حدود التفاهم التركي-السوري-الإيراني

عبدالوهاب بدرخان: حدود التفاهم التركي-السوري-الإيراني

  • 22 نوفمبر 2009

لم يعد خافياً، دولياً وإقليمياً وعربياً، أن هناك فراغاً ناجماً عن غياب دور عربي فاعل ومتماسك يمكن التعامل معه في معالجة قضايا المنطقة. وقد لعب عاملان رئيسيان دوراً في ترتيب هذا الفراغ: تراجع وانهيار منهجيان لما يسمى "النظام العربي الرسمي" طوال العقدين الأخيرين، ودخول الجيوش الأجنبية عمق العالم العربي على نحو أدى إلى تهميش الأنظمة والحكومات العربية.

تجاهلت الولايات المتحدة شلل الدور العربي، وعلى الرغم من أنها احتاجت إليه في بعض الأحيان، فإنها اعتبرته مصلحة استراتيجية لحليفتها إسرائيل. فالضعف العربي انكشف غداة حرب "عاصفة الصحراء"، وتكرس مع سقوط خيار الحرب ضد إسرائيل، وتفاقم مع الحرب على العراق وفشل عملية السلام في الشرق الأوسط.

ومنذ العام 2003، بعد غزو العراق واحتلاله، برز الدور الإيراني لملء ذلك الفراغ، مستنداً إلى تحالف مع دولة عربية بارزة هي سورية. وقد دعمت الدولتان أنشطة المقاومة، وحوّلتا احتلال العراق كابوساً أمريكياً، كما خاضتا عبر "حزب الله" حرباً ضد إسرائيل في صيف 2006، وساندتا حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى في مواجهتها للعدوان الإسرائيلي على غزة أواخر العام 2008. وتنخرط إيران حالياً في مفاوضات مع الدول الكبرى ساعية إلى هدفين: انتزاع اعتراف غربي بحقها في أن يكون لها برنامج نووي ذو أغراض سلمية، وانتزاع اعتراف غربي بنفوذها الإقليمي.

في الوقت نفسه كان لافتاً أن تشرع تركيا في دبلوماسية ناشطة نحو الشرق، أي نحو المنطقة العربية، بعدما كانت تركز جلّ جهدها للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. كانت سورية أيضاً هي التي فتحت البوابة الشرقية لتركيا، وما لبثت أن اعتمدت عليها لإطلاق مفاوضات غير مباشرة بينها وبين إسرائيل، كما استطاع البلدان تطوير تعاونهما الاقتصادي. لكن حرب غزة أحدثت شرخاً سياسياً في العلاقات التركية-الإسرائيلية، وساهمت في تلميع صورة تركيا عربياً ما شجعها على الاقتراب أكثر فأكثر من مختلف الملفات العربية. وفي الفترة الأخيرة عملت أنقرة على تحسين علاقاتها مع بغداد، وقامت بوساطة بينها وبين دمشق على خلفية الاتهامات العراقية لسورية بإيواء عناصر متهمة بتدبير تفجيرات دموية ضخمة في بغداد. وفي موازاة ذلك عززت أنقرة حوارها وتقاربها مع طهران، وذهب رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، إلى حد الدفاع عن وجهة النظر الإيرانية في الخلاف النووي مع الدول الغربية.

هذا التناغم بين تركيا وإيران وسورية، المبني على تقاطع مصالح سياسية واقتصادية، طرح إمكان تطوره إلى ما يشبه التحالف، خصوصاً أن أطرافه على علاقة بالقضايا الساخنة في المنطقة. وفي حين أن تركيا لا توحي بأنها تهدف إلى إيجاد صيغة تحالفية، وكذلك إيران التي توسع نفوذها على رغم العزلة الدبلوماسية المفروضة عليها، تسعى سورية فعلاً إلى تطوير لقاء المصالح ليصبح تحالفاً معلناً، ونعتبر أنها الطرف الذي هندس التفاهم الثلاثي الحالي. وخلال القمة السعودية-السورية الأخيرة في دمشق، حاول الرئيس بشار الأسد إقناع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بفكرة الانضمام إلى هذا التفاهم على أساس أنه يكسر الحاجز أمام الحوار العربي-الإيراني، وهو حوار تعتقد دمشق أنه مفيد وضروري تحسباً لأي احتمال مستقبلي سواء توصل الغرب إلى تفاهم مع إيران، أو ذهب على العكس إلى مواجهة عسكرية معها.

لكن شبهة استبعاد مصر لا تشجع السعودية على أخذ هذه الفكرة في الاعتبار، وإن كانت تتفهم دوافع سورية للاندفاع في هذا الاتجاه، علماً بأن التفهم لا يعني الموافقة، ولا يلغي المآخذ على النتائج التي ترتبت عن التحالف السوري-الإيراني، خصوصاً في لبنان وفلسطين والعراق. ومع تفاعل الصراع العسكري في اليمن، وامتداده جزئياً إلى السعودية، تصاعدت الشكوك في الرياض إزاء النيات الإيرانية. إذ تشعر بأن هناك توتيراً تفتعله إيران استدراجاً لتفاوض مع جيرانها للاعتراف بنفوذها. ففي التخطيط الإيراني قد يكون الوقت حان الآن لتحريك "الورقة الشيعية" في الخليج بهدف إشعار الغرب بأن تلكؤه في التفاهم مع إيران واستمراره في التلويح بعقوبات اقتصادية أو بضربة عسكرية لابد أن يعرض استقرار الخليج للخطر.

تبقى المرحلة انتقالية إذاً، ولذلك تطرح فيها أفكار ومشاريع بعضها قابل للتطبيق ويمكن البناء عليه مستقبلاً، وبعضها الآخر يصلح فقط لوضع ضوابط آنية للخلافات والصراعات الدائرة. فإيران لا تمانع أي تقارب معها على قاعدة أنه يدعم المكانة التي استطاعت تحصيلها. وسورية التي عانت من العزل الأمريكي تحاول طرق كل الأبواب للتملص من مفاعيل هذا العزل، وتتمسك بأوراقها اللبنانية والفلسطينية والعراقية حفاظاً على فاعليتها الاستراتيجية. أما تركيا المستاءة من مماطلة الاتحاد الأوروبي في ضمها إليه، فوجدت في الانفتاح السوري عليها ما يمكنها من ممارسة دور إقليمي ودخول أسواق جديدة. ثمة واقعية في توجهات هذه الدول الثلاث، إلا أنها لا تجهل أنها في مرحلة انتقالية، وأن تعاونها الحالي قد يتلاشى لاحقاً بفعل الأمر الواقع، أو قد يكون نواة لتعاون أوسع إذا سمحت التسويات الدولية-الإقليمية ببلورته وتطويره.

لكن هناك أيضاً تناقضات بين هذه الدول الثلاث، في طبيعة أنظمتها السياسية، وأساليب الحكم، فضلاً عن أوضاعها الاقتصادية والسمات العامة لعلاقاتها مع جيرانها، وبالتالي مع الإقليم ومع العالم. لا شيء يمنع أن تتحاور وأن تتعاون وأن تحاول تنسيق سياساتها في أطر محددة، لكن هذه الدول الثلاث تتفاعل في إقليم مضطرب، ومن الطبيعي أن يصطدم تعاونها بالمصالح الدولية. فتركيا التي تجاوزت عملياً أزماتها الاقتصادية والسياسية تبدو متعافية وواثقة من نفسها، لكنها مهما انفتحت لا تستطيع التحرك بعيداً عن الخط الرئيسي المتمثل بعلاقتها مع الولايات المتحدة. أما إيران وسورية فلا تزالان بعيدتين عن ذلك الخط، بل على خلاف شديد معه. وبالتالي فمهما تقاربت الدول الثلاث فستبقى هناك روادع تحول دون انخراطها فيما يشبه الحلف.

من وقت إلى آخر تعود فكرة إنشاء منظومة إقليمية-دولية إلى التداول، باعتبارها الإطار الممكن لاستيعاب النفوذ الإيراني. ويفترض أن تكون تركيا وسورية جزءاً من هذه المنظومة، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي وأطراف أخرى. ولكن قبل أن تصبح هذه المنظومة واقعاً محققاً ينبغي أن تكون الدول الكبرى وإيران قد توصلت إلى حل سياسي للأزمة النووية، وهو أمر لا يزال بحاجة إلى وقت، بل لا يزال مساراً مجهولاً من دون أي ضمانات بأنه سينجح في نهاية المطاف.

Share