حرب باكستان على طالبان والقاعدة : فرص النجاح وتداعيات الفشل

د. عبدالعزيز شادي: حرب باكستان على طالبان والقاعدة .. فرص النجاح وتداعيات الفشل

  • 22 يوليو 2009

في البداية، عمدت الحكومة الباكستانية إلى اتباع أسلوب الحوار البناء مع حركتي طالبان-باكستان وتطبيق الشريعة المحمدية في وادي سوات. ففي أوج تصاعد الهجمات ضد القوات الدولية العاملة (إيساف) في أفغانستان، والتي تم التخطيط لها من إقليم وزيرستان خلال صيف 2006، تم التوقيع على اتفاق سلام، في سبتمبر من العام نفسه، بين زعماء القبائل والحكومة الباكستانية، يتضمن أن يوقف الجيش عملياته العسكرية في منطقة شمالي وزيرستان مقابل تعهد السكان بوقف تعاونهم مع طالبان، وتزويد الجيش بمعلومات عن الإرهابيين في المناطق الحدودية. وقد تحول هذا الاتفاق إلى هدنة بين الطرفين، ما لبثت أن انهارت عقب هجوم الجيش الباكستاني، بأوامر من الرئيس السابق برويز مشرف، على المسجد الأحمر بإسلام أباد، في يونيو 2007.

وعقب الهجوم، تحول الجيش الباكستاني، حامي حمى الشريعة والشرعية ودرع الوطن، إلى عدوٍ للقوى الإسلامية الراديكالية، والتي أكدت تصميمها على الانتقام لشهداء المسجد الأحمر. وفي غضون ذلك، تمكنت حركة طالبان من بناء قواتها وتنظيمها وتسليحها، وأضحى وادي سوات المقر الجديد للتدريب ولتطبيق الشريعة. وقد نجحت طالبان في السيطرة على الوادي؛ بفضل تصاعد نفوذ الملا الراديكالي فضل الله الذي يقود فصيل الحركة هناك. ومن ثم، أصبح الوادي وما حوله من مناطق الحدود الشمالية-الغربية معقلاً للحركات الموالية لطالبان، مثل جيش محمد، وحركة المجاهدين، فضلاً عن حركة تطبيق الشريعة المحمدية.

نظر الجيش الباكستاني بقلقٍ بالغٍ إلى تنامي خطر طالبان ومقاتلي القاعدة وغيرهما من التنظيمات الراديكالية، لكن الرئيس مشرف، والذي كان يشغل منصب قائد الجيش حتى نوفمبر 2007، اعترف بفشله في مجابهة هذا الخطر، والذي أخذ في التمدد بعيداً عن منابعه. في هذا الخصوص، يُذكر أن عام 2007 كان الأكثر عنفاً في باكستان؛ حيث شهد 60 عملية انتحارية، خلفت 770 قتيلاً و1574 جريحاً، ووصل الأمر ذروته باغتيال رئيسة الوزراء السابقة، بينظير بوتو، في ديسمبر 2007. وقد وجهت الحكومة الباكستانية الاتهام إلى زعيم طالبان-باكستان، بيت الله محسود، الذي يتخذ من منطقة جنوبي وزيرستان معقلاً له، باغتيال بوتو. وفي فبراير 2008، أجريت الانتخابات البرلمانية، والتي أسفرت عن فوز حزب الشعب بالأغلبية. ومن ثم، تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة يوسف جيلاني. وعندما شعر مشرف بفداحة المسؤولية وتنامي الضغوط عليه، استقال من منصبه كرئيس للدولة في أغسطس 2008. وفي الشهر التالي، أجريت الانتخابات الرئاسية، والتي أسفرت عن فوز آصف علي زرداري برئاسة البلاد.

وما لبثت الحكومة الباكستانية الجديدة أن شنت هجوماً عسكرياً على حركة طالبان وحليفتها القاعدة في المناطق الشمالية الغربية، وفي قلبها وادي سوات، في أواخر أبريل 2009. ولا شك في أن هذا الهجوم يأتي ضمن الإستراتيجية الجديدة التي تبنتها هذه الحكومة؛ بعد أن شعرت أن ثمة تحدياً هائلاً أمام قدرتها على بسط سيادتها وأيديولوجيتها على تلك المناطق ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية. فنجاح حركة طالبان وحلفائها في بسط سيطرتهم على وادي سوات بعث إنذاراً إلى الحكومة الباكستانية، وكذلك إلى الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما، مفاده أن خطر وقوع الترسانة النووية الباكستانية في أيدي المتطرفين قد أصبح وشيكاً؛ ما يهدد الاستقرار الإقليمي والأمن والسلم الدوليين. وفي الواقع، التقت الأهداف العسكرية لكلٍ من الإدارتين الجديدتين في باكستان والولايات المتحدة. فقد أصدر الرئيس أوباما إستراتيجية جديدة للحرب في أفغانستان (الحرب على الإرهاب سابقاً) ربطت تركيز إدارته على الملف الأفغاني، ولاسيما في ضوء إعلانه الانسحاب التدريجي من العراق، بتركيزٍ موازٍ على باكستان، وسعت إلى إقامة تحالف مع العناصر المعتدلة من طالبان تمهيداً لمحاصرة المتطرفين وقيادة القاعدة. وفي الوقت نفسه، تحالفت الحكومة الباكستانية الجديدة مع كلٍ من الإدارة الأمريكية وحكومة حامد كرزاي الأفغانية؛ من أجل التخلص من طالبان والقاعدة في كل من أفغانستان وباكستان. وقد تم تدعيم هذا التحالف، والذي يضيف موارد أكثر لقوات إيساف، بضم إيران وتركيا إليه. وقد كان من المتصور أن يزيد هذا التحالف من قدرات الدولتين الأفغانية والباكستانية على مواجهة التطرف الإسلامي في وادي سوات، حيث شكلت حركة تطبيق الشريعة نموذجاً يحتذى في فرض الشريعة على السكان. ومن ثم، صارت المواجهة بين طالبان وحركة تطبيق الشريعة من جانب والحكومات المتحالفة لهزيمة هذا النموذج من جانب آخر أمراً حتمياً. وكانت القوات المسلحة الباكستانية، والتي تحظى بدعم إيراني وتركي وعربي، هي رأس الحربة في هذه المواجهة.

لم تدرك الأطراف المتحالفة ضد طالبان باكستان أن ثمة عقبات قوية تعوق تحقيق انتصار كاسح وحاسم على قوى التطرف الراديكالية في وادي سوات، وما حوله من المناطق الحدودية. أولها: الطابع الاجتماعي الإنساني للحرب في هذه المناطق؛ فأهالي وادي سوات محاربون أشداء، متمسكون بالدين بشدة، ولديهم أخلاقيات اللجوء السياسي وإكرام اللاجئ. ومن ثم، لديهم استعداد لحماية طالبان والقاعدة، مهما كلفهم ذلك من تشريد بشري وصل إلى درجة الكارثة الإنسانية، كما بينت تقارير الأمم المتحدة، والتي أكدت أن ضحايا الحرب على الإرهاب أكثر من ضحايا الإرهاب نفسه؛ مما يحوّل هذه الحرب إلى مواجهة ثأرية، تخلف مزيداً من الضحايا، وتنتج مزيداً من التطرف، وتؤجج من رغبات الانتقام لدى الطرفين. ثانيها: التداخل الشديد بين الديني والعسكري والقبلي، وضعف الدولة الباكستانية، وانهيار الدولة الأفغانية. إن التفاعل بين هذه المتغيرات أفضى إلى وجود عقبات قوية أمام قوات التحالف الغربية الإسلامية لتحجيم التطرف في هذه المنطقة. وفي الواقع، توجد مساحة من التعاطف بين وحدات داخل المخابرات الباكستانية مع فكرة استخدام طالبان كأداة لزعزعة استقرار أفغانستان في ظل تأييد البشتون لها، ونما ذلك في ظل ضعف الحكومة المركزية الباكستانية، وتحول المؤسسة العسكرية إلى هدف للعمليات العسكرية؛ ما أضعف أحد الدوافع الرئيسية لمواجهة التطرف.

وقد يكون من السابق لأوانه الوصول إلى تشخيص موضوعي لطبيعة الحرب الدائرة في كلٍ من أفغانستان وباكستان ضد طالبان والقاعدة وحلفائهما، لكن قد يكون من الضروري الدفع بعدة ملاحظات في هذا الخصوص. أولاً- أن التحول الديمقراطي في باكستان وأفغانستان لم يصل بعد إلى درجة التماسك، والتي من شأنها أن تخلق إجماعا وطنياً ضرورياً، وبلورة إرادة وطنية تضم جميع القوى السياسية ضد المتطرفين. ثانياً- لم تنجح الإدارة الأمريكية الجديدة في الوصول إلى العناصر المعتدلة داخل طالبان لاستخدامها ضد القاعدة وضد القوى المتطرفة الطالبانية الأخرى. وهذا هو التحدي الرئيس الذي أراد أوباما التغلب عليه بضم كل من إيران وتركيا إلى تحالف مع أفغانستان وباكستان لمواجهة طالبان والقاعدة. لكن يبدو أن الموارد الموظفة لتمكين ذلك التحالف غير كافية، ناهيك عن الاختلاف في المصالح والمذاهب بين أطرافه. ثالثاً- أن غياب استراتيجية مساعدة إنسانية تقودها قوى التحالف ضد التطرف في وادي سوات وغيره من المناطق على طول الحدود الباكستانية-الأفغانية قد أفقد تلك القوى فرصاً ذهبية للوصول إلى قلوب الذين تضرروا من الحرب على وادي سوات من المهجرين واللاجئين والمشردين وعقولهم، والذين بلغ عددهم أكثر من مليونين. ومن المفارقة أن هؤلاء اللاجئين قاوموا المعونات التي قدمتها المنظمات التبشيرية، والتي أرادت "الصيد في الماء العكر". فمن المعروف أن مرحلة ما بعد العمليات العسكرية هي الأكثر خطورة؛ حيث تتوافر قابليات اجتماعية ونفسية معينة يمكن أن تشكل فرصاً وقيوداً. ومن الواضح أن حركة طالبان-باكستان ومنظمة القاعدة تمكنتا من تحويل هذه القابليات إلى قيود بالنسبة للتحالف العسكري المضاد؛ حيث صار ضحايا مكافحة الإرهاب الناتجين عن العمليات العسكرية أكثر من ضحايا الإرهاب نفسه. رابعاً- إن نظرية الحرب بالوكالة التي يشنها الجيش الباكستاني في وادي سوات لم تحقق بعد النجاح المطلوب أو المأمول، لكنها بالتأكيد أضعفت من شرعية الوكيل، وجعلته هدفاً وطرفاً في العمليات العسكرية، بل وضعت الدولة الباكستانية في مأزق شرعية وهوية. وهذا كله من شأنه أن يهدد الطابع الديمقراطي للحكومة الجديدة، ويجعلها قصيرة الأجل إذا فشلت في تحقيق أهدافها في وادي سوات، أو في بسط نفوذها على كافة أرجاء باكستان. خامساً-إن المشكلة الهامة هنا هي قدرة كلاً من طالبان باكستان والقاعدة على تجنيد المزيد من العناصر سواء داخل أفغانستان أو باكستان، أو خارجها. في هذا الخصوص، نتوقع أن تزداد هذه القدرة؛ نظراً للتحالف المقدس بين ما هو ديني وقبلي من جانب، وما هو عسكري من جانب آخر. فالدماء البشرية التي يتم ضخها متنوعة المصادر والجنسيات، وأصحابها شباب لديهم قدر من البراءة السياسية، ويسعون إلى الاستفادة من الدعاية الإيديولوجية ضد الغرب.

وفي الأخير، أبانت الحرب الدائرة في كلٍ من باكستان وأفغانستان ضد طالبان والقاعدة عن أن المنظمات الراديكالية أصبحت عنصر تفكيك للدولة، وكذلك للدعم الغربي لهاتين الدولتين. كما أبانت هذه الحرب أيضاً عن أن محاولات فرض الدولة الوطنية المدنية الحديثة على تجمعات لا تنطبق عليها الرشادة السياسية، ويغلب عليها البراءة السياسية لم تنجح حتى الآن. وستظل الحركات الاجتماعية، الوطني منها والأجنبي، تحدياً ضد إرادة الغرب، وستتحول إلى مصدر للهوية والشرعية والفعالية. وإذا كان للحرب على سوات أن تكون رمزاً لشيء إيجابي، فهو أنها تمثل دليلاً على عدم اكتمال نضج التحالف ضد الحركات غير الحكومية في تلك المنطقة. فالدول الفاشلة والمنهارة لا يصلح معها محاولات الإحياء بالدماء الخارجية، والأمر متعلق في التحليل الأخير بقدرة المؤسسات الوطنية على استعادة الفاعلية والشرعية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات