حدود الرهان على الحوار الأمريكي مع إيران

عبدالوهاب بدرخان: حدود الرهان على الحوار الأمريكي مع إيران

  • 26 نوفمبر 2006

الأهم في التغيير الأمريكي، بعد انكسار الحزب الجمهوري، هو انهيار نظريات اليمين المحافظ. ومن المتوقع أن تظهر ملامح هذا التغيير في التعاطي مع إيران وسوريا، بحثاً عن مساعدة في معالجة الوضع العراقي، والهدف المعلن هو إنهاء التورط المكلف من دون انسحاب كامل، بل مع الحفاظ على حد أدنى من "المكاسب" الاستراتيجية.

 لأجل ذلك لجأت الإدارة الأمريكية إلى "لجنة حكماء"، حيادية عموماً، وفيها جمهوريون إلى جانب الديمقراطيين. وقد قصدت هذه اللجنة العراق لتقصي الحقائق واقتراح الحلول، خلافاً لزمرة المتعصبين التي خططت للحرب والغزو والاحتلال ولا تزال تدافع عن مقاصدها على رغم النتائج الكارثية التي تسببت فيها. وحتى بالأمس القريب كانت الإدارة تهزأ بالنصائح التي يفترض أصحابها أن المغامرة الأمريكية في العراق فشلت ولم يعد ينفع تطويع الحقائق ببعض من الكلام بغية تزيين ما حصل أو تبريره.

 لكن "لجنة بيكر" لم تتردد في المطالبة بالتحدث إلى إيران وسوريا، ربما لأن أعضاءها أدركوا أن الخلل في السياسة الأمريكية نفسها وليس في استفادة الآخرين من هذا الخلل. ثم أن التفاوض مع إيران استنفد أغراضه وجهده من دون نتيجة، ولم تعد هناك خيارات كثيرة. فعلى افتراض أن إمكان ضرب إيران متوفر، إلا أن السيطرة على تداعياته غير مضمونة، فضلاً عن أن طهران لم تتوقف عن إبداء رغبتها القوية في التفاوض المباشر مع واشنطن. إذاً، لا بد من تجريب هذه القناة بطريقة أو بأخرى، ولاعتبارات المصلحة الأمريكية أولاً وأخيراً.

 أكثر ما يغضب الأمريكيين أن يقال لهم إنهم ذهبوا لاحتلال بلد عربي باسم مصالحهم، فإذا بهم يكتشفون أنهم احتلوه لمصلحة طرف آخر، بل أصبحوا بشكل أو بآخر تحت رحمته، حتى إن هذا الطرف، وهو إيران، حقق نفوذه في العراق تحت أبصارهم، وأحياناً بمساهمتهم. ثم بدوا كأنهم فوجئوا به وهو يفاجئهم بملفه النووي. أن يهدد هذا الطرف جيرانه فهذا أمر مألوف، أما أن يهدد الوجود الأمريكي نفسه فهذا ما لا يمكن قبوله، خصوصاً أنه يمثل تهديد لإسرائيل أيضاً. والرد المناسب ليس الردع فحسب بل تكسير العدو وإعادته عقوداً إلى الوراء على حد تعبير أحد القادة العسكريين الأمريكيين. إلا أن مواقف أوروبا وروسيا والصين كانت واضحة في رفض الخيار العسكري بسبب كلفته العالية، ولأنه يفتح مرحلة عدم استقرار طويلة في المنطقة.

 ما اقترحته "لجنة الحكماء" يرمي عملياً إلى ترتيب وضع يتيح للولايات المتحدة سحب أعداد مهمة من جنودها، وتمكينها من الاحتفاظ بأقصى ما يمكن من المكاسب والمصالح، عبر التفاهم مع إيران. لم يتم الاختراق بعد، لكنه بدأ مع لقاء بيكر نفسه مع السفير الإيراني في الأمم المتحدة. أما سوريا فالظاهر حتى الآن أن بريطانيا كلفت الاتصال بها، باعتبار أن رئيس الوزراء البريطاني اقترح خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل رزمة أفكار لاحتواء توترات المنطقة. لكن خبرة دمشق في التفاوض تجعلها تطلب باستمرار التزاماً ومشاركة أمريكيتين. ولا يبدو أن واشنطن المتأهبة لفتح حوار مع طهران ترغب أيضاً في انفتاح متزامن على دمشق.

 ماذا تعني التحركات الراهنة؟ في كل الأحوال يصعب تصور انقلاب جذري في النظرة الأمريكية إلى إيران أو في العلاقات بين البلدين، فالإرث الثقيل والحذر المتبادل والمفهوم الأمريكي-الإسرائيلي لموقع إيران ودورها في المنطقة ترجح اختراقاً محدوداً سيكون الهدف منه أولاً اختبار إيران وتقويم نياتها وسلوكها، وثانياً التركيز على انعكاس إيجابي لأي انفتاح على الوضع العراقي، وثالثاً استشراف الخطوات التالية وتحديد إمكان التوصل إلى فك ارتباط بين إيران وسوريا مع ما يعنيه ذلك من إجراءات سياسية وعسكرية لا بد أن تكون لها إسقاطات على لبنان وفلسطين.

 وترجمة ذلك ستكون صفقة محدودة تشمل العراق كأولوية أمريكية والملف النووي كأولوية إيرانية. فالانسحاب الأمريكي من العراق – ولو بشكل جزئي – يفترض ضبط النفوذ الإيراني في هذا البلد والتفاهم على حدوده. في المقابل يبدو أنه لم يعد هناك مجال سوى لقبول أمريكي بالنشاط البحثي الإيراني وصولاً إلى الطاقة النووية، بما ذلك الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، لكن تحت رقابة دولية شديدة. فهل يكفي ذلك، بما يتضمنه من مغريات وحوافز، لإرضاء إيران؟ إنه يخاطب براغماتيتها ويشكل بداية جيدة لتحصيل الممكن، ثم إنه يعني بداية تغيير أمريكي في مقاربة العلاقة مع إيران وفتح صفحة جديدة فيها، وبالتالي ستدرك إيران أنها أمام صفقة لا بد لها من أخذها في الاعتبار طالما أنها تبحث عن تسوية ولا ترى مصلحة في استدراج ضربة عسكرية.

 إذا تمت هذه الصفقة، وإذا نجحت في تحقيق أهدافها الأولية، فإنها ستشكل نوعاً من التأهيل للعلاقة الأمريكية-الإيرانية، ويمكن أن تمهد لصفقة أشمل تعني بأمن المنطقة ودور إيران فيها. فالمطروح الآن هو ترويض الصعود الإيراني وتقنينه، وبات مؤكداً أن الخيار العسكري قد يحوّل المنطقة كلها إلى عراق مضطرب، ولسنوات طويلة. لكن الصفقة تثير هواجس العرب ومخاوفهم، إذ أنها تعني بالنسبة إليهم تكريساً لـ "زعامة" تسعى إليها إيران. لذلك فإن المطلوب ربط أي نتائج لتقارب أمريكي-إيراني بصيغة تعاون إقليمي يشمل المجالات الأمنية والاقتصادية، ومثل هذه الصيغة يمكن أن تؤسس لتوازن جديد تطمح إليه المنطقة منذ زمن.

 لكن إلى أي حد يمكن الرهان على صفقة أمريكية-إيرانية لتحقيق استقرار عراقي، وإلى أي حد يمكن الفصل بين الخليج والشرق الأوسط؟ لقد جرى تجريب مثل هذه الخيارات من دون أي نجاح يذكر، لأن الأطراف التي تسعى إلى الفصل هي نفسها التي أحكمت الربط بين النزاعات ووظفتها في سياساتها. فمن جهة أصبحت هناك ديناميات خاصة وسلبية لتوتير الوضع العراقي وتفجيره، ومن جهة أخرى ليس في الوارد أن ترمي إيران أوراقها الأخرى التي استثمرت فيها مادياً وأيديولوجياً وسياسياً من دون أي مقابل. صحيح أنها تضع مصلحتها قبل علاقتها مع سوريا أو رعايتها لـ "حزب الله" وحركة "حماس"، إلا أنها لا تبدو مضطرة للاستغناء عن هذه الأطراف بشكل مجاني واعتباطي.

 لعل هذه الاعتبارات هي التي تدفع بعض الأطراف، خصوصاً أوروبا، إلى إحياء فكرة مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. فما يحتم مثل هذا التحرك هو إدراك ارتباط النزاعات، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تبدوان جاهزتين لسلوك هذا السبيل .وبين الحاجة الأمريكية إلى تسوية ما مع إيران، والإصرار الإسرائيلي على تجنب أي تنازل، قد يصار إلى المجازفة بصفقة تكسب إيران فيها ما تطمح إليه وتبقى قادرة على استغلال الثغرات الاستراتيجية التي سيخطئ الأمريكيون والإسرائيليون في إهمالها لمجرد أنهم لا يملكون سياسة استقرار للمنطقة.

Share