حرب العملات ومخاطر التخفيض التنافسي لقيمتها

  • 28 سبتمبر 2010

كانت العملة القوية تعد فيما مضى مصدر فخر للاقتصاد المزدهر، غير أن حكومات عدة بدأت بعد الأزمة المالية العالمية باستخدام وسائل لتخفيض قيمة عملاتها مقابل العملات المنافسة؛ من أجل دعم الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية ومكافحة البطالة.

ومع ذلك، يخشى الاقتصاديون من  أن يؤدي أسلوب "إفقار جيرانك" إلى مخاطر مالية واقتصادية كبيرة على الاقتصاد العالمي. ولهذا، بدأت المنظمات الدولية تدق ناقوس الخطر بإمكانية حدوث أزمة عالمية للعملات، لا تزال في مراحلها الأولية. إن أحدث الأمثلة على "حرب العملات" حصل في منتصف شهر سبتمبر/أيلول الفائت، وتمثل في التدخل الكبير لمصرف اليابان المركزي لإضعاف الين (بكلفة حوالي 20 مليار دولار). وقد تم ذلك بعد تدهور الدولار إلى أقل مستوى له منذ 15 عاماً مقابل العملة اليابانية في الشهر نفسه. وبعد هذه الخطوة اليابانية مباشرة، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أنه مستعد للقيام بمزيد من "التكييف النقدي" لمكافحة الانكماش. وهذا يشير إلى أن المصرف المركزي الأمريكي لم يكن مهتماً كثيراً بالانخفاض المتواصل للعملة الخضراء.

ويرى بعض خبراء الاقتصاد أن الولايات المتحدة قد اتبعت عن قصد سياسة "تخفيض سري للعملة"، وذلك من أجل معادلة اليوان الصيني "منخفض القيمة"، والذي يزعم أولئك الخبراء أنه سبب العجز التجاري الأمريكي المتزايد. وفي الواقع، يُعتقد أن الكونغرس الأمريكي سوف يصوت في الأسبوع القادم على "قانون الإصلاح المالي للتجارة العادلة"؛ من أجل فرض "رسوم تصحيحية" على البضائع الصينية، التي يرى المشرّعون الأمريكيون أنها تستفيد من "العملة الصينية الضعيفة بشكل مفرط". ومن ثم، ينظر مشروع القانون الجديد إلى انخفاض قيمة العملة الصينية على أنه نوع من دعم للصادرات.

ومع ذلك، فإن رئيس الوزراء الصيني، وان جياباو، صرح مؤخراً بأن "الظروف اللازمة لارتفاع كبير في قيمة اليوان غير متوافرة". ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الصينية، وبسبب الضغط المتواصل عليها لإعادة تقييم عملتها، أعلنت في يونيو/حزيران أنها سوف تخفف من قبضتها على سعر الصرف. ومنذ ذلك الوقت، ارتفعت قيمة "الرنمينبي" مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 2%. ولكن خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، أواخر سبتمبر/أيلول المنصرم، اعترف رئيس الوزراء الصيني بأن قدرة بلاده على المحافظة على الاستقرار الاجتماعي يعتمد على العملة المحددة قسراً، ونفى أن يكون لسعر صرف اليوان علاقة بالعجز التجاري الأمريكي. وعند سؤاله عن إمكانية القيام بإعادة تقييم العملة الصينية بنسبة 20 بالمائة مقابل الدولار، أجاب "لا يمكن أن أتخيل عدد المصانع الصينية التي سوف تتعرض للإفلاس، وعدد العمال الصينيين الذين سوف يخسرون وظائفهم، في حالة ارتفاع قيمة العملة الصينية بهذه النسبة". ثم أردف منبهاً أن رفع قيمة العملة الصينية لن يؤدي إلى عودة الوظائف إلى الولايات المتحدة؛ لأن الشركات الأمريكية لم تعد تعمل في مجال الصناعات كثيفة الأيدي العاملة.

وقد حصل شجار دبلوماسي آخر يتعلق بالعملات بين الصين واليابان بعيد تصاعد التوترات بينهم حول قضايا جيوسياسية أواخر شهر سبتمبر/أيلول الماضي. وقد أدت هذه التوترات إلى إثارة شكوك العديد من الخبراء في طوكيو حول المشتريات الصينية القياسية لديون اليابان في يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأغسطس/آب، والتي أقروا بأنها ليست بادرة ودية كما قد تبدو. في هذا السياق، لاحظ أمبروز إيفانس بريتشارد، في مقالة حديثة بصحيفة الدايلي تلغراف، أن العديد من الخبراء اليابانيين يخشون الآن بأن يكون هدف بكين من شراء السندات اليابانية هو الإضرار بالصناعة اليابانية أكثر من المحافظة على ميزة اليوان على الين، وذلك في الوقت الذي يزداد التوتر الاستراتيجي بين البلدين.

ومن المثير للانتباه أن "أزمة العملات" هذه لم تنحصر في القوى الاقتصادية الكبرى فقط. فقد اندفعت البرازيل هي الأخرى، في 23 سبتمبر/أيلول، إلى التدخل في سوق الصرف الأجنبي؛ من أجل تخفيض قيمة "الريال" البرازيلي. فيما تحاول سويسرا أن تزيل الاعتقاد أن عملتها (الفرنك السويسري) ملجأ آمن في الأوقات المضطربة. وفي هذا السياق، تقوم "برن" بتجميع احتياطيات من العملات الأجنبية توازي 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذه الأثناء، فإن اللوبيهات التجارية في أستراليا تمارس ضغوطاً على الحكومة لتخفيض قيمة الدولار الأسترالي، والذي تشير التقديرات إلى وصوله إلى قيمة الدولار الأمريكي خلال العام القادم. وفي غضون ذلك أيضاً، قام المصرف المركزي لجنوب أفريقيا، وهو الأمر الذي أصبح متكرراً، بشراء الدولار الأمريكي من أجل تخفيض قيمة "الراند" هذا الشهر (سبتمبر/أيلول 2010)، فيما تتذمر كوريا الجنوبية من أن عملتها – الوان- في موقف صعب للغاية بين الين والرنمينبي.

ويبدو أن هناك كثيراً من الحقيقة في رأي منصور محي الدين، مدير قسم استراتيجية العملات الأجنبية في مصرف يو.بي.إس السويسري، والذي يرى أنه بسبب عدم تذمر أي من الدول من التدخل الأحادي لليابان في سوق العملة بهدف تخفيض قيمة الين، فإن من المحتمل أن تقوم مزيد من الحكومات بالتصرف نفسه. بعبارة أخرى، ما يوحي به الإجراء الياباني بخصوص سعر الصرف هو أن أسواق العملات العالمية من المرجح أن تشهد مزيداً من حالات تدخل الحكومات والبنوك المركزية في العقد المقبل.

ولكن السؤال الكبير هو: لماذا تقوم العديد من الدول بتخفيض قيمة عملاتها؟ وهي العملية التي تشبه الانتحار على طريقة (الهاراكيري) اليابانية! إن التفسير الرئيس لصالح تخفيض قيمة العملة هو أنه يجعل الصادرات أكثر تنافساً؛ فعند تخفيض قيمة العملة تصبح، كما يقال، أقل كلفة مقارنة للعملات الأخرى. وبهذا، فإن صادرات الدولة صاحبة العملة منخفضة القيمة تصبح أقل كلفة للعملاء الأجانب. وعلى العكس، يجعل التخفيض المتعمد لقيمة العملة الواردات الأجنبية أكثر كلفة للعميل المحلي. وهذا يشجع السكان المحليين على شراء المنتجات المحلية، والذي يساعد بدوره على تشجيع الصناعات المحلية وإنعاش الاقتصاد الوطني، وبالتالي، يساعد على إيجاد مزيد من الوظائف. وكما أن تخفيض قيمة العملة يساعد على تشجيع الصادرات وتخفيض الاعتماد على الواردات، فإنه أيضاً مفيد للميزان التجاري للدولة، وكذلك يساعد على توليد احتياطي كبير من العملات الأجنبية.

يجادل بعض الاقتصاديين بأن العملة مخفضة القيمة تساعد أيضاً المستثمرين والشركات على فتح صناعاتهم وأعمالهم في الدولة؛ لأن كلفة اليد العاملة وكلفة تشغيل العمل تكون أقل نسبياً بسبب ضعف العملة. كما تخفض الحكومات عملاتها هذه الأيام لتحفيز الطلب أو الاستهلاك المحلي. والعديد من الدول تقوم حالياً باعتماد وسائل للتسهيل المالي والنقدي؛ من أجل توفير مزيد من الأموال للناس لشراء المنتجات المحلية. ولهذا، نجد أن بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، تضخ المليارات من الدولارات في اقتصاداتها كجزء من عملية التحفيز الاقتصادي، ولتخفيض معدلات الفائدة على ديون الخزانة المتزايدة.

وتبدو هذه الفوائد الظاهرة سبباً لإغراء الدول على تخفيض قيمة عملاتها. بيد أنها تسبب مشكلات كبيرة وغير مقصودة للاقتصاد العالمي؛ لأن هذا المنحى قد أضحى متواصلاً بفعل اندفاعه التلقائي على شكل كرة ثلج تؤدي إلى تخفيض متكرر للعملات. ولهذا، فقد بدأت أزمة جديدة من النوع المتكرر وغير المتوقع نتائجها بالظهور فعلياً؛ فالتخفيض التنافسي لقيمة العملات يلقي بضغط تنازلي على أسعار الصادرات، ويؤدي إلى ترويج مستويات غير مسبوقة من الانكماش في الأسواق العالمية من جهة، فيما المبدأ المشوب بالخطأ الذي يقول "ببقاء الأضعف" يجبر البلدان على صرف المليارات من أجل التدخل في البورصات العالمية؛ لتخفيض قيمة عملاتها المحلية من جهة أخرى. أما البلدان التي تملك ديوناً بالعملات الأجنبية فستجد كثيراً من الصعوبة في دفع مستحقاتها بالعملات المحلية منخفضة القيمة.

وثمة خطر سيكولوجي يضاف إلى المخاطر الأخرى لهذا التخفيض الجاري؛ فالعملة منخفضة القيمة ينظر إليها على أنها إشارة لضعف اقتصاد الدولة، وتثير تساؤلات عن مدى أهلية هذه الدولة للاستدانة. والتخفيض الزائد لقيمة العملة يؤدي إلى خطر إضعاف ثقة المستثمر بالاقتصاد الوطني. وبالتالي، يلحق الضرر بقدرته على تأمين الاستثمارات الخارجية. والأهم أن هذه الأزمة المالية العالمية تضر بثقة الأسواق العالمية في نظام العملة الورقية نفسه، والذي يتجلى بارتفاع أسعار المعادن الثمينة مثل الذهب.

ومما يجدر بنا ملاحظته أن هنالك العديد من التدابير الدولية ضد التخفيض التنافسي لقيمة العملات. ففي الواقع، يحذر تعديل عام 1976 للفقرة الرابعة من ميثاق صندوق النقد الدولي صناع القرار من "التلاعب بأسعار الصرف … من أجل تحقيق مزايا تنافسية غير عادلة على حساب الأعضاء الآخرين". ولكن لا يمكن سوى لقرار وجهد دولي جماعي وحاسم أن يوقف هذا المنحى من أجل تجنب أزمة مالية كبرى. وقد ألقى المؤرخ الاقتصادي المرموق تشارلز بي كيندلبرغر باللوم على "التخفيض التنافسي للعملات" كأحد أسباب الكساد الكبير في القرن الماضي. ولقد حان الوقت لتوقيف أزمة العملات الأولية مساراتها، ولتطوير توافق عالمي من أجل إنقاذ الاقتصاد العالمي وحماية العولمة.

Share