حراك دولي نشط يدعم حل المشكلة الليبية عبر نافذة إعلان القاهرة

  • 18 يونيو 2020

اكتسب الحراك السياسي الدولي بشأن حل المشكلة الليبية وإنهاء الصراع على السلطة هناك المستمر منذ نحو 9 أعوام، زخماً إضافياً خلال الأيام القليلة الماضية، في ظل تزايد عدد الدول الداعمة للمبادرة المصرية كقاعدة يمكن البناء عليها والانطلاق منها نحو اتفاق شامل يتم عبر التفاوض المباشر بين الأطراف المتنازعة ويضمن مشاركة كل الأطراف في مستقبل البلاد.

هذا الزخم بدا واضحاً في البيانات المتتالية التي صدرت في العديد من العواصم العالمية، والتي تمحورت بمجملها حول مسألة وقف القتال بالدرجة الأولى، والعودة إلى طاولة المفاوضات، حيث جدد الاتحاد الأوروبي مطالبته لأطراف الصراع بالموافقة سريعاً على وقف إطلاق النار، وسحب القوات الأجنبية، والمرتزقة، والعتاد العسكري، وهو موقف انسجمت معه الإدارة الأمريكية التي تتمسك بالمحادثات السياسية والأمنية التي تقودها الأمم المتحدة وبمخرجات اتفاق برلين باعتبارها الأطر المتفق عليها دولياً لحل الأزمة الليبية.

ويبدو أن حكومة الوفاق التي كانت قد رفضت بشدة المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار فور صدورها، قد عدّلت موقفها، بحيث أصبح أكثر انفتاحاً على المبادرة، وهو ما يتجلى في تصريحات وزير الداخلية فتحي باشاغا التي أكد فيها أن مبادرات إنهاء الأزمة السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة هي موضع ترحيب الحكومة، متى ضمنت سيادة ليبيا ومدنية السلطة التي تحتكم إلى إرادة الشعب وخضوع الجيش للسلطة المدنية، ودعوته للمشاركين في ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت نظام معمر القذافي، وجميع الذين بذلوا دماءهم من أجل إقامة دولة مدنية ديموقراطية، إلى الانضباط والمشاركة الإيجابية في بناء دولتهم التي تنبذ التطرف والإرهاب والفوضى.

جامعة الدول العربية ألقت هي الأخرى بثقلها خلف المبادرة المصرية المعروفة بإعلان القاهرة حين دعت حكومة الوفاق إلى تبني موقف إيجابي منها، خصوصاً وأنها تقوم على أساس جامع تلتقي عليه الأطراف كافة الإقليمية والدولية المعنية ولا ترفضه القوى المتنازعة في الداخل الليبي، وهو الوقف الفوري والكامل لإطلاق النار والانخراط في مسار سياسي شامل يخرج ليبيا من أزمتها الحالية.

موقف الجامعة ودعوتها اتسما بالمرونة والانفتاح على مطالب الأطراف كافة من خلال تأكيدها مرونة إعلان القاهرة وأنه ليس من الضروري القبول أو التسليم الكامل بأنه الأساس الوحيد للحل، وأن المطلوب حالياً من حكومة الوفاق ومن الجيش الوطني الليبي إبداء نوايا صادقة ومخلصة للمضي قدماً في الحل السياسي الذي لا بديل عنه لإنهاء الأزمة، وأن يؤمنا بهذا الحل وأن يسعيا إلى التوصل إليه دون تأثر بالتدخلات الخارجية التي لا يمكن أن يكون القائمون عليها والمعنيون بها أحرص على ليبيا واستقرارها أكثر من أبنائها.

ويتلخص مضمون إعلان القاهرة في الدعوة إلى احترام كل الجهود والمبادرات الرامية إلى تسوية الوضع في ليبيا من خلال وقف إطلاق النار وإلزام الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية كافة، وتشكيل مجلس قيادة منتخب، وهي مبادئ لا يختلف أي من الأطراف المتنازعة عليها، بل إنها تشكل في معظم الأحيان المادة الأساسية التي يقوم عليها الخطاب الصادر عن الطرفين، الأمر الذي يرى المتابعون للشأن الليبي فيه ميزة تساعدهما على تجاوز المواقف المتصلبة والمضي قدماً نحو محادثات جادة لإنهاء حالة الانقسام السياسي وإعادة بناء الدولة الليبية.

مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عبر بدوره عن قلقه الشديد من استمرار الأزمة في ليبيا، وندد بالتدخلات الخارجية في شؤون البلاد، التي من شأنها أن تفاقم الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية وتقوض السيادة الوطنية وجهود السلام، ودعا إلى توفير الضمانات الكافية بأن يكون كل دعم خارجي لجهود السلام والأمن في القارة منسقاً وموجهاً بشكل جيد نحو تحقيق أهداف الاتحاد الإفريقي وأولوياته في إطار أجندة الاتحاد لإسكات البنادق في القارة.

وتبدو الجزائر التي تحظى بقبول عربي وعالمي وإفريقي واسع، أكثر الأطراف المؤهلة للقيام بدور وساطة فاعلة في الأزمة الليبية، خصوصاً مع تأكيداتها المستمرة أنها تقف على مسافة واحدة من الطرفين المتصارعين وأن أولويتها في هذا الملف هي تحقيق الاستقرار في هذا البلد الذي أنهكته الصراعات ومساعدة الليبيين في التوصل إلى حل سياسي يجمع شملهم باعتباره السبيل الوحيد الكفيل بضمان سيادة الدولة الليبية ووحدتها الترابية، بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية.

الموقف الجزائري يلتقي إلى حدّ بعيد مع مواقف جميع الدول العربية التي ترى أن سرّ الحل يكمن في الالتزام الإنساني لجميع الأطراف المتحاربة بالتوقف فوراً عن القتال، ورفض التدخلات الخارجية والانخراط الفوري في جهد جاد وحقيقي لبناء المستقبل الذي يستحقه الشعب الليبي ويتطلع إليه.

Share