حدود التوتر الراهن بين دولتي السودان

  • 24 أبريل 2012

خلال فترة المباحثات المتعلقة بحق تقرير المصير لجنوب السودان، ردد الرئيس السوداني عمر البشير مقولة "سلام مع الانفصال خير من وحدة مع الحرب"، وذلك لتبرير منح الجنوب هذا الحق. وهي مقولة لم تتحقق، فالانفصال لم يأت بالسلام المأمول فيه. فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على استقلال الجنوب، لم تعرف مناطق الحدود الهدوء؛ حيث شهدت اشتباكات متعددة، أخطرها إقدام قوات الجنوب في العاشر من شهر إبريل الجاري (2012) على احتلال منطقة هجليج النفطية التابعة للشمال والسيطرة عليها، مما استدعى هجوماً مقابلاً من قوات الشمال، وترتب على ذلك تدمير بعض المنشآت النفطية المهمة.

وفي واقع الأمر، فإن تعدد هذه الاشتباكات بين الجانبين هو انعكاس للخلافات الكثيرة،وألمور العالقة بينهما. فحتى الآن لم تتم عملية ترسيم الحدود بين الدولتين، وهو ما يفسر محاولة كل دولة توسيع نطاقها الجغرافي بكل الوسائل، الأمر الذي تسبب في حدوث هذه المواجهات التي تهدد بالانزلاق إلى حرب حدودية واسعة المدى، ما لم يسارع الطرفان إلى احتواء خلفياتها بحلول سياسية وسطية.

وإذا ما بحثنا في خلفيات الوضع الراهن لحالة الاحتقان السياسي المتصاعدة بين الطرفين، فإنه يمكن الإشارة إلى عدة أمور مهمة، أولها: الميراث الثقيل لحقبة ما قبل الانفصال. فقد شهد السودان حرباً أهلية مسلحة بين الشمال والجنوب امتدت لأكثر من ثلثي عمر الدولة، وتسببت في تبديد جانب مهم من مواردها البشرية والمادية، وتشتت معظم الأسر السودانية، التي ما زال كثير منها يعاني من جراح الماضي الدامي. في ظل هذه المعطيات، تصدرت دعوة الجنوبيين إلى الاستقلال المشهد السياسي، وشارك في تأييدها عدد من القادة الشماليين، الذين رأوا في هذا الانفصال منفذاً للخلاص من أعباء الجنوب، وربما حلاً جذرياً لأزمات السودان المتواصلة. وارتفعت مع هذه الدعوة سقف التوقعات الوردية على الجانبين، ولكن هذا التفاؤل لم تتوافر شروطه، وحل محله اجترار أزمات الماضي، التي لم يستطع الحاضر التخلص من حمولتها الثقيلة.

الأمر الثاني، يتعلق بصعوبة تحقيق التوافق بشأن القضايا الخلافية المثارة، فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على استقلال الجنوب (9 يناير 2011) لم يتم ترسيم الحدود النهائية بين البلدين حتى اليوم. ويعود السبب الأساسي في ذلك إلى وجود بعض الآبار النفطية المهمة في مناطق التماس الحدودية أو في المناطق القريبة منها، وفي مقدمتها منطقة أبيي الغنية بالنفط، وذات الثقل الاستراتيجي. ويتطلب حل هذه المشكلات الحدودية العالقة تنازلات متبادلة، وروحاً تعاونية، من أجل الوصول إلى حلول تفاوضية وسطية، تجعل من مناطق الحدود المختلف عليها مناطق تكاملية. لكن ذلك يتطلب أيضاً توافر الإرادة السياسية المشتركة والمعززة بالثقة المتبادلة، وهو أمر لم تتوافر مقوماته بعد في الحالة السودانية الراهنة، فلم يستوعب الطرفان تداعيات الانفصال وآثاره المختلفة.

الأمر الثالث، يتعلق بتسييس الموارد النفطية واستخدامها في ممارسة الضغوط المتبادلة، فقد فرضت حكومة السودان على النفط الجنوبي العابر لحدودها، رسوماً اعتبرتها حكومة الجنوب مبالغاً فيها وتعسفية (32,2 دولار عن كل برميل لتغطية رسوم الترحيل/ النقل، ورسوم تكاليف المعالجة من الشوائب في مصافي الشمال)، وبالمقابل طرحت حكومة الجنوب رسماً لا يتجاوز 0,63 سنتاً للبرميل، وهو بدوره مبلغ زهيد للغاية. والفجوة الكبيرة بين تقديرات الجانبين أوصلت المباحثات بشأنها إلى طريق مسدود.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الرسوم التي فرضتها حكومة السودان على نفط الجنوب قوبلت بالانتقاد حتى من داخل السودان؛ إذ وصفها الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة المعارض، بالابتعاد عن العقلانية، وبأنها محاولة للمشاركة في نفط الجنوب، أكثر من كونها مقابل خدمة للتصفية والنقل والعبور. وكان يمكن حل هذه المشكلة بالتحكيم الفني، لكن جوبا اتجهت للبحث عن منافذ لتصدير نفطها عبر دول أخرى (ميناء مومباسا في كينيا)، غير أنها وجدت أن تحقّقَ ذلك يتطلب سنوات عدة وتكاليف مالية باهظة. وعزّز من هذه الأزمة رفض حكومة الجنوب تحمّل نصيبها من ديون السودان الخارجية قبل الانفصال (تقدر بـ 38 مليار دولار)، الأمر الذي لاقته حكومة الشمال باستياء كبير.

وفي 20 يناير 2012 أعلنت دولة جنوب السودان مفاجأة من العيار الثقيل، بإيقاف إنتاج نفطها الذي يتم تصديره عبر السودان، فأربك ذلك الحسابات السياسية لحكومة الشمال. فهو أمر لم تكن تتوقعه الخرطوم وفقاً للمنطق الاقتصادي والمالي. فعائدات النفط المصدر من دولة جنوب السودان تشكل نحو 98% من إيرادات الخزانة العامة، وإيقافه لفترة طويلة يعني الاختناق الاقتصادي. ولكن ما لم تدركه حكومة الخرطوم، هو أن الاستمرار في عرقلة تصدير نفط الجنوب مهما اختلفت أسبابه وتعددت دوافعه، سيدفع جوبا في النهاية إلى مخاطرة من قبيل "عليّ وعلى أعدائي"، وهو ما تأكد مع قيام قوات الجنوب، التي يفترض أنها قوات حديثة النشأة ومتواضعة الخبرة، باحتلال هذه المنطقة والصمود فيها. وقد أضرّت العمليات العسكرية ببعض المنشآت النفطية، كما جاءت كاشفة عن حقيقة الدور الذي قامت به بعض الأطراف الدولية والإقليمية في هذا التصعيد، إذ يصعب، بحسب بعض المراقبين، إبعاد الصراع السوداني – السوداني الحالي عن دائرة الصراع الأمريكي – الصيني حول الطاقة.

لم يكن تصعيد التوتر بين الجانبين منفصلاً عن واقع الأوضاع الداخلية المأزوم في كلا البلدين. إذ يلاحظ أن كلا النظامين لم يتمكن من الوفاء بوعوده في مواجهة القضايا الحياتية الملحة لشعب عانى الكثير، مما سمح باشتداد عود فصائل المعارضة فيهما، وزيادة شراستها في مواجهة النظامين. وبدلاً من حسن استخدام الموارد النفطية لمواجهة المشكلات التنموية وتحسين أوضاع معيشة المواطنين، أدى تسييس استخدام هذه الموارد في نطاق الضغوظ المتبادلة بين البلدين، إلى فقدان عائدات هذه الموارد وتجميدها، مما زاد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والمالية فيهما، وعرضهما لمزيد من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا وضع الإخوة/ الأعداء نفسيهما في مأزق من صنعهما، وأعطيا الفرصة للأطراف الخارجية الطامعة في مصادر الطاقة، للتدخل المشبوه، ودفع الطرفين إلى عدم التجاوب مع الحلول الوسطية.

وفي تقديري، لم يعد لدى الجانبين القدرة على تحمّل حالة اللاسلم واللاحرب الطويلة التي عاشها الطرفان، فلجأ كل منهما، في غياب الحلول الوسطية أو عدم القبول بها، إلى الوسائل العسكرية لإعادة خلط الأوراق والتوصل إلى نقطة توازن جديدة، اعتقاداً منه بضعف الآخر. وهي للأسف لعبة خطرة من السهل الانزلاق إليها، لكن من الصعب معرفة نهايتها، وإن كان واضحاً أن الشعب في البلدين هو من سيدفع الثمن ويتحمّل التداعيات والأعباء.

وعلى الرغم من إعلان رئيس جنوب السودان سيلفا كير، استعداده للانسحاب من منطقة هجليج الشمالية، والبدء بسحب القوات طوعياً من دون الالتزام بالشروط التي سبق أن وضعها، والتي كانت تقضي بإرسال قوات محايدة تابعة للأمم المتحدة إلى المنطقة وإخلائها من القوات الشمالية، فإن كافة المؤشرات توضح أن الأزمة بين البلدين اقتربت من حافة الهاوية، حيث أعلنت الخرطوم جوبا "عدوة" لها، وقررت حشد قواتها لإسقاط حكومتها، وهو ما تضمنه قرار البرلمان السوداني. بالمقابل وصفت حكومة الجنوب نظام البشير بأن "صدام حسين" جديد، وهددت بإرسال قوات للسيطرة على منطقة أبيي. وما لم يتم سرعة معالجة هذه الأزمة بالحكمة والتريث "القبول بالحلول الوسطى"، سيتحول السودان إلى منطقة صراع مصالح دولية وإقليمية تهدف في النهاية إلى السيطرة على نفطه وموارده.

إن الأزمة الراهنة ناجمة عن سوء تقدير القيادة السياسية في كل بلد لنقاط ضعف وقوة الطرف الأخر، واعتقاد كل منهما أنه يمكن أن تتم تسوية المشكلات العالقة بينهما، وفق معادلة صفرية. وواقع الحال أن الأمر يتطلب حلولاً تستند إلى أسس توافقية، وتنازلات متبادلة، وأخذ العبرة من دروس الماضي وتجاربه المؤلمة. وما لم تقم أطراف ثالثة، بالتدخل العاجل لإيجاد مخرج من المأزق الراهن، فإن الوضع الحالي مرشح للأسوأ، الأمر الذي لن يكون في صالح جنوب السودان أو شماله، بل سيكون وبالاً عليهما.

Share