حرب خليج جديدة؟

د. باسكال بونيفاس: حرب خليج جديدة؟

  • 22 فبراير 2005

تفيد معلومات حصلت عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تمتلك المعرفة التقنية والمنشآت الضرورية اللازمة لتخصيب اليورانيوم، مع أنها لم تقم بتركيب سوى عدد قليل من أجهزة الطرد المركزي. وفي حقيقة الأمر، لم تقم إيران بتحويل اليورانيوم بحيث يمكن استخدامه في أجهزة الطرد المركزي، ولم يبدأ إنتاج اليورانيوم المخصب. ومن ثمّ لا يمكن التأكد مما إذا كانت إيران قد قررت استخدام التقنية النووية لأغراض مدنية فقط، أو تطويرها لاستخدامات عسكرية. ولهذا، ففي الوقت الحاضر، لا يوجد أي دليل مادي على وجود برنامج نووي إيراني يهدف إلى تصنيع الأسلحة.

 على أن هذا لا يعني بالضرورة أن البرنامج قد صمم فقط للاستخدامات المدنية، إذ إن الوقائع تشير إلى أن إيران عمدت إلى إخفاء أبحاث الطرد المركزي لمدة عشرين سنة، واشترت المعدات اللازمة من شبكات سرية دون الكشف عن منشآتها، إلى أن كشفتها إحدى المجموعات السياسية المعارضة. وظلت إيران لمدة سنتين تقدم معلومات غير دقيقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما حاولت عرقلة التفتيش الدولي، ما عزز القناعة بأنها تنوي بناء مفاعل يعمل بالماء الثقيل، ويهدف أساسا لإنتاج البلوتونيوم، وهذا ما يقلل مصداقية تصريحاتها.

 وبالإضافة إلى ذلك، تبرز تساؤلات عدة: هل توجد منشآت نووية سرية في إيران؟ كثيرون يعتقدون ذلك؛ ولكن إذا كانت هذي هي الحال، فإن السبيل الوحيد للحصول على معلومات دقيقة بشأن هذا الموضوع هو أن تمهد إيران الطريق لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المواقع المشتبه بوجود تلك المنشآت بها. هل أجرت إيران أبحاثا تتعلق بتطوير قنبلة نووية؟ لقد حاول المفتشون مرتين زيارة مواقع ربما أجريت فيها مثل هذه الأبحاث، وتمكنوا في الحالة الأولى من الوصول إلى المواقع، ولكنهم وجدوا المنشآت المشبوهة مدمّرة، وفي الحالة الثانية ماطل الإيرانيون لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يسمحوا أخيرا بدخول المفتشين، ولم تُعلن بعد نتائج تلك الزيارة. وهكذا لم يثبت أي دليل في هاتين الحالتين، ولكن في الوقت نفسه لا تزال الشكوك قائمة والثقة مفقودة. ويبرز سؤال آخر على قدر كبير من الأهمية؛ وهو: هل زوّد العالم الباكستاني عبد القدير خان الإيرانيين بمخططات سلاح نوويٍ صيني بيع سلفا إلى ليبيا؟

 أيضا تظل هناك تساؤلات كثيرة بشأن برنامج إيران البالستي، الذي شهد إجراء تجارب على صاروخ ذي مرحلة واحدة، يعمل بالوقود السائل، ويصل مداه إلى 1000 كلم. وبالإضافة إلى ذلك، أفادت أنباء عن إجراء الإيرانيين اختبار لصاروخ يبلغ مداه 2000 كلم، وهذا ما لم يتم تأكيده بصفة مستقلة. وإذا كان الإيرانيون يملكون سلاحا نوويا، فهل سيستطيعون تكييفه ليتم تزويد الصواريخ به؟

 من الصعب أيضا التكهن بالمدة الزمنية التي ستستغرقها إيران لتصنيع سلاح نووي، وذلك لغياب أجوبة عدد من التساؤلات الضرورية لمثل هذا التكهن؛ من بينها: هل ستكتفي إيران بالعدد المحدود من أجهزة الطرد المركزي التي بحوزتها؟ وهل ستتم عملية التخصيب بكفاءة من أول وهلة؟ وهل ستكون إيران تحت المراقبة الدائمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ وهل ستنسحب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، أم ستجري مزيدا من العمليات السرية بعيدا عن رقابة الوكالة؟ وما كمية اليورانيوم المخصب التي يمكن لإيران إنتاجها سنوياً؟ وكم ستستغرق إيران من الوقت لتصنيع سلاح نووي؟ وكم ستستغرق لتجهيز هذا السلاح ليكون صالحا لتزويد الصواريخ به؟ إن التكهن بالمدة الزمنية التي ستستغرقها إيران للوصول إلى تصنيع سلاح نووي يتوقف على الإجابة عن هذه التساؤلات.

 في ضوء هذا الوضع، اتفقت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا على الخطورة الشديدة لُترك إيران مستمرة في برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم. ورأت هذه الدول عرض المسألة فورا على مجلس الأمن، أملاً في الضغط على إيران والحصول على تعاونها بالتخلي عن نشاطاتها الرامية للتخصيب. وقد حظيت هذه المبادرة بتأييد الدول الـ 32 الأخرى الأعضاء بمجلس إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما حصلت أخيرا على تأييد روسيا الاتحادية. ونتيجة لذلك، تمكنت هذه الدول من الحصول على التزام من إيران بتعليق نشاطها في التخصيب تعليقا مؤقتا في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وهي الآن تسعى جاهدة إلى تحويل هذا التعليق المؤقت إلى وقف نهائي، بالرغم من صعوبة ذلك.

 ومع ذلك، تعتقد بعض الدوائر، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن إيران لن تتخلى أبدا عن طموحاتها العسكرية النووية، وأنه لا سبيل إلى حل هذه المشكلة إلا بالقوة. ولإثبات ذلك، لم يتردد البعض في تقديم معلومات غير مؤكدة على أنها حقائق يقينية، وتحويل التساؤلات إلى مسلّمات، ووصف البرنامج النووي الإيراني بأنه خطر ماحق.

 هذه الحال تذكّرنا بتلك التي سبقت التدخل الأمريكي في العراق في عام 2003 ونتائجها التي لا تخفى على أحد. فإذا كان لا بد من تفادي الوقوع في الأخطاء نفسها، فمن الضروري الاعتماد على الحقائق ورفض ادعاءات المتطرفين، سواء أكانوا أمريكيين أو إيرانيين، ما لم يتم التيقن من صحتها ودقتها. وفي واقع الأمر، إن السبيل الوحيد أمام الولايات المتحدة الأمريكية لتزيد فرص نجاح المفاوضات مع إيران أن تتحلى بحسن النية. فإذا فشلت المفاوضات، عندها فقط يمكن النظر في إجراءات أخرى.

Share