حدود الدور الخليجي في معالجة الأزمة السورية-اللبنانية

د.بشارة نصار شربل: حدود الدور الخليجي في معالجة الأزمة السورية-اللبنانية

  • 30 يناير 2006

أبدت دول الخليج العربية اهتماماً واضحاً بالعمل على معالجة الأزمة في العلاقات السورية-اللبنانية وإيجاد مخرج يجنب المنطقة تداعيات الضغط الدولي المتواصل على دمشق. لكن يبدو أن ذلك الاهتمام، وما تضمنه من جهود، خاصة من قبل المملكة العربية السعودية، لن يثمر النتائج المرجوة، في ظل مناخ غير مواتٍ ونقص واضح في الأدوات.

فحين حصل ذاك اللقاء المتوتر بين العاهل السعودي والرئيس السوري بعد أيام من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ظن كثيرون من المتابعين للشأن السياسي العربي أن العلاقات بين دمشق والرياض وصلت إلى نقطة اللاعودة، أو أنها دخلت في نفق يصعب الخروج منه إلا بمعجزة، لكن الأيام برهنت أن براجماتية المملكة أقوى من انفعالها، وأن نظرتها الاستراتيجية تتجاوز الخلافات المرحلية.

ساهمت السعودية ذاك الوقت بقوة في دفع مطلب الانسحاب السوري من لبنان، وكأنها شعرت بأن الثمن السياسي المتوجب على حدث جلل مثل مصرع الحريري يجب أن يدفع فوراً وبلا إبطاء، بغض النظر عن "الحقيقة" التقنية أو الجنائية. في الوقت نفسه، كانت السعودية تدعم القرار الذي صدر عن مجلس الأمن، والمتعلق بتشكيل لجنة تحقيق دولية، وما تبعه من قرارات، وكانت تفتح الباب لتشاور مع دمشق، مباشرة وعبر وسطاء، تحت عنوان المحافظة على الاستقرار، وهو عنوان يتضمن معارضة أي سعي إلى إسقاط النظام السوري، انطلاقاً من عامل الخشية من الوقوع في مجهول يشبه النمط العراقي، ومن عامل رفض مبدأ تغيير الأنظمة بالقوة.

في لعبة التوازن المذكورة هذه كانت السعودية تمثل عملياً كل الخليج، وموقفها كان موقفاً إجماعياً ومعبراً عن ذهنية سياسية راجحة في دول مجلس التعاون. لذلك بدت المملكة ناطقة باسم الشعوب الخليجية في موقفها من أزمة سورية مع المجتمع الدولي وأزمتها مع لبنان على السواء. ولا يعني هذا التعبير الشامل فقدان التمايزات في أدوار خليجية أخرى، لعل أكثرها إثارة للانتباه تلك المساعي القطرية التي تظهر بين الحين والحين، والتي لم تعط نتائج واضحة حتى الآن.

لا يخرج الدور الخليجي في الوقت الحاضر عن التوجه التقليدي القائم على التوفيق بين عناصر الأزمات العربية ومحاولة إيجاد نقاط التقاء, غير أن تعقيد الأزمة الحالية، ووصول التدويل فيها إلى مرحلة متقدمة يجعلان المساعي الحميدة تتوقف عند اعتبارات تتجاوز النيات.

وبديهي أن يرخي الوضع الناجم عن الاحتلال الأمريكي للعراق، والتوازنات السياسية الجديدة التي أفرزها، والحال الأمنية المرتبطة به بظلاله على كل تحرك خليجي، في ظل التوجس من انزلاق نحو "عرقنة" في مكان آخر، والريبة من النفوذ الإيراني، الذي تمدد بفضل الأمريكيين في العراق، ولا يتوقف عن تكريس حلفه الاستراتيجي مع سورية و"حزب الله" اللبناني، ناهيك عن وجوده عبر "حماس" و"الجهاد" في داخل فلسطين.

بعد استفاقة الخليج والسعودية خصوصاً من صدمة اغتيال الرئيس الحريري كان لا بد من العودة إلى إحياء حد أدنى من التنسيق بين أركان ما تبقى من نظام عربي، وبدا أن التنسيق "التاريخي" بين مصر والسعودية وسورية استعاد بعض الأنفاس، في محاولة لتخفيف الضغط عن النظام السوري من جهة، وللتقريب بين دمشق وبيروت اللتين تعانيان على المستوى الرسمي من فقدان ثقة شبه تام، وعلى المستوى الشعبي من جرح عميق يحتاج كثيراً من الوقت للالتئام من جهة أخرى. هكذا كانت زيارات غير معلنة لمسؤولين سعوديين إلى دمشق، ثم الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية سعود الفيصل، التي تبعتها قمة في المملكة بين الرئيس بشار الأسد والملك عبدالله، أعقبتها قمة في شرم الشيخ بين الأسد والرئيس المصري. أما محور المناقشات فكان المواءمة بين احترام القرارات الدولية وضمان استمرار التحقيق الدولي، في مقابل رفض المساس بالنظام السوري.

لم تكن المملكة لتقوم بهذه الخطوة من دون ضوء أخضر أمريكي وفرنسي، وقبول دولي بالنظرية الأمريكية، التي لا تتحدث عن تغيير نظام دمشق بل عن تعديل في سلوكه. وفي موازاة ذلك، كانت مساعي المملكة تتواصل لخفض التوتر بين دمشق وبيروت عبر صياغة ورقة مقترحات رفضتها بيروت بعدما وصفتها بأنها مجرد "أفكار سورية" ترمي إلى عودة النفوذ السوري إلى لبنان.

عند هذه النقطة توقف المسعى السعودي، ليترك نقاطاً شديدة الغموض، ويثير أسئلة عما إذا كانت هناك مبادرة سعودية كاملة أم مجرد أفكار أولية مطروحة للنقاش. والسؤال مطروح خصوصاً عن السبب الذي حال دون تنسيق كامل بين بيروت والرياض، وعما إذا كانت بيروت تملك فعلاً هامش رفض اقتراح سعودي.

وعلى أي حال، بدت المساعي السعودية كأنها تعرضت لفرملة لبنانية ودولية بعدما علا من جديد صوت الرئيس جاك شيراك رافضاً أي تسوية "على حساب الحقيقة"، وكررت واشنطن، على لسان وزيرة خارجيتها ومسؤولين آخرين، أن "لا صفقة مع دمشق على الإطلاق". وهكذا تحول ما كان شبه مبادرة سعودية إلى "ورقة لا ورقة"، تبرأ منها كثيرون، والتهمها التصعيد السياسي بين دمشق وبيروت من جهة وبين دمشق وباريس وواشنطن من جهة أخرى. أما ما تسرب منها فكان مطلباً سورياً بإحياء لجنة أمنية سورية-لبنانية مشتركة، وتنسيقاً في السياسة الخارجية بين الدولتين، ووقف الحملات الإعلامية. وهي مطالب رفضتها الأكثرية النيابية والحكومية اللبنانية، واستكملت دفنها زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى دمشق، مكرساً حلفاً إقليمياً يمتد إلى الداخل اللبناني فيثير مخاوف داخلية لبنانية ومخاوف خليجية وعربية على السواء.

نظرياً، يمكن تصور دور عربي يضع مصلحة العرب فوق كل اعتبار، ويحاول الحد من التدخلات الدولية في المنطقة، ويسعى إلى مواجهة الضغوط التي تتعرض لها دمشق، وإعادة وصل ما انقطع في علاقاتها مع لبنان. لكن ما تقدم نوع من المثاليات التي تندثر على أرض الواقع. فحجم التدخل الدولي في المنطقة، وترابط الملفات الإقليمية بالدولية، سواء لجهة الملف النووي الإيراني، أم التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري، أم الرؤيا الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة بعد 11 سبتمبر 2001، كلها مسائل تجعل أي مسعى عربي مضطراً إلى التقاطع مع المساعي الدولية والتأقلم مع متطلبات المجتمع الدولي. وسيصعب على السعودية، والخليج عموماً، في المستقبل القريب الدفاع الكامل عن النظام السوري في وقت يعقد فيه حلفاً مع نجاد في مواجهة الغرب، ويشكل محوراً للصدام مع إرادة واشنطن في المنطقة، ومع إرادة السلطة اللبنانية فيما يتعلق بموضوع لبنان.

مساعدة سورية لمواجهة الضغوط قد لا تكون مهمة سهلة على الإطلاق. فدمشق، التي تتلقى الاتهامات والتهديد بالعقوبات والحصار، لا تملك الوقت لموازنة علاقاتها العربية والدولية بطريقة تطمئن الجميع. والخليج القلق من البرامج النووية الإيرانية، ومن الامتداد الشيعي في العراق، لن يكون أقل قلقاً إزاء رغبة سورية في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في لبنان، ومنح "حزب الله" اليد الطولى في القرار الوطني اللبناني، إضافة إلى قرار السلم والحرب على الحدود مع إسرائيل.

إنها مرحلة صعبة للجميع لا تكفي فيها النيات الخليجية لتجنيب دمشق العثرات، فالنيات تحتاج أدوات، وهي نادرة في هذا الظرف الحساس.

Share