حرب الاستنزاف الإسرائيلية تضعف الوجود الإيراني في سوريا

تواصل إسرائيل بلا هوادة حربها الاستنزافية ضد الوجود الإيراني في سوريا، الذي تنظر إليه بعين الريبة والتوجُّس، خصوصاً أنه يشكّل إذا ما تمّ ربطه بعلاقة حزب الله اللبناني العضوية مع نظام الولي الفقيه، تهديداً مباشراً ليس لحدودها الشمالية فحسب، وإنما لعمقها وصولاً إلى تل أبيب أيضاً؛ بالنظر إلى ما تملكه إيران من ترسانة صاروخية يسهّل لها وجودها على الأراضي السورية عملية نقلها إلى يد وكيلها في جنوب لبنان.
بدأت حرب الاستنزاف الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في سوريا، التي تريد من خلالها تل أبيب تأكيد تفوقها العسكري في المنطقة، وقدرتها على الردع واستباق أي تهديد لأمنها؛ بعد وقت قصير من اندلاع الصراع المسلَّح في سوريا بين قوات النظام والميليشيات الموالية لها من جهة، وفصائل المعارضة المسلحة من جهة ثانية، الذي دخلت إيران على خطّه منذ وقت مبكر؛ حيث أرسلت منذ عام 2011 الآلاف من عناصر الميليشيات الطائفية الذين جنَّدت بعضهم من مواطنيها، واستقدمت بعضهم الآخر من باكستان وأفغانستان والعراق؛ ليلتقوا على الأرض السورية مع ميليشيات حزب الله اللبناني؛ مشكلين خليطاً من العناصر المنفلتة من أي عقال، وغير الخاضعة لقواعد الاشتباك ولقوانين الجيوش وأنظمتها؛ وهو الأمر الذي أسهم في تأجيج الصراع وتحويله في كثير من الأحيان من سياسي إلى طائفي، ورفَع منسوب القلق لدى دول الجوار، ومن بينها إسرائيل.
وتدرك إسرائيل أن الهدف الحقيقي من التدخل الإيراني ليس حماية النظام السوري، وإنما توسيع نفوذها في المنطقة، وإيجاد أكثر من موطئ قدم لها على الأرض السورية يتيح لها استكمال توصيل ما أُطلِق عليه «الهلال الشيعي» الذي يحيط بالمشرق العربي من إيران شرقاً، مروراً بالعراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان غرباً، وهو ما تعدُّه تل أبيب تهديداً وجودياً لها؛ لأنه يضعها بين فكَّي كماشة في حال شنها حرباً جديدة، سواء في شمالها أو جنوبها.
وقد شنَّت إسرائيل، منذ عام 2011، مئات الغارات على مواقع داخل الأراضي السورية، استهدفت من خلالها مواقع للجيش السوري كانت تؤوي، في معظم الأحيان، إما ميليشيات تابعة لإيران وحزب الله، وإما مرتبطة بهما، وإما مخازن أسلحة وذخائر مملوكة لتلك الميليشيات، أو في طريقها للتهريب إلى الجوار اللبناني.
إدارة تل أبيب هذا الصراع ركَّزت إلى جانب الحل العسكري على العمل الدعائي والحرب النفسية؛ فهي لم تغفل مناسبة إلا استغلتها لتوجيه الرسائل إلى إيران وحلفائها بأنها لن تقبل، في أي حال من الأحوال، أي تمركز لقوات إيرانية، أو لميليشيات تسمح لها بالوجود قرب حدودها الشمالية، وأنها ستدمر أي هدف ترى أنه ربما يضم عناصر أو ذخائر إيرانية، وكذلك إلى المجتمع الدولي لإظهار سلوكها في هذا المجال بأنه دفاع مشروع عن النفس.
ويشير تسلسل الأحداث إلى أن إسرائيل تريد استغلال حالة الضعف الشديد التي تمرُّ بها إيران حالياً، وتصر من خلالها على تضييق الخناق عليها إلى أبعد مدى ممكن، وتكريس العزلة الدولية، التي تعانيها نتيجة سياساتها الإقليمية والدولية، وتدخلاتها في شؤون الدول، واستغلال تقهقر جبهتها الداخلية بسبب عوامل عدَّة، منها تدهور الوضع الاقتصادي، والتخبُّط في التعامل مع الملف الأمني، وارتفاع منسوب الاحتقان في الشارع نتيجة لذلك كلّه؛ ويتجلَّى هذا الاستغلال من خلال تكثيف الضربات على مواقع وجودها في سوريا بشكل غير مسبوق.
ويبدو أن تحقيق الهدف الإسرائيلي بإنهاء الوجود الإيراني في سوريا، أو تحجيمه ليس بعيد المنال؛ خصوصاً في ظل ما يلقاه من قبول وارتياح لدى الطرف الأكثر فاعلية في هذا البلد وهو روسيا، التي لا تغضُّ الطرف عن كل ما تنفذه إسرائيل من عمليات عبر الأجواء السورية فحسب، بل إن الكثير من الهجمات والغارات التي تنفذها الأخيرة تتم بالتنسيق معها، إما بشكل معلن وإما سرّي؛ وهو ما يكشف عن رغبة روسية في الحدّ من نفوذ طهران والميليشيات المدعومة منها، التي باتت أكثر ضعفاً وتشرذماً وفوضوية عقب مقتل الأب الروحي لها، وهو الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات