباشراً لتأسيسها، كما أن هذه الحركات أسهمت في إشاعة ثقافة الاعتراض والرفض لدى المواطن العربي، المتشبع بثقافة السمع والطاعة للسلطة. ونشير في هذا السياق إلى أن مصر التي كانت مهد حركات المعارضة الجديدة، وفيها أكبر عدد من هذه الحركات، شهدت خلال الفترة ما بين يوليو/تموز 2006 وحتى شهر مارس/آذار 2007، وطبقًا للتقارير التي رصدتها منظمات حقوق الإنسان، 174 احتجاجاً عمالياً تمثَّل في 74 اعتصاماً و 52 إضراباً و48 مظاهرة، أي بمعدل احتجاج واحد كل يوم ونصف اليوم، وفي الوقت نفسه، فإن هذه الظاهرة، كان لها دور كبير في تنشيط أحزاب المعارضة التقليدية التي وجدت أن نفوذها بدأ ينحسر مع تصاعد حركات التغيير الجديدة، ما دفعها إلى تفعيل دورها. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الحركات استطاعت أن تجذب إليها أجيالاً وفئات جديدة، من غير النشطين سياسياً. وعلى صعيد آخر، فإن الطروحات الفكرية لهذه الحركات، ساهمت بشكل قوي في الجدل النظري المثار حول مفهوم الإصلاح السياسي وآلياته وأولوياته، وقبل ذلك هوية وطبيعة هذا الإصلاح. واستطاعت هذه الحركات أن تستقطب لعضويتها رموزاً مهمة من المفكرين والوطنيين، وعلى سبيل المثال، فإن حركة كفاية ضمت في عضويتها كلاً من الدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور محمد السيد سعيد، وهما من الباحثين والمفكرين الذين لهم مكانة مرموقة ليس على الصعيد المصري فقط، ولكن على الصعيدين الدولي والعربي أيضاً.

ومن هنا، يمكن القول إن حركات المعارضة الجديدة كان لها دور مهم في عملية التطور الديمقراطي على أصعدة متعددة؛ إذ شكلت عامل ضغط قوي على النظم الحاكمة من أجل التحول الديمقراطي، وكان لها دور في تفعيل عملية المشاركة السياسية والترويج لهذه القيمة كركن أساسي من أركان النظام الديمقراطي، وذلك من خلال فعاليتها المختلفة من نشاط مباشر في الشارع، أو من خلال المؤتمرات والندوات.

 ولكن على الرغم من النجاحات التي حققتها حركات المعارضة الجديدة في الوطن العربي، فإنها أخفقت في بعض الأمور مما حدَّ من مساهمتها في عملية التحول الديمقراطي بالشكل الذي كان متوقعاً منها. ومن أبرز مظاهر هذه الإخفاقات، عجز هذه الحركات عن بناء تكتل قوي للمعارضة يكون قاطرة لعملية التحول الديمقراطي، والعجز في تحريك الجماهير وضمها لصفوف المعارضين النشيطين، حيث فشلت هذه الحركات في تقديم نموذج للتحول يقوم على تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع ودفعها للمشاركة في العملية السياسية، من أجل صنع التغيير المطلوب، فضلاً عن أن معظم هذه الحركات لم يكن لديه مشروع سياسي متكامل لوراثة النظام القائم بالفعل. واكتفى كثير منها بالشعارات أو المعارضة الإلكترونية.

 ولاشك أن هذه الإخفاقات كانت وليدة أسباب عدة، في مقدمتها فشل هذه الحركات في خلق قواعد شعبية مؤيدة لها، على الرغم من ضعف وربما غياب عنصر الشرعية لمعظم النظم الحاكمة في الدول العربية. كما أن هذه الحركات عانت من انقسامات وتشققات، وبعضها اعتمد على النشاط النخبوي. يضاف إلى ذلك عمومية الخطاب الفكري الذي اعتمدته هذه الحركات بحثاً عن توافق جزئي بين ما تضمه من تيارات وقوى ذات توجهات فركية وسياسية مختلفة، إذ أسهم هذا الخطاب في الحد من قدرة تلك الحركات على إنتاج طروحات متماسكة وحاسمة لإشكاليات التحول الديمقراطي في الوطن العربي.

 بيد أن ما ينبغي تأكيده في هذا السياق، أن هذه الإخفاقات، كان من أسبابها الرئيسة الطريقة التي تعاملت بها السلطة في غير دولة مع هذه الحركات، فمثلما مارست هذه السلطة كل ألوان الحصار تجاه حركات المعارضة القديمة، فعلت الشيء نفسه وأكثر مع حركات المعارضة الجديدة، التي بدا بعضها أو معظمها أكثر جرأة في نقده للأوضاع القائمة وأكثر استعداداًَ للتضحية من أجل تحقيق الإصلاح، فقوبلت مظاهرات هذه الحركات بقمع شديد من قبل الأجهزة الأمنية وتعرض بعض ناشطيها للاعتقال والتنكيل في بعض الحالات، وذلك للحد من فرصها في تشكيل قواعد شعبية وجماهيرية، كما عمدت السلطة الحاكمة في دول عربية عدة إلى مزيد من تشديد الإطار القانوني المعيق للحريات والمشاركة السياسية، وذلك لشل نشاط هذه الحركات وربما وأدها في مهدها. ومما لاشك فيه أن تراجع الظرف الدولي المشجع للتحول الديمقراطي خلال عام 2006، أعطى الفرصة للحكومات العربية لكي توظف كل ما تمتلكه من أدوات قمع لحصار تلك الحركات.  

على أي الأحوال، فإذا كان من الصعب إصدار حكم معين على خبرة حركات المعارضة الجديدة في الوطن العربي، في ظل قصر عمرها الزمني، فإن خبرتها في العمل السياسي، وما عانته من معوقات وعثرات، تتيح طرح العديد من الأولويات اللازمة لتفعيل دورها، وتتصل هذه الأولويات بالخطاب الفكري الخاص بهذه الحركات وآليات عملها السياسي المباشر وأدواتها المستخدمة في هذا السياق، فهذه الحركات في حاجة ماسة إلى إنتاج مشروع فكري واضح للتحول الديمقراطي قادر على حسم قضايا أساسية مطروحة في هذا السياق، وفي مقدمتها العلاقة بين الدين والدولة. أما على صعيد العمل السياسي المباشر، فإن هذه الحركات مطالبة ببناء تحالف واسع بين كل قوى الرفض السياسي، استناداً إلى هذا المشروع الفكري، بحيث يكون هذا التحالف قادراً على فرض وجوده كرقم صعب في المعادلة السياسية وقوة لا يمكن تجاهلها في الساحة العامة. وهذه الحركات مطالبة أيضاً بضرورة ابتكار وسائل تعبئة قادرة على جذب الجماهير لها، وهذا الأمر ينطوي بالضرورة على إقناع هذه الجماهير بالأهمية الفائقة لإحلال الديمقراطية، وبالكلفة الفادحة المدفوعة إذا ما استمر غياب الديمقراطية.

Share