حرب عبثية أخرى للنظام المحتضر

  • 22 مارس 2003
بدأت الحرب ضد العراق، بعد أن بذلت أطراف عربية ودولية عديدة جهودا مضينة لإنقاذ الشعب العراقي والمنطقة من أخطارها. ومن منطلق الوعي بحساسية الموقف الدولي والمتغيرات التي طرأت على سلوك الولايات المتحدة السياسي والعسكري، حاولت جهات شتى إقناع النظام العراقي بإجراء تغييرات جذرية على نمط تعاطيه مع الأمم المتحدة ودول الجوار والقوى الدولية الكبرى، ولكنه لم يعر إلى صوت العقل والمنطق أذنا صاغيه. واعتقد أنه يمكن أن يستمر في اتباع سياسة حافة الهاوية والوصول بالأمور إلى أقصى مراحل تعقدها ثم تقديم التنازلات في أخر لحظة.

كان بوسع النظام العراقي أن يتخذ قرارات شجاعة ينقذ بها شعبه من تبعات حرب مدمرة سيدفع العراق تكلفتها، من دماء أبنائه وقوته العسكرية وموارده الضخمة التي لم يقدر للعراقيين الاستفادة منها. ولكن النظام لم يكن للأسف على مستوى تقديم هذه التضحية ولو من باب التكفير عن الأخطاء التي ارتكبها في حق العراقيين، ودفعوا ثمنها غاليا طيلة ربع قرن، شهدوا خلاله النظام يخوض حروبا خالية من المعنى والهدف، إلى أن أصبح العراق الغني بثرواته البشرية وموارده الاقتصادية نهبا للفقر والمرض والحصار. وسيطر على الحياة السياسية مناخ من الرعب، والتصفية المنظمة والقمع الوحشي لكل القوى السياسية والفعاليات الوطنية، وأصبح خُمس العراقيين لاجئين هاربين من جحيم النظام ويده الباطشة.

لقد بدأت الحرب، ولم يعد بالإمكان إيقاف الطاحونة الدامية التي حشد لها أحدث ما أنتجته ترسانات الأسلحة في العالم وأشدها فتكا وتدميرا. وفي ظل الأنباء الواردة عن احتدام القتال لا يسعنا إلا الأسف لسقوط الضحايا المدنيين، وفي مثل هذه الحرب غامضة المعالم، والتي يخلط فيها النظام العراقي عمدا بين العسكريين والمدنيين، لا بد من سقوط أبرياء. ونأمل أن تكون الخسائر في صفوف الشعب العراقي بأقل حدودها الممكنة، وألا تتأثر بنيته التحتية وثروته النفطية، ويكفيه ما تكبد من خسائر نتيجة مغامرات نظام لم يكترث يوما بتحقيق مصالح شعبه.

إن هذه الحرب من الحروب النادرة التي يحرص فيها أحد أطراف الحرب على أرواح المدنيين من خصومه أكثر من حكامهم وقادتهم. ويتجاهل المحللون والمعلقون عادة أن حرص الولايات المتحدة على أرواح المدنيين يمثل عائقا يحول دون تحقيقها نتائج عسكرية سريعة، وأن النظام العراقي يحاول استغلال ذلك لمصلحته. ومهما كانت نتائج الأيام الأولى من الحرب، فإن الجميع، وعلى رأسهم النظام العراقي، يعلمون أن النتيجة النهائية محسومة، بفعل الفارق الهائل في موازين القوى. ولن تكون محصلة الأيام الطويلة لهذه الحرب اليائسة إلا مزيدا من الضحايا العراقيين، ومزيدا من تدمير العراق وموارده التي هي من حق شعبه. ومن الواضح أن النظام ليس معنيا بالحفاظ على أرواح العراقيين أو ثراوتهم، وأنه في محاولاته اليائسة لحماية نفسه على استعداد لأن يدمر كل شيء على أرض العراق.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات