حراك «داعش» في سوريا والعراق.. هل يمنع إنكار المشكلة مخاطرها؟

  • 28 مايو 2020

على الرغم من تأكيدات الحكومة العراقية بأن عودة تنظيم داعش ليست سوى فقاعة إعلامية، وأنه ليس له فعل أو تأثير حقيقي على الأرض، إلا أنه لا يزال يشكل خطراً حقيقياً يهدد الأمن والسلم والاستقرار ليس في العراق فحسب، بل وفي الدول المجاورة له، وفي مقدمتها سوريا التي نشط فيها هذا التنظيم ولا يزال يحتفظ بتشكيلات من المسلحين والخلايا الناشطة والنائمة التي قد تعود إلى الساحة بمجرد أن تسنح لها الفرصة ويخف عنها الضغط العسكري والأمني.

اعتاد تنظيم داعش على الظهور المباغت والضربات السريعة في معظم الأحيان، غير أن تجربته فيما سمّاها الخلافة الإسلامية في العراق والشام والدولة المزعومة التي أقامها على مدار نحو 4 سنوات تغري قياداته والنافذين فيه على ما يبدو وتفتح شهيتهم لتكرار التجربة، خصوصاً أمام ما استطاعوا في التجربة السابقة الحصول عليه من امتيازات وما جنوه من أموال، يضاف إليها ما تحقق لهم من سلطة مكّنتهم من إشباع غرائزهم ورغباتهم بموجب فتاوى وقوانين وأحكام وتشريعات أصدروها بما يتفق وأهواءهم وبما يضمن لكل منهم أن يكون الآمر الناهي الحاكم بأمر الله في منطقة نفوذه وسيطرته.

وقد بدا واضحاً من خلال المشهد على جانبي الفرات في العراق وسوريا خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أن هذا التنظيم الإرهابي يحاول حالياً وبشكل جدي تجميع فلوله وإعادة تنظيم صفوفه، وإرسال رسائل على الأرض يسعى من خلالها إلى تحقيق هدفين: الأول هو تأكيد أنه ما زال موجوداً وقادراً على أن يقض مضاجع دول المنطقة. والثاني هو جس النبض تجاه إمكانية عودته للظهور مجدداً، خصوصاً لدى عامة الناس وإمكانية إيجاد حواضن اجتماعية له وبالتحديد لدى الطبقات المهمشة والفقيرة التي ضاق عليها الحال بشكل أكبر نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا وانعكاساتها على الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية.

الحكومة والجيش العراقيان لا يبديان أي قلق تجاه النشاطات الأخيرة للتنظيم، ويريان أنه لم يعد يشكل أي خطر على أي من مدن العراق نتيجة للهزائم التي لحقت به على جانبي الحدود السورية العراقية، غير أنها في واقع الأمر تأخذ التهديد على محمل الجد، بالنظر إلى عدد الهجمات التي شنها التنظيم مؤخراً خلال الأسابيع الأخيرة والتي تجاوزت 43 هجوماً في مناطق وجوده في سوريا، وهي مناطق ذات تماس مع مناطق واسعة من الأراضي العراقية، بل تتصل بها جغرافياً وديموغرافياً، الأمر الذي قد يسهل لعناصر التنظيم وقياداته النفاذ والوصول إلى الأراضي العراقية حينما يقررون ذلك والقيام بأعمال ستقض بلا شك مضاجع الناس وتعيد إلى الأذهان الفظائع التي ارتكبها هذا التنظيم خلال سنوات سيطرته على مساحة شاسعة من أراضي العراق وسوريا.

العراق أطلق منذ ما قبل بداية شهر رمضان الماضي عشرات العمليات ضد المواقع التي يكمن ويختبئ فيها عناصر التنظيم في مناطق مختلفة من البلاد، في محاولة لاستثمار الكم الكبير من المعلومات التي استطاعت الأجهزة الأمنية العراقية الحصول عليها وتجميعها حول عناصر التنظيم وخلاياه خلال التحقيقات التي أجريت مع مئات العناصر والقادة ممن اعتُقلوا في السنوات الأخيرة، إلا أن تلك العمليات لا يبدو أنها قادرة بالفعل على إنهاء وجود التنظيم الذي تشير الكثير من التقارير إلى انتشار عناصره على مساحات شاسعة تشمل سلاسل من الكهوف والمغارات في محافظات صلاح الدين وكركوك وأربيل، ومخابئ عبر الصحراء الممتدة من الأنبار وحتى نينوى شمالاً، فضلاً عن وجود خلايا نائمة له في المناطق الشمالية لحزام بغداد يحاول تنشيطها وإعادتها للقيام بعمليات كر وفر، وهو ما يبدو جلياً من خلال إصدارات مرئية أظهرت نشاطاً قوياً لعناصر التنظيم وهم ينفذون عمليات خطف وإعدام لأشخاص وصفوا بأنهم من المتعاونين مع الحكومة العراقية.

في منتصف شهر مايو الجاري تناقلت وسائل الإعلام العالمية أخباراً وتسجيلات مرئية حول هروب عدد من عناصر تنظيم داعش المحتجزين في سجن الهول بريف الحسكة الشرقي الذي تشرف عليه قوات سوريا الديمقراطية، وهي عملية لم تكن لتتم بدون مساندة خارجية فاعلة ومؤثرة، وهو ما يعني أن هذا التنظيم الإرهابي الشرس ما يزال موجوداً وقادراً على إلحاق الأذى بالناس، الأمر الذي لا ينفع معه إنكار وجوده بقدر ما يتطلّب الجديّة في التعامل معه واستشعار خطره والتعاون الحقيقي بين دول المنطقة وأجهزتها لتحييده من ناحية، والعمل على تجفيف منابعه، وخصوصاً البشرية من ناحية ثانية من خلال إنهاء سيطرة الميليشيات وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أبناء المجتمع كافة في كل من سوريا والعراق.

Share